نفختان يصدر بواحدة منهما الأمر الإلهي بموت كل حي، وبالأخرى يبعث الأموات فيحيون ويحضرون للحشر، كما يحضر الجيش بنفخ الأبواق ودق الطبول، وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن النفخ في الصور يكون مرتين: الأولى يحصل بها الصعق، والثانية يحصل بها البعث مستدلين بقوله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ، (الزمر68)، والصّور هو: البُوق، وورد في الحديث: إن المَلَك الموكَّل بنفخ الصور هو إسرافيل، ولا يَعلم كنه هذا النفخ إلاّ الله تعالى .
إذا أذن الله تعالى بموت الأحياء أمر ملك الصور أن ينفخ فيه، فينفخ نفخة عظيمة تفزع جميع الخلائق فيصعقون منها ويهلكون، وتنخلع الجبال يومئذ من أماكنها وينسفها اللهُ تعالى نسفاً، وتتزلزل الأرض، وتنشق السماء، وتتساقط النجوم والكواكب وتحدث أهوال عظام وتشيب الولدان من شدة هول هذه النفخة، وتذهل المرضعات عما أرضعن، وتضع الحوامل أحمالهن، يقول الله عز وجل: يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، (الحج: 1 - 2) .
نفختا الهلاك والبعث
وتأتي هذه الصيحة على حين غفلة من الناس وانشغال بالدنيا، كما قال تعالى: ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون، ( يّس: 49 -50)، وروى الإمام الطبري في تفسيره عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: لينفخن في الصور، والناس في طرقهم وأسواقهم ومجالسهم، حتى إن الثوب ليكون بين الرجلين يتساومان، فما يرسله أحدهما من يده حتى ينفخ في الصور، وحتى إن الرجل ليغدو من بيته فلا يرجع حتى ينفخ في الصور .
فإذا نفخ النفخة الأولى يهلك كل من في الأرض، ويمكثون على ذلك مدة قدرها أربعون من غير تحديد بسنة أو شهر أو يوم الله أعلم بمقدارها فتتحلل أجسادهم في هذه المدة ولا يبقى منها إلا عجب الذنب وهو العظم المستدير الذي في أصل الظهر، ثم يرسل الله سحاباً فيمطر مطراً فإذا أصاب الماء هذا العظم نبت منه الجسم كما ينبت النبات ويتركب الخلق من هذا العظم كما بدأ الله الخلق أول مرة يعيده وهو على كل شيء قدير، ثم ينفخ في الصور نفخة البعث فتعود الأرواح إلى الأجساد فيخرجون من القبور سراعاً إلى أرض المحشر، وقد ثبت ذلك في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنْه أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليْه وسلَّم قال: ما بين النفختَين أربعون، قال: أربعون يوماً؟ قال: أبيتُ، قال: أربعون شهراً؟ قال: أبيتُ، قال: أربعون سنة؟ قال: أبيتُ، قال: ثمَّ يُنْزل الله من السَّماء ماء، فيَنبُتون كما ينبت البقل، ليْس من الإنسان شيء إلاَّ يبلى، إلاَّ عظماً واحداً وهو عَجْب الذَّنَب، ومنه يُركَّب الخلق يوم القيامة .
أحداث آخر الزمان
وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي صلَّى الله عليْه وسلَّم ذكر ما يَحدث في آخر الزمان، فقال: يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين (لا أدري: أربعين يوماً، أو أربعين شهراً، أو أربعين عاماً)، فيبعث الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين . ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه، حتى تقبضه، قال: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دار رزقهم، حسن عيشهم . ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا، قال وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال فيصعق، ويصعق الناس، ثم ينزل الله مطراً كأنه الطل، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: يا أيها الناس هلم إلى ربكم، وقفوهم إنهم مسؤولون، قال ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال: من كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمئة وتسعة وتسعين، قال فذاك يوم يجعل الولدان شيبا، وذلك يوم يكشف عن ساق .
سائق وشهيد
فما هي إلا نفخة البعث ينفخها إسرافيل عليه السلام في الصور فيقوم الخلائق جميعهم للهِ رَبِّ العالمين، ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون، قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون، إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون، (يس: 51 53)، يجد كل واحد منهم في انتظاره سائقاً وشهيداً، يقول تعالى: ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد، وجاءت كل نفْس معها سائق وشهيد، لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد، (ق: 20 23)، فالسائق يسوقه إلى أرض المحشر حيث يقضي الله تعالى بين العباد، والشهيد هو عمله الذي قَدَّمَ في دنياه أيام كان يعيش فيها، ويقف الجميعُ، كُلٌّ في مكانه الذي يُوقِفُه فيه سائقه، لا يستطيع أن ينتقل منه إلى مكان آخر، ولا يجرؤ أحدهم على التلفظ بكلمة واحدة، (يوم يقوم الروح والملائكة صفّاً لا يتكلمون إلا من أذِن له الرحمن وقال صواباً) (النبأ: 38) . وأول من يبعث من بني آدم هو نبينا صلى الله عليه وسلم، وفي الصحيحين من حديث أبِي هُريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال لا تفضلوا بين أنبياء الله، فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله . قال ثم ينفخ فيه أخرى، فأكون أول من بعث، أو في أول من بعث . فإذا موسى عليه السلام آخذ بالعرش فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور، أو بعث قبلي، ولا أقول: إن أحداً أفضل من يونس بن متى عليه السلام، وروى مسلم في صحيحه عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنه صلى الله عليه وسلم قال: أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ القَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّع، وينادي مناد بين يدي الساعة، يا أيها الناس: أتتكم الساعة فيسمعها الأحياء والأموات، يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ.