مع كثرة المحن، واشتداد الفتن، قد يتسلل اليأس إلى بعض القلوب، وقد يدخل بعض النفوس الشك في نصر الله وتمكينه لأوليائه، وهذه الظنون والشكوك تفعل فعلها في القلوب التي لم تهتد بنور الوحي حق الاهتداء، أو قل لم تتدبر كتابَ ربها حق التدبر، كتابُ الله الذي فيه البشارةُ بالنصر والتمكين لعباد الله المؤمنين ولا نشك ولا نرتاب لحظةً واحدة في ذلك، يؤيد ذلك تأكيد ربنا جل وعلا: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا (غافر: 51) وولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (الحج:40) .
قال سبحانه عن الحال التي قد يصل إليها الأنبياء من الشدة والبلاء: حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء (يوسف: 110)، ويقول سبحانه: والله يؤيد بنصره من يشاء (آل عمران: 13)، ويقول سبحانه عن الحقيقة التي لا يجوز أن تغيب عن أذهاننا: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون،وإن جندنا لهم الغالبون (الصافات:171-173) .
هي سنة الله . . لن تمكن الأمة حتى تبتلى وتمحص وحتى يُعلمَ الصادق من الكاذب والمؤمنُ من المنافق، ولا يغيب عن الأذهان طرفة عين ما ذكر من آيات بأن هذه الأمة منصورة فلا تجزعوا لفترة عصيبة قد تمر بالأمة فهي من مقدمات النصر، فلا نصر من دون ابتلاء، ولو وجد النصر بدون الابتلاء لكان أحق الناس به أحب الخلق إلى الله وهو محمد صلى الله عليه وسلم .
يقول مصطفى صادق الرافعي: (إن الباطل لا يجد قوته في طبيعته، بل تأتيه القوة من جهة أخرى فتمسكه أن يزول، أما الحق فثابت بطبيعته قوي بنفسه . . والحقيقة محتاجة إلى من ينكرها ويردها كحاجتها إلى من يقر بها ويقبلها، فهي بأحدهما تثبت وجودها وبالآخر تثبت قدرتها على الوجود والاستمرار) .
من قلبِ ظلامِ الليلِ يبزغ نورُ النهار، ومِن وسطِ آلامِ المخاضِ يَهل الوليدُ نابضًا بالحياةِ، هذه هي سنةُ اللهِ، فالأهدافُ العظامُ لا بد لها من تضحياتٍ جسامٍ
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنةَ وَلَما يَأْتِكُمْ مَثَلُ الذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَستْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضراءُ وَزُلْزِلُوا حَتى يَقُولَ الرسُولُ وَالذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِن نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ (البقرة: 214) .
ونصرة دين الله تتحقق من خلال قول الله تعالى: الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر (الحج: 41) وقوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً (النور: 55) .
قيمة الجهاد
البون شاسع بين القاعدين عن الجهاد بغير عذر وبين المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، لا يشغلهم أي عمل كان غير الجهاد . والآية الكريمة الآتية توضح ذلك:
لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهُ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاً وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (النساء: 95) .
والرسول الكريم صلى الله عليه و سلم يبين أهمية الجهاد بالآتي: لَوَدِدْتُ أنى اُقْتَلُ في سَبِيلِ الله ثُم أُحْيَا ثُم اُقْتَلُ ثُم أُحْيَا ثُم أُقْتَلُ (متفق عليه) .
والله أعلم كم كان الرسول صلى الله عليه وسلم سيكرر: ثم اُقتل ثم أُحيا، إن لم يخش الإطالة في الكلام، إذ المقصود - من هذا التعبير- هو الاستشهاد في سبيل الله بغير حصر . والذي يدعو إلى التأمل، أن هذه الرغبة والأمنية تصدر من سيد المرسلين وإمام الأنبياء صلى الله عليه و سلم الذي يقول أيضاً: رِبَاطُ يَومٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدنْيَا وَمَا عَلَيْهَا وَمَوضِعُ سَوْطِ أحَدِكُمْ مِنَ الْجَنةِ خَيرٌ مِنَ الدنْيَا وَمَا عَلَيْهَا وَالروْحَةُ يَروحُهَا العَبْدُ فِي سَبِيلِ اللهِ أو الغَدْوَةُ خَيرٌ مِنَ الدنْيَا وَمَا عَلَيْهَا . (رواه البخاري وأحمد) .
إن عودة الشباب إلى الإسلام الصحيح والتمسك بالعقيدة ومحبة العلم وتسارعهم للجهاد في سبيل الله . . هذه من بشائر النصر للأمة، فإذا كان شبابها شباب علم ودعوة وجهاد فبمثل هؤلاء يحصل النصر، ونحن حين نرى صغار المسلمين وهم في حِلَق القرآن وفي حِلَق العلم، نفرح ونقول هذا هو جيل النصر، نفرح حين نرى صغار المسلمين وهم يتكلمون بكلمات تنم عن التربية التي سوف ينشأون عليها فنراهم يرددون البغض للأعداء ومحبة الصالحين والعلماء والمجاهدين فنقول هذا والله الذي نريد .
إن مفهوم الجهاد صار طريق إيصال الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى بإزالة العوائق بينه وبين خالقه وحيثما يُذكر الجهاد في الوقت الحاضر يرد إلى الذهن هذا المعنى القريب .
