كان كل شيء بعد حجة الوداع يوحي بأن أجل الرسول صلى الله عليه وسلم قد قرب، وكان صلى الله عليه وسلم يحس بذلك، وكان كلامه في خطبة الوداع يشير إلى ذلك في كثير من عباراته، وقد عرف أصحابه ذلك من قول الله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)، ولم يمكث الرسول صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية سوى واحد وثمانين يوماً .

يذكر الدكتور أمين دويدار في كتاب صور من حياة الرسول أنه إذا كان يوم مولد الرسول صلى الله عليه وسلم أسعد يوم في تاريخ البشرية فإن يوم وفاته كان يوم حزن بالغ، ولكنها سنة الله في خلقه فكل نفس ذائقة الموت، والقرآن الكريم خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته إنك ميت وإنهم ميتون .

في بيت عائشة

وقد مرض الرسول صلى الله عليه وسلم بالحمى قبل وفاته، ثم اشتد به المرض، واشتكى من ذات الجنب شكوى شديدة، واجتمع إليه نساؤه كلهن، ورغب الرسول صلى الله عليه وسلم في أن يمرض في بيت عائشة فاستأذن زوجاته فأذن له، فخرج صلى الله عليه وسلم يمشي بين الفضل بن عباس وبين علي بن أبي طالب عاصباً رأسه، حتى دخل بيت عائشة، وكان صلى الله عليه وسلم حريصاً على الصلاة بالمسلمين كلما حضرت الصلاة، وأن يعظهم كلما وجد في نفسه قوة فقال للمسلمين من على المنبر والذي نفسي بيده إني لقائم على الحوض الساعة، وردد الشهادة ثم استغفر لشهداء أحد، ثم قال: إن عبداً من عباد الله خير بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله فبكى أبوبكر الصديق رضي الله عنه وقال بأبي وأمي يا رسول الله .

ولم يزل الرسول صلى الله عليه الصلاة والسلام حريصاً على الصلاة بالمسلمين حتى غلبه المرض ولم يستطع الصلاة بالمسلمين فأمر أبابكر بأن يصلي بالناس، وقد اشتد المرض برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان اليوم الذي توفي فيه، حيث خرج إلى الناس وهم يصلون فقام على باب عائشة ينظر إلى المسلمين وهم يصلون ففرح المسلمون حين رأوه، فتبسم الرسول صلى الله عليه وسلم .

وبعد أن اشتد به المرض وجلست بجواره فاطمة الزهراء تبكي، طلب أن يحدثها سراً فابتسمت بعد حديث الرسول صلى الله عليه وسلم معها، وكان ما أسعدها أن الرسول أخبرها بأنه سيلقى ربه، وأنها ستكون أول من يلحق به من أهل بيته .

الحزن العظيم

وتوفي صلى الله عليه وسلم في يوم الاثنين الموافق الثاني عشر من ربيع الأول في السنة الحادية عشرة من الهجرة وعمره ثلاثة وستون عاماً، وكان موت الرسول صلى الله عليه وسلم حدثاً أذهل العقول وأفزع القلوب، فكان الفراغ الذي تركه شيئاً لا يتصوره عقل، حتى أن عمر بن الخطاب قال: إن رسول الله ما مات لكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى .

ويذكر الدكتور محمد الدسوقي في كتاب أيام في حياة محمد أنه عندما عرف أبوبكر الصديق خبر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم دخل عليه وكشف وجهه وقبله ثم قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ثم خرج للناس وعمر بن الخطاب بينهم لا يصدق ما يقوله الناس عن موت الرسول حتى قال أبوبكر: أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ثم تلا قول الله تعالى وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم علي أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين .

وهكذا ذهب الحادث بألباب الصحابة حتى ذهب الظن بعمر بن الخطاب رضي الله عنه أن الرسول لم يمت، وأنه سيبقى في أمته حتى يشهد عليها، ولكن كلمات أبي بكر ردت عمر إلى صوابه وكشفت للناس عن حقيقة ما كانوا ليجهلوها، لولا أن عظم المصيبة بفقد الرسول أذهلهم حتى نسوا أن رسول الله بشر يجوز عليه ما يجوز على الناس من الحياة والموت، وأنه صلى الله عليه وسلم مات بعد أن أدى رسالة ربه خير أداء وبينها أحسن بيان، وترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها .

وغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفن في ثلاثة أثواب ثم وضع على سريره ثم دخل الناس يصلون عليه، ودخل الرجال فصلوا عليه، وبعد أن فرغوا دخلت النساء حتى إذا فرغن دخل الصبيان، ولما أراد المسلمون أن يدفنوه، قال البعض ندفنه في مسجده، وقال آخرون: ندفنه مع أصحابه، فرد عليهم أبوبكر الصديق قائلاً: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض، فدفن صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة وهو المكان الذي أقيم عليه ضريحه الطاهر ورفعت عليه القبة في مسجده الشريف بالمدينة المنورة .