خلق الله الإنسان على الفطرة: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الروم:30)، وأشهده على نفسه، فشهد، (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) (الأعراف:172)، وعرض عليه الأمانة فحملها، (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) (الأحزاب: 72)، وأعلن استخلافه للملائكة، فسألت، وتعجبت: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) (البقرة:30) .
وأثبت الله لآدم العلم في مواجهة سؤال الملائكة، ورداً على تعجبهم: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ) (البقرة: 31/33) .
وكما شرف الله الإنسان بحمل الأمانة، وكرمه بالفطرة المركوزة فيه، فطرة أن لا إله إلا الله، فطرة الدين الحنيف، وكما نفخ فيه من روحه، جاء تكريمه الأهم لحياته المقبل عليها متمثلاً في العلم .
وها نحن أولاء بعين البصيرة في ومضات الاستشراف نشهد ما شهده الملائكة في الملأ الأعلى .
السر العظيم
ها نحن أولاء نشهد طرفاً من ذلك السر الإلهي العظيم الذي أودعه الله هذا الكائن البشري، وهو يسلمه مقاليد الخلافة . سر القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات، سر القدرة على تسمية الأشخاص والأشياء بأسماء يجعلها وهي ألفاظ منطوقة رموزاً لأولئك الأشخاص ولتلك الأشياء المحسوسة، وهي قدرة ذات قيمة كبرى في حياة الإنسان على الأرض، ندرك قيمتها حين نتصور الصعوبة الكبرى، لو لم يوهب الإنسان القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات، والمشقة في التفاهم والتعامل، حين يحتاج كل فرد كي يتفاهم مع الآخرين على شيء أن يستحضر هذا الشيء بذاته أمامهم ليتفاهموا بشأنه، فإذا كان الشأن شأن نخلة فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا باستحضار جسم النخلة، وإذا كان الشأن شأن جبل، فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا بالذهاب إلى الجبل، وإذا كان الشأن شأن فرد من الناس فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا بتحضير هذا الفرد من الناس، إنها مشقة هائلة لا تتصور معها حياة، وإن الحياة ما كانت لتمضي في طريقها لو لم يودع الله هذا الكائن القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات .
أما الملائكة فلا حاجة لهم بهذه الخاصية، لأنها لا ضرورة لها في وظيفتهم . ومن ثم لم توهب لهم، فلما علم الله آدم هذا السر، وعرض عليهم ما عرض لم يعرفوا الأسماء، لم يعرفوا كيف يضعون الرموز اللفظية للأشياء والشخوص، ذلك أن وظيفة الاستخلاف تدبير وإرشاد وهدى، ووضع الأشياء في مواضعها من دون احتياج إلى التوقيف في غالب التصرفات، وكل ذلك يحتاج إلى القدرة على استفادة المعارف وإفادتها، أو القدرة على معرفة حقائق الأشياء وخصائصها، أو القدرة على معرفة أسماء الذوات والمعاني .
والملائكة، على شرف ما هم فيه، لا تصلح إلا لأعمال معينة، قد سخرت لها، لا تعدوها، ولا تتصرف فيها بالتحليل والتركيب، وما تنوع تصرفها وما صوابية أعمالها إلا بتوجيه من الله تعالى وتلقين، وهو المعبر عنه بالتسخير .
ولذلك سألوا وتعجبوا، ولما عرضت عليهم المسميات لم يتعرفوا إليها، حين طالبهم ربهم بذلك، (فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) .
لم تتعرف الملائكة إلى الأسماء التي عرضت عليهم، بينما تعرف إليها آدم، وأنبأهم بها، وجهروا أمام هذا العجز بتسبيح ربهم، والاعتراف بعجزهم، والإقرار بحدود علمهم الذي لا يتجاوز حدود ما علمهم الله، وحدود ما هم مخلوقون له وبه، (قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (البقرة: 32) .