ترويض النفس
إن جهاد النفس يعني ترويضها وتعليمها وتأديبها لتلتزم باتباع أوامر الله تعالى واجتناب نواهيه ابتغاء مرضاته جل وعلا، وكذلك إلزامها بالأخلاق الفاضلة و الآداب الشرعية، ومحاربة وساوس الشيطان و أهواء النفس الأمارة بالسوء، وهذا من أهم أنواع الجهاد لتكن كلمة الله هي العليا في نفسك أولاً، وهذا الضرب من الجهاد فرض عين وهو كالأساس لما بعده من صنوف الجهاد،ولا ينتهي هذا الجهاد حتى ينتهي أجل المسلم، وليس المطلوب أن يحرز المسلم الدرجة المثالية في هذا الجهاد كشرط لدخوله في أنواع أخرى من الجهاد، وإلا لما جاهد أحد بعد الأنبياء وصفوة الصحابة، ولكن المطلوب هو أن ينخرط كل مسلم و مسلمة في جهاد النفس ليعرف صلاحه من فساده ولا يترك العنان لها لتفعل ما يحلو لها، فكم نحن متخاذلون عن هذا الجهاد؟
إن أغلب الذين يتخلفون عن الجهاد إنما يتخلفون عنه خوفاً على الحياة ولكن من يستسلم لله حق الاستسلام لا يقلق أدنى قلق ولا يضطرب قط، لأنه يعتقد: أنني مؤمن بالله، فهو معي، لا داعي إذن للتوتر ولا إلى التسيب . فلا يخيفني شيء أبداً مادام الله الذي لا إله إلا هو له الملك وله القدرة المطلقة ظهيري ونصيري .
العودة إلى الأصالة
ونحن إن كنا نريد أن ينتهي ما نحن فيه من تيه واضطراب نقاسيهما فعلينا أن نعود إلى هويتنا الأصيلة وشخصيتنا الذاتية في ظل التربية الإسلامية الحقيقية، وسيجعلنا سبحانه وتعالى أعزاء كرماء مادمنا لا نركن إلى المنافع المادية كثيراً ولا نشغفها حباً ولا ننكس رؤوسنا أذلاء أمام مطامع الدنيا بل ندير ظهورنا إليها وإلى أذواقها ولذائذها .
إن الجهاد منبع يتدفق بالحياة، فيجعل المسلمين في حيوية مستديمة . فما من أمة حُرم أفرادها من الجهاد المادي والمعنوي، إلاّ ظهرت فيهم المشاحنات والمخاصمات الداخلية، وكم من دولة عظيمة انهارت بسبب تفرق أبنائها واستحكام الخلافات بينهم .
ونحن مذ تركنا الجهاد وقعنا في فخ التبعية والانقسامات، ولا خلاص من هذه الحالة إلا بالجهاد، فالجهاد للمؤمن أسمى غاية وأعلى مثل يمكنه أن يضحى له بنفسه، وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ماترك قوم الجهاد إلا ذلوا . . .
إن الجهاد الذي هو تحرير كل موضع في الأرض وإبلاغ أنوار اسم سيد المرسلين إلى أشد الأماكن ظلاماً، وإنارة العالم كله بنور القرآن المبين . . هذا الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة . وسيظل المؤمنون في مستوى المسؤولية لأداء مهمة الأمة الوسط وحقها بين الدول والشعوب . ولأن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين أدركوا هذا السر فإنهم كانوا يراجعون الرسول صلى الله عليه و سلم ويسألونه المزيد من طرق الخير . حتى كان منهم من يسأل: (دُلنِى علَى عَمَلٍ إذا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنة) .
إن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كان مؤيداً بجنود الله مرات ومرات وما معركة بدر إلاّ أنشودة هذا التأييد . فمثلما يُطلق على الصحابي الذي اشترك في بدر أنه من أصحاب بدر كذلك يطلق على الملك الذي اشترك فيها أنه من ملائكة بدر (فعن مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزرَقِي عَنْ أَبِيهِ وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ قَالَ جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النبِي صلى الله عليه و سلم فَقَالَ: مَا تَعُدونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قَالَ: مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا . قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمَلائِكَةِ) .
عزة الشهادة
إن المؤمن الذي يحظى بالشهادة وهو يجاهد في سبيل الله يموت عزيزاً، وتدوم عزته إلى يوم القيامة كراية خفاقة باسم الدين الذي آمن به، وموت كهذا لا يحظى به إلا من هانت عليه الحياة وابتسم في وجه الموت، فالجهاد حظ أولئك الأطهار القدسيين الذين ولدوا أطهاراً، فلا يسعهم فخر الأمة وعزتها قبراً بل يدفنون في قلب الأمة الإسلامية .
والله تبارك وتعالى يقول: وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ (البقرة: 154) .
لو أمكن الاتصال بأرواح الشهداء ومخاطبتهم والتحدث معهم، فسنجد أنهم يبكون على الأحياء . فنحن نبكي الشهداء ونرقّ لاَيتَامهم الذينَ تركوهم، بينما هُم يَبكُونَ على الوضع الأليم لأهل الدنيا، وعلى الدنيا التي أصبحت صنماً يُعبد من دون الله . وعلى الحياة التي غدت تمضي في رخاء وراحة ملفعة بالذل والبؤس، وعلى القعود عن الجهاد في سبيل الله، وعلى التكاسل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
فلا تحقرن من الجهاد شيئاً، من دعاء أو امتثال لأمر الله أو بر لوالدين أو صلة رحم أو حسن جوار أو كف أذى أو كظم غيظ أو حفظ لسان أو حسن ظن بمسلم وادع معي بأن ينصر الإسلام في نفوسنا أولاً وأن ينصر المسلمون في إقامة الإسلام في مجتمعاتهم وأن ينتصروا على أعدائهم .
اللهم يا من صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده انصر إخواننا الذين يجاهدون لتكون كلمتك هي العليا، ولينعموا بحريتهم وتقرير مصيرهم فإنك خير الناصرين، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .