دخل الدكتور مصطفى الزحيلي، والد الدكتور وهبة الزحيلي قرية دير عطية في القلمون بريف دمشق قادماً من مدينة زحلة، بعد أن اعتنق الإسلام، فآواه أهلها وزوجوه وأحبهم وأحبوه، فخرج من نسله عالمان جليلان، هما الدكتور وهبة الزحيلي وشقيقه الدكتور محمد، وقد ملآ الدنيا علماً، وفيهما من أخلاق العلماء وتواضعهم وبساطة الريفي وطيبته ما لا يخفى على من عرفهما.
ولد د. وهبة الزحيلي في بلدة دير عطية في سوريا عام 1932، وكان والده حافظاً للقرآن الكريم، محباً للسنة النبوية، مزارعاً يتسم بطيب الأخلاق والسمعة الحسنة.
رحلة مع العلم
درس د. وهبة الزحيلي الابتدائية في دير عطية، والمرحلة الثانوية في الكلية الشرعية في دمشق مدة ست سنوات، وكان طالباً نابغاً استطاع أن يحصل على درجة الامتياز والترتيب الأول على جميع حملة الثانوية الشرعية عام 1952، كما حصل على الثانوية العامة الفرع الأدبي أيضاً، ثم تابع تحصيله العلمي في كلية الشريعة بالأزهر الشريف، فحصل على الشهادة العالية وكان ترتيبه الأول عام 1956، وحصل على إجازة تخصص التدريس من كلية اللغة العربية بالأزهر، ودرس أثناء ذلك علوم الحقوق، وحصل على ليسانس القانون من جامعة عين شمس بتقدير جيد عام 1957، وحصل على دبلوم معهد الشريعة والماجستير عام 1959 من كلية الحقوق بجامعة القاهرة.
ولأن د. وهبة الزحيلي كان مثابراً وعاشقاً للعلم والمعرفة ومتفوقاً فإن طموحه لم يتوقف هنا فقط، بل واصل مسيرته العلمية وحصل على درجة الدكتوراه في الحقوق - تخصص الشريعة الإسلامية عام 1963، مع مرتبة الشرف الأولى وتوصية بتبادل رسالته الجامعية مع الجامعات الأجنبية، وكان موضوع الأطروحة (آثار الحرب في الفقه الإسلامي- دراسة مقارنة بين المذاهب الثمانية والقانون الدولي العام).
عين مدرساً بجامعة دمشق عام 1963 ثم أستاذاً مساعداً سنة 1969، وأستاذاً عام 1975، وعمل في التدريس والتأليف والتوجيه وإلقاء المحاضرات في تخصص دقيق في الفقه وأصوله، ودرس الفقه المقارن في كلية الشريعة، كما درس مواد الشريعة في كلية الحقوق بجامعة دمشق، قسم الدراسات العليا، ثم أعير إلى كلية الشريعة والقانون بجامعة محمد بن علي السنوسي بمدينة البيضاء في ليبيا لمدة سنتين، وكلف بعدئذ بمحاضرات في الدراسات العليا، وفي عام 1984 أعير إلى كلية الشريعة والقانون بجامعة الإمارات لمدة خمس سنوات، وأعير أيضاً بصفة أستاذ زائر إلى جامعة الخرطوم قسم الشريعة، وإلى أم درمان الإسلامية لإلقاء محاضرات في الفقه وأصول الفقه على طلاب الدراسات العليا، وبعدها أعير إلى قطر والكويت للدروس الرمضانية عام 1989 و1990.
وقد أشرف د. وهبة الزحيلي على كثير من رسائل الماجستير والدكتوراه في جامعة دمشق وكلية الإمام الأوزاعي في لبنان، وفي جامعات بيروت والخرطوم، وهي تزيد على 70 رسالة، ويدرس كتابه «الفقه الإسلامي وأدلته» بصفته مرجعاً أساسياً في كثير من الجامعات لطلبة الدراسات العليا في باكستان والسودان وغيرهما، ويدرس أيضاً كتابه «أصول الفقه الإسلامي» في الجامعات الإسلامية بالمدينة المنورة وفي الرياض قسم القضاء الشرعي، سابقاً.
