لعلّ الخليفة أبا جعفر المنصور، هو مؤسس منصب والي الحسبة في دار السلام . وهو المحتسب الذي يتطوّع في خدمة المنفعة العامة، استناداً إلى حديث الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه حين قال: أيها الناس احتسبوا أعمالكم، فإن من احتسب عمله، كتب له أجر عمله وأجر حسبته . ويرى بعض الباحثين أن لقب المحتسب مشتق من قولهم حسبك . بمعنى اكففْ . لأنه يمنع الناس من الغش وارتكاب المحظورات . وفي المعاجم، ومنها تاج العروس يقال: احتسب فلان عليه: أنكر عليه قبيح عمله . ومنه المحتسب، فيقال: هو محتسب البلد . فالإنكار هو الصفة البارزة في عمل المحتسب لأنه ينكر وقوع الغش في مختلف الصناعات والأعمال في الأسواق . ولهذا كان والي الحسبة يراقب الحرفيين والصناعيين والباعة والتجار في الأسواق، لأجل تنظيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فالحسبة والاحتساب في تاريخ مدينة السلام، كان بمنزلة مراقبة التجار وأرباب الصناعات والحرف لمنع الغش في تجاراتهم ومصنوعاتهم وأعمالهم، فيأخذهم المحتسب باستعمال المكاييل والموازين الصحيحة، ويتأكد من حسن صناعاتهم .
لهذا كله وجد الخليفة المنصور بعدما أنشأ مدينة السلام واستدعى إليها التجار والصناعيين، ضرورة أن تكون الحسبة من النشاط الرسمي في حقل العمل، وقد كان يرى، كيف عجت المدينة بأرباب المهن والتجارات . فوضع القواعد لعمل المحتسب في مدينة السلام، بوصفه المسؤول الرسمي عن فرض أحكام الشريعة، لا سيما بعد أن تداخلت العناصر الإيجابية والسلبية في القوانين العادية . وجعل المنصور من مسؤوليات المحتسب، المحافظة على الآداب العامة، لتأمين نقاوة الإيمان وحماية الناس من التلاعب والتهويل والنصب والابتزاز، كما يقول ابن الأخوة في كتابه (معالم القربة: ص 220) .
وكان على المحتسب في دار السلام/ بغداد، التجول في الأسواق والأماكن التي يباشر فيها مهماته . وألا يبقى على دكته . ولا ضير في تجوله ماشياً أو راكباً في الأسواق . وكانت من مهمات المحتسب التي حدّدها له المنصور في بغداد، النظر في مصالح الرعية وكشف أحوال السرقة وأمور المتعيشين . وكان عليه مزاولة اعماله على أتم وجه .
محتسبون مثقفون
وقد أوصى المنصور محتسب بغداد بألاّ يبخس أحداً شيئاً من حقه . ورسم له مراقبة الصنج والموازين والصناعيين والطوافين ومراعاتهم حتى لا يبخسوا . وقد سار المحتسبون في بغداد في هذا النهج الذي حدده المنصور، فعملوا بحسب تقاليد منصب والي الحسبة . ويقول المؤرخون إن الوزير علي بن عيسى، كان أمر محتسب بغداد في القرن الرابع الذي كان يكثر من الجلوس في داره، بالطواف في الأسواق .
وكان يتوجب على المحتسب الإلمام بغش المبيعات وتدليس أرباب الصناعات . وكان الجهيني محتسباً، فضبط العامة ورفع الغش، وكان يعرف أسرار الصنائع والأمتعة، حتى كان لا يحسن شيئاً غيرها . وكان أحمد بن الطيب السرخسي محتسب بغداد في عهد المعتضد، واحداً من كبار المثقفين وممن ألفوا في حقول شتى . وكان بعض المحتسبين مطلعين على المؤلفات العلمية، كما يقول القفطي في كتابه (تاريخ الحكماء: ص 77) . وكان يطلب في من يتولى الحسبة أن يكون من القضاة العدول . ففي سنة 339 هـ أوكلت وظيفة محتسب بغداد إلى قاضي الشام الذي كان يقيم في بغداد، ويستخلف على عمله في القضاء . إلاّ أنه لم يكن دائماً يولي الحسبة رجالاً من الفقهاء والعلماء، إذ أوكل الوزير عبيد الدين سليمان الحسبة في بغداد إلى يعقوب الصايغ الذي وصفه الخطيب البغدادي بالجهل وقلة التدبر (11/238) . فربما وجد من المحتسبين في تاريخ الحسبة ببغداد من أساؤوا إلى وظيفتهم .
مراقبة الأسواق والقضاة
وكان على المحتسب في بغداد مراقبة الأسواق والطرقات، والتأكد من صحة المكاييل والأوزان . ولم يكن من حقه التدخل في الأسعار، إلا أن ذلك لم يمنع إبراهيم بن طيء محتسب بغداد، من أن يسعر الدقيق في أعقاب شغب ضد الغلاء سنة 307 ه، كذلك كانت صلاحيات المحتسب تطول القطاع المالي والنقدي، فمنع بيع الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلاّ ضمن شروط دقيقة جداً . وقد تدخل هارون بن إبراهيم الهاشمي محتسب بغداد سنة 271 هـ فأمر أهل بغداد بأن يتعاملوا بالفلوس، فتعاملوا بها على كره ثم تركوها كما يقول السيوطي في كتابه (تاريخ الخلفاء: 396) .
ومما يروى أن المحتسب في بغداد كان يسأل حتى المؤذن في أوقات الصلاة، إذا كان عالماً بها، وإلا فلا يدعه يؤذن مع الناس بالصلاة في غير وقتها . وفي سنة 292ه، نودي في بغداد ألا يقعد على الطريق ولا في المسجد الجامع قاص ولا منجم ولا زاجر . وجعل المحتسب على الوراقين أن يحلفوا ألا يبيعوا كتب الكلام بالجدل، وكلف من هم معه بتنفيذ هذا الأمر . وقام محتسب بغداد بتحطيم دنان الخمر التي كانت تحمل لبعض الحكام . كذلك كان المحتسب في دار السلام، يراقب القضاة . فقد مر إبراهيم بن بطحاء والي الحسبة بباب قاضي القضاة، فرأى الخصوم على بابه ينتظرون جلوسه للنظر بينهم، وقد تعالى النهار وجرت الشمس . فاستدعى المحتسب حاجب القاضي، وطلب منه أن يبلغ القاضي ضرورة الجلوس للخصوم، أو إبلاغهم عذره فينصرفوا . وطلب المحتسب في زمن المنصور أن يجلس قاضي بغداد/ مدينة السلام للخصوم في المسجد الجامع، لكي يناله القوي والضعيف كما يقول ابن الأخوة في كتاب (معالم القربة: 305) .
كذلك أمر الخليفة المنصور، المحتسب الذي عينه على دار السلام أن يمنع التعرض للنساء وهن متنقلات في الشوارع . وكان بعض المحتسبين في عهده يتشددون في صلاحياتهم، حتى إن محتسب بغداد، أحرق طاق اللعب لأجل ما يعمل فيه من الملاهي .