د . عادل أحمد الرويني

قال تعالى: "وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم" (آل عمران: 126) . "ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون" (آل عمران: 128) "ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم" (آل عمران: 129) .
"وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين * الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين * والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون * أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين" (آل عمران 133 - 136) .
السؤال: لم قيل في آية الأنفال "إن الله عزيز حكيم" بالتأكيد (بإن) وإثبات لفظ الجلالة في قوله تعالى: "وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم" (الأنفال: 10) وعدم ورود ذلك في آية آل عمران في قوله تعالى: "وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم" (آل عمران: 126)؟
الجواب: ورد التأكيد بإن في آية الأنفال؛ لأنه تقدمها وعود عظيمة من الله تعالى للمسلمين بالظفر على عدوهم كما في قوله تعالى: "وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم" (الأنفال: 7)، وقوله: "ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين" (الأنفال: 7)، وقوله: "ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون" (الأنفال: 8) فاحتاجت إلى توكيد ليزداد يقين المسلمين فقيل: "إن الله عزيز حكيم" بالتأكيد ب (إن) وذكر لفظ الجلالة لمناسبة سياق الوعود الجليلة التي لا يقدر على تحقيقها إلا هو سبحانه بعزته وقدرته على كل شيء وحكمته في أفعاله .أما آية آل عمران فلم يتقدم عليها ما تقدم آية الأنفال من وعود، فوردت الصفتان "العزيز الحكيم" خاليتين من التأكيد؛ لعدم ذكر ما يستدعيه . والله أعلم بمراده .

طمأنة المسلمين

السؤال: ما سر عطف الفعل "ولتطمئن" على الاسم "إلا بشرى" وكان الظاهر أن يقال: "إلا بشرى لكم واطمئناناً"، أو يقال: "إلا ليبشركم ولتطمئن بكم قلوبكم"، بعطف الاسم على الاسم أو الفعل على الفعل، فلم عدل عنه إلى عطف الفعل على الاسم؟
الجواب: يمكن أن يجاب عنه بأن في ذكر الإمداد الإلهي للمسلمين يوم بدر مقصودين، أحدهما أقوى من الآخر، فأولهما: إدخال السرور في قلوبهم، وهو المراد بقوله تعالى: "إلا بشرى" .
وثانيهما: حصول الطمأنينة على أن إعانة الله ونصرته معهم فلا يجبنوا عن مواجهة عدوهم، وهذا هو المقصود الأعلى، ففرق بين الصياغتين تنبيهاً على حصول التفاوت بين هذين المقصودين، فكونه بشرى مطلوب، ولكن المطلوب الأقوى حصول الطمأنينة، فلهذا أدخل حرف التعليل (اللام) على فعل الطمأنينة (لتطمئن) . والله أعلم .
السؤال: ما علة ختم الآية بقوله تعالى: "وما النصر إلا من عند الله"؟
الجواب: لإرجاع الفضل في النصر إلى الله تعالى وحده يوم بدر بدلالة نسبة فعل النصر إليه تعالى، والجملة الحالية: "وأنتم أذلة"، وللتنبيه أيضاً على أن يكون توكل المؤمنين على الله تعالى لا على مدده من الملائكة، وهذا إشارة إلى أن إيمان العبد لا يكمل إلا عند الإعراض عن الأسباب والإقبال بالكلية على مسبب الأسباب . والله أعلم
السؤال: لماذا وجه الخطاب إلى المؤمنين في الآيتين ولم يوجه للرسول صلى الله عليه وسلم؟
الجواب: خُص المؤمنون بالخطاب تشريفاً لهم، وإشعاراً بأنهم هم المحتاجون إلى ما ذكر في الآيتين من الوعد الإلهي بالمدد والتأييد، أما الرسول - صلى الله عليه وسلم- فغني بما مَنَّ الله تعالى عليه - صلى الله عليه وسلم- من التأييد الروحاني والعلم الرباني . والله أعلم
إضاءة: ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في رأسه، فجعل يلت (يمسح) الدم عنه ويقول: (كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله تعالى) فأنزل الله تعالى قوله: "ليس لك من الأمر شيء" .

النبي المعصوم

السؤال: ظاهر هذه الآية "ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون" (آل عمران: 128) يدل على أنها وردت في أمر كاد النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله، وكانت هذه الآية كالمنع منه . ومن المعلوم أن الأنبياء معصومون، فإذا كان الأمر الممنوع عنه في هذه الآية حسناً فلم منعه؟ وإن كان قبيحاً، فكيف يكون فاعله معصوما؟!
الجواب: أولاً: المنع من الفعل لا يدل على أن الممنوع منه كان ملتبساً به بدليل خطاب لله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، "لئن أشركت ليحبطن عملك" (الزمر: 65)، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ما أشرك قط، وقوله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: "يأيها النبي اتق الله" (الأحزاب: 1)، فهذا لا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم ما كان يتقي الله، ثم قال تعالى "ولا تطع الكافرين" (الأحزاب: 1)، وهذا لا يدل على أنه أطاعهم، فلأجل ذلك يمكن القول إن المنع من الفعل كان تقوية لعصمته صلى الله عليه وسلم وتأكيداً لطهارته .
ثانيًا: لعل المنع من الدعاء على أعدائه من باب إرشاد الله تعالى إلى اختيار الأفضل والأولى، ونظيره قوله تعالى موجهاً نبيه صلى الله عليه وسلم عندما أقسم على أن يُمَثِّل بسبعين من المشركين بعد تمثيلهم بحمزة بن عبد المطلب: "وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين * واصبر وما صبرك إلا بالله" (النحل 126- 127) كأنه قال تعالى: إن كنت تعاقب ذلك الظالم فاكتف بالمثل، ثم قال ثانيةً: وإن تركته كان ذلك أولى، ثم أمره أمراً جازماً بتركه، فقال تعالى:" واصبر وما صبرك إلا بالله" (النحل: 127) .
ثالثا: لعله صلى الله عليه وسلم لما مال قلبه إلى لعن أعدائه استأذن ربه في ذلك، فنص الله تعالى على المنع منه والله أعلم .

