الحديث عن صفة الخلق عند اللّه سبحانه وتعالى، موصول بالحديث عن بدء الخلق . وآنئذٍ لا بد من التأسيس على قوله تعالى في القرآن الكريم في سورة الروم (27): وهو الذي يبدأ الخلق، ثم يعيده . وفي حديث رواه عمران بن الحصين رضي اللّه عنه، وأخرجه الإمام البخاري في كتاب بدء الخلق، قال: أتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فعقلت ناقتي بالباب، ثم دخلت، فأتاه نفر من بني تميم، فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم . قالوا: قد بشرتنا فأعطنا . فجاءه نفر من أهل اليمن، فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها إخوانكم بنو تميم . قالوا: قبلنا يا رسول اللّه . أتيناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر كيف كان؟ قال: كان اللّه عز وجل ولم يكن شيء غيره . وكان عرشه على الماء . ثم كتب جل ثناؤه في الذكر كل شيء . ثم خلق السموات والأرض . قال عمران: ثم أتاني رجل فقال: أدرك ناقتك فقد ذهبت . فخرجت فوجدتها ينقطع دونها السراب . وايم اللّه لوددت أني كنت تركتها .
تقدير المقادير
وهناك أحاديث نبوية شريفة تتحدث أيضاً عن الخلق وبدئه وزمانه ومقداره . من ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: قدر اللّه المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة . وفي رواية أخرى عن أبي عبد الرحمن الحبلي أيضاً عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: فرغ اللّه عز وجل من المقادير وأمور الدنيا قبل أن يخلق السموات والأرض وعرشه على الماء بخمسين ألف سنة .
وقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان عرشه على الماء، يعني أن اللّه عز وجل خلق الماء وخلق العرش على الماء . وفي حديث رواه أبو رزين العقيلي، وأخرجه الإمام البخاري، قال: قلت لرسول اللّه، أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق العرش على الماء . وفي القرآن الكريم يقول تعالى: أأمنتم من في السماء (الملك 16) . يريد من فوق السماء، كما في قوله تعالى ولأصلبنكم في جذوع النخل (طه: 71) أي: على جذوعها . والواقع أن القرآن الكريم يبين في سورة هود (7) خلق العرش فوق الماء، وذلك حين يقول: وكان عرشه على الماء .
خلق السموات والأرض
ويقول العلماء الأجلاء إن صفة الخلق عند اللّه عز وجل، إنما ترد في سور عديدة مثل سورة البقرة (29): هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات . وخلق اللّه تعالى الأرض في يومين: قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين (فصلت: 9) . وقد خلق في كل سماء خلقاً من الملائكة . والخلق هو الذي فيه من البحار والجبال وما لا يعلم . ثم خلق السماء الدنيا وزينها بالكواكب . فلما فرغ اللّه من خلق ما أحب، استوى على العرش، فذلك حين يقول في القرآن الكريم: خلق السموات والأرض في ستة أيام (الأعراف: 54) . وتفصيل ذلك كما يقول تعالى: كانتا رتقاً ففتقناهما (الأنبياء: 30) . ويقول تعالى أيضاً في سورة النازعات (27- 30): أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها . رفع سمكها فسواها . وأغطش ليلها وأخرج ضحاها . والأرض بعد ذلك دحاها . ويقول ابن عباس رضي الله عنهما: ودحاها (الأرض) أي: أخرج منها الماء والمرعى، وشق فيها الأنهار، وجعل فيها السبل، وخلق الجبال، والرمال والآكام . ويقول ابن عباس أيضاً: إن اللّه تعالى لم ينزل شيئاً إلا قد أصاب به الذي أراد، ولكن الناس لا يعلمون . وقد أخرج البخاري هذا الخبر عن ابن عباس .
وفي حديث للأمام مسلم في باب ابتداء الخلق، رواه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: أخذ رسول اللّه بيدي فقال: خلق اللّه التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها من الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل .
وعن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً (فصلت: 11) أي قال للسماء: اخرجي شمسك وقمرك ونجومك، وقال للأرض: شققي أنهارك وأخرجي ثمارك . فقالتا: أتيناك طائعين . وفي حديث لعائشة رضي اللّه عنها، أخرجه مسلم في صحيحه، قالت: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم عليه السلام مما وصف لكم .
وهناك آيات كثيرة في سور متعددة تتحدث عن خلق العرش وصفته، كقوله تعالى: ذو العرش المجيد (البروج: 15) وقال جلت عظمته وترى الملائكة حافين من حول العرش (الزمر: 75) وقال تبارك وتعالى: وسع كرسيه السموات والأرض (البقرة: 255) إشارة منه إلى الكرسي المشهور المذكور مع العرش .