(قالوا سُبْحَانَكَ)، وهو قول فيه اصطفاف في مقام الأدب . . وفيه وقوف في مقام التنزيه عن كل نقص . . وفيه إعلان التعظيم لذي العظمة المطلقة . . وفيه إيماء إلى الاعتذار عن مراجعتهم التي بدت في قولهم: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء) .
(سُبْحَانَكَ)، وهو أيضا افتتاح كلام بأبرع استهلال عن الاعتذار، وإن كان قولهم: لا علم لنا إلا ما علمتنا يفيد الاعتذار، لكنه اعتذار بطريق الكناية، من دون التصريح، اعتذار يأتي متأخراً، ولا يأتي ابتداء، فكان افتتاح كلامهم بقولهم: سبحانك هو تعجيل بالتنزيه، وبما يدل على ملازمة جانب الأدب العظيم، لم يفارقوه وإن استفهموا، وإن تعجبوا، وإن أعلنوا ما نشأ في نفوسهم، وهو إعلان المفطور على الصدق والأمانة والنزاهة من كل مؤاربة، إعلان ما لا يخفى على رب العزة سبحانه وتعالى .
(إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)، المحيط علمه بكل شيء، المحكم لكل خلق، وإذا لم تجعل لبعض مخلوقاتك سبيلاً إلى علم شيء، لم يكن لهم أن يعلموه (لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا)، ولا مطمع لنا في تجاوز العلم إلى ما لم تهيئ لنا علمه بحسب فطرتنا .
ذروة التكريم
أثبت الله علم آدم أمام الملائكة، ودلل لهم على جدارته بالاستخلاف: (قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ)، أقرت الملائكة، وتهيأت لتنفيذ أمر ربها بالسجود: (فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (البقرة: 34) .
وكان سجودهم هو أعلى مظاهر التكريم، بل كان هو التكريم في أعلى صوره كما يقول الأستاذ سيد قطب في الظلال لهذا المخلوق المرشح لأن يفسد في الأرض ويسفك الدماء، ولكنه وهب من الأسرار ما يرفعه على الملائكة، لقد وهب سر المعرفة، كما وهب سر الإرادة المستقلة التي تختار الطريق .
إن ازدواج طبيعة الإنسان بين الطين الذي فيه، وبين الروح التي نفخت فيه، وقدرته على تحكيم إرادته في شق طريقه، واضطلاعه بأمانة الهداية إلى الله بمحاولته الخاصة، إن هذا كله بعض أسرار تكريمه .
وسجد الملائكة امتثالاً للأمر العلوي الجليل، (إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)، كان لإبليس موقف آخر من آدم ومن ذريته من بعده، أبى إبليس أن يأتمر بأمر ربه، ففسق عنه، واستكبر أن يسجد لمن أمره الله بالسجود له فكان من الكافرين، وأصر على معصيته، وطلب النظرة إلى يوم الدين فأبلغ أنها له، ولم يلبث أن مارس، ربما للمرة الأولى، شيطنته مع من أعلن عداوته له، وأقسم على أن يغويه عن أمر ربه .
والأمر الواضح في القرآن أن الله يبتلي الإنس بالجن والجن بالإنس وأن من الإنس من نجح في ابتلائه، ومنهم من فشل، وأن من الجن مثل ذلك، فمنهم من نجح ومنهم من فشل في ابتلائه .
وبذلك فلله أولياء في الأرض من الإنس والجن، وللشيطان أولياء من الإنس والجن، ولإبليس حزبه من الجن والإنس، وموقف الإنسان ليس مجالاً لصراع بين الملائكة والشياطين، بل هو موقف دخول في أحد الحزبين، حزب الله: (أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيدَّهُم بِرُوحٍ مِّنْه وَيُدْخِلهمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنهم وَرَضوا عنَه أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حزْبَ اللَّهِ هم الْمفلحونَ) (المجادلة: 22)، وحزب الشيطان: (أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (المجادلة: 19) .