تنقية العقيدة

السؤال: ما المقصود بالنفي في قوله: "ليس لك من الأمر شيء"؟
الجواب: المعنى أن الله تعالى مالك أمرهم فإما أن يهلكهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم شيء وإنما أنت عبد مأمور لإنذارهم وجهادهم، وهؤلاء الذين دعوت عليهم أيها الرسول أو استبعدت فلاحهم وهدايتهم إن شاء الله تاب عليهم ووفقهم للدخول في الإسلام، وقد فعل، فإن أكثر أولئك هداهم الله فأسلموا . والله أعلم .
وأحسب أن الآية الكريمة تنقية لعقيدة المسلمين من أي شبهة فاسدة في الرسولية، فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يُوَجَّهُ أو يعاتب؛ لتأكيد الفرق بين الربوبية والبشرية متمثلة في أعظمها في محمد صلى الله عليه وسلم لتبقى عقيدة المسلمين نقية صحيحة .
السؤال: ما سر تقديم المغفرة على العذاب في قوله تعالى: "يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء" (آل عمران: 129) وتقديم العذاب على المغفرة في قوله تعالى: "ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء" (المائدة: 40)؟
الجواب: قدمت المغفرة على العذاب في آية آل عمران؛ لأن الخطاب في الآيات التي سبقتها للمؤمنين فكان من الملائم تقديم الترغيب على الترهيب، أما آية المائدة فسبقها حديث عن المحاربين والسارقين في قوله تعالى: "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم* إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم" (المائدة ،33 34)، وقال سبحانه بعد ذلك: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم * فمن تاب من بعد ذلك وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم" (المائدة ،38 39) .
وهذا سياق يتطلب ذكر الترهيب قبل الترغيب؛ لذا قدم العذاب على المغفرة . والله أعلم .
السؤال: ما سر التعبير ب (ما) التي لغير العاقل في قوله: "ولله ما في السماوات الأرض" .
الجواب: عُبِّر ب (ما) في جانب السماوات؛ لكونها إشارة إلى جملة العالَم السماوي وحقيقته وماهيته، وغير العاقل في هذا العالم أكثر وهي به أجدر .
وفي التعبير ب (ما) في جانب الأرض؛ لأنها إشارة إلى أن الكفرة الذين السياق لهم في عِداد ما لا يعقل . والله أعلم .

الطريق إلى الجنة

السؤال: لمَ تقدم ذكر المغفرة على الجنة في قوله تعالى: "وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة . ." (آل عمران: 133)؟
الجواب: لأن المغفرة السبب أو الطريق الموصل إلى الجنة . والله أعلم .
السؤال: لماذا خُصَّ المتقون بأن الجنة أعدت لهم في قوله تعالى: "أعدت للمتقين" .
الجواب: تشريفاً لهم، وإعلاناً بأنهم الأصل في ذلك، وغيرهم تبع لهم في إعدادها . والله أعلم .
السؤال: ما سر العدول عن صيغة المضارع إلى صيغة الفاعل في قوله تعالى: "الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس" (آل عمران 134) .
الجواب: عبر عن الإنفاق بصيغة المضارع؛ للدلالة على التجدد والحدث، فالمخبر عنهم إنفاقهم في سبيل الله متجدد حالاً بعد حال، وعدل إلى صيغة الفاعل في كظم الغيظ والعفو؛ للدلالة على الاستمرار . والله أعلم .
السؤال: كيف قيل في آية آل عمران: "ومن يغفر الذنوب إلا الله" (آل عمران 135)، وقيل في آية أخرى: "وإذا ما غضبوا هم يغفرون" (الشورى 37)، وفي آية ثالثة: "قل للذين آمنوا يغفروا . ." (الجاثية 14) فقصر سبحانه المغفرة على نفسه في الآية الأولى، ونسب فعلها للمؤمنين في الآيتين الأخريين، فما سبب ذلك؟
الجواب: المعنى المقصود في الآية الأولى: ومن يستر الذنوب من جميع الوجوه إلا الله . ومثل هذا الغفران المطلق الكامل لا يوجد إلا من الله تعالى . أما غفران عباده بعضهم لبعض فهو غفران ناقص إذا قيس بغفرانه تعالى . والله أعلم .