عوض الله نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم عن فقدان والديه بحنان جده وحاضنته أم أيمن، وكان يوضع لعبد المطلب بن هاشم جد رسول الله صلى الله عليه وسلم فراش في ظل الكعبة، وكان بنوه يجلسون حول فراشه، فلا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالاً له، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني، فوالله إن له لشأناً، ثم يجلسه معه على الفراش، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما يراه يصنع.
بعد فترة يسيرة، نام عبد المطلب على فراش الموت، وقد كان يتمنى أن يعيش طويلاً حتى يرعى حفيده المبارك صلى الله عليه وسلم. ولكن جاءت اللحظة الحاسمة ومات عبد المطلب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبلغ من العمر ثماني سنوات.
ويذكر الشيخ محمود المصري في كتابه «ليلة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم»: «كان عبد المطلب قد أوصى ابنه أبا طالب في اللحظات الأخيرة بأن يكفل محمداً صلى الله عليه وسلم ويرعاه.. فلما مات عبد المطلب كفل أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم وأخذه إلى بيته ليعيش مع أولاده».

«إنك لمبارك»

وعرفت البركة طريقها إلى بيت أبي طالب، فقد كانت زوجته تشعر بأن أولادها لا يشبعون من الطعام أبداً، فلما عاش الحبيب صلى الله عليه وسلم بينهم دخلت البركة إلى هذا البيت الكريم وبخاصة في طعام الأولاد إذا أكل معهم الحبيب صلى الله عليه وسلم.
فكان أولاد أبي طالب إذا أكلوا جميعاً أو فرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شبعوا، فكان أبو طالب إذا أراد أن يغذيهم أو يعشيهم يقول: كما أنتم حتى يأتي ابني، فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل معهم فيفضل من طعامهم.
وإن كان لبناً شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أولهم، ثم يناول القعب (الإناء) فيشربون منه، فيروون عن آخرهم من القعب الواحد، وإن كان أحدهم ليشرب قعباً وحده، فيقول أبو طالب: «إنك لمبارك».
وكانت فاطمة بنت أسد زوجة عمه أبي طالب رضي الله عنها ترى كل هذه البركات التي دخلت بيتها للمرة الأولى، وهي تكاد لا تصدق نفسها، فكانت تزداد حباً للنبي صلى الله عليه وسلم يوماً بعد يوم.

من أهل الجنة

وعن حزنه صلى الله عليه وسلم يوم وفاة امرأة عمه، يقول مجدي محمد الشهاوي في كتابه «مواقف حزن فيها الرسول صلى الله عليه وسلم»: «عن الزبير بن سعيد القرشي قال: كنا جلوساً عند سعيد بن المسيب، فمر بنا علي بن الحسين، ولم أر هاشمياً قط كان أعبد لله منه، فقام إليه سعيد بن المسيب، وقمنا معه، فسلمنا عليه، فرد علينا، فقال له سعيد: يا أبا محمد، أخبرنا عن فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، قال: نعم حدثني أبي قال: سمعت أمير المؤمنين علي بن أبى طالب يقول: لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم كفنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قميصه، وصلى عليها، وكبر عليها سبعين تكبيرة، ونزل في قبرها فجعل يومئ في نواحي القبر كأنه يوسعه، ويسوى عليها، وخرج من قبرها وعيناه تذرفان، وحثا في قبرها».
فلما ذهب، قال له عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله لقد فعلت على هذه المرأة شيئاً لم تفعله على أحد؟! فقال: «يا عمر إن هذه المرأة كانت أمي التي ولدتني، إن أبا طالب كان يصنع الصنيع، وتكون له المأدبة، وكان يجمعنا على طعامه، فكانت هذه المرأة تفضل منه كله نصيباً فأعود فيه، وإن جبريل عليه السلام أخبرني عن ربي عز وجل أنها من أهل الجنة، وأخبرني جبريل عليه السلام أن الله تعالى أمر سبعين ألفاً من الملائكة يصلون عليها». (أخرجه الحاكم).

المسلم الرابع عشر

أسلم عثمان بن مظعون رضي الله عنه بعد ثلاثة عشر رجلاً، وكان من سادة المهاجرين، ومن أولياء الله المتقين، وهاجر إلى الحبشة هو وابنه السائب، الهجرة الأولى في جماعة، وقد توفي بعد شهوده بدراً في السنة الثانية من الهجرة، وهو أول من مات بالمدينة من المهاجرين، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وهو أول من دفن بالبقيع منهم.
عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قبَّل عثمان بن مظعون وهو ميت، وهو يبكي. وفي رواية: وعيناه تذرفان. وفي أخرى: (وعيناه تهراقان). وفي ثالثة قالت: (حتى رأيت الدموع تسيل على وجنتيه).
وفي رواية ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على عثمان بن مظعون حين مات، فأكب عليه، فرفع رأسه، فكأنهم رأوا أثر البكاء، ثم جثا الثانية، ثم رفع رأسه، فرأوه يبكى، ثم جثا الثالثة، فرفع رأسه وله شهيق، فعرفوا أنه صلى الله عليه وسلم يبكي، فبكى القوم.
وأيضاً عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «لما مات عثمان بن مظعون قالت امرأته: هنيئاً لك يا ابن مظعون بالجنة. قال: فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرة غضب فقال لها: «ما يدريك؟ فوالله إني لرسول الله، وما أدري ما يفعل بي، ولا به».
قالت: يا رسول الله فارسك وصاحبك، فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال ذلك لعثمان، وكان من خيارهم..حتى ماتت رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «الحقي بسلفنا الخير عثمان بن مظعون».
قال: «وبكت النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «دعهن يبكين، وإياكن ونعيق الشيطان» ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مهما يكون من القلب والعين فمن الله والرحمة، ومهما كان من اليد واللسان فمن الشيطان».
وقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على شفير القبر وفاطمة إلى جنبه تبكي، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح عين فاطمة بثوبه، رحمه لها. (أخرجه أحمد).
وعن سالم أبي النضر قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون وهو يموت، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوب فسجي عليه، وكان عثمان نازلاً على امرأة من الأنصار يقال لها أم معاذ، قال: فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم مكثاً طويلاً عليه وأصحابه معه، ثم تنحى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى، فلما بكى بكى أهل البيت، فقال: «رحمك الله أبا السائب». وكان السائب قد شهد معه بدراً، فتقول أم معاذ: هنيئاً لك أبا السائب الجنة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وما يدريك يا أم معاذ؟ أما هو فقد جاءه اليقين ولا نعلم إلا خيراً». قالت: لا والله لا أقولها لأحد بعده أبداً». (أخرجه الطبراني)

كأنها أمه


كانت فاطمة بنت أسد رضي الله عنها تشمل النبي صلى الله عليه وسلم بعطفها وحنانها في طفولته وشبابه، وظلت ترعاه وتخصه بالتقدير والاحترام إلى أن تزوج خديجة بنت خويلد رضي الله عنها. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشعر بأن الله تعالى أراد أن يعوضه عن موت أمه بهذه المرأة العظيمة الرحيمة التي كانت تعامله وكأنها أمه التي ولدته.