تنوعت جهود العلامة د. وهبة الزحيلي، ما بين الخطابة في المساجد، ووضع المناهج الشرعية للمعاهد والجامعات، والتحرير الصحفي في المجلات الدينية، عدا عن المشاركات الإعلامية الراقية ضمن برامجه في التلفاز والإذاعة، ففي عام 1988 قام بتقويم مجلة «الشريعة والدراسات الإسلامية» بجامعة الكويت، كما وضع خطة الدراسة في كلية الشريعة بدمشق في أواخر الستينات، وخطة الدراسة في قسم الشريعة في كلية الشريعة والقانون بالإمارات، وأنشأ مجلة «الشريعة والقانون» بجامعة الإمارات، وكان رئيس اللجنة الثقافية العليا ورئيس لجنة المخطوطات في الجامعة نفسها، وكان أحد أعضاء هيئة التحرير في مجلة «نهج الإسلام» بدمشق، ورئيس مجلس الإدارة لمدرسة الشيخ عبد القادر القصاب الثانوية الشرعية بدير عطية، وكان خطيب جامع العثمان بدمشق، وخطب في فصل الصيف بمسجد الإيمان بدير عطية، كما عمل رئيس هيئة الرقابة الشرعية لشركة المضاربة والمقاصة الإسلامية في البحرين، ثم رئيس هذه الهيئة للبنك الإسلامي الدولي في المؤسسة العربية المصرفية في البحرين ولندن.
شارك د. وهبة الزحيلي في وضع مناهج المعاهد الشرعية في سورية عام 1999، كما كان خبيراً في الموسوعة العربية الكبرى في دمشق.
وله أحاديث إذاعية عديدة في الإذاعة السورية في تفسير القرآن مثل: برنامج «قصص من القرآن»، وبرنامج «القرآن والحياة»، وكانت له إطلالات كثيرة في ندوات تلفزيونية بدمشق والإمارات والكويت والسعودية، وكذلك في عدد من المحطات الفضائية.
بسبب سعة علمه وتميزه نال د. وهبة الزحيلي العضوية في عدة مؤسسات مرموقة منها: المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية في الأردن «مؤسسة آل البيت»، ومجلس الإفتاء الأعلى في سورية، ولجنة البحوث والشؤون الإسلامية وهيئة تحرير مجلة «نهج الإسلام» بوزارة الأوقاف السورية، كما كان عضواً مراسلاً للموسوعة الفقهية في الكويت، والموسوعة العربية الكبرى في دمشق، وموسوعة الحضارة الإسلامية بالأردن، وموسوعة فقه المعاملات في مجمع الفقه الإسلامي في جدة وغيرها، كما كان رئيس لجنة الدراسات الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية وعضواً في الهيئة الاستشارية لمجلة الفقه المقارن.
مؤلفات عظيمة
ترك د. وهبة الزحيلي أكثر من 80 كتاباً منها: موسوعات الفقه الإسلامي المعاصر 8 مجلدات، وآثار الحرب في الفقه الإسلامي، مقارنة بين المذاهب الثمانية والقانون الدولي، الرخص الشرعية وأحكامها وضوابطها، الموازنة بين القرآن والسنة في الأحكام.
وكتب في الأخلاق عدة مؤلفات منها: أخلاق المسلم علاقته بالمجتمع، أخلاق المسلم علاقته بالخالق، أخلاق المسلم بالنفس والكون، وقد ترجم عدد من مؤلفاته إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والتركية والماليزية، مثل كتاب «العالم الإسلامي في مواجهة التحديات الغربية».
ألف عدة كتب عن شخصيات من التاريخ الإسلامي والصحابة رضوان الله عليهم.
وفي يوم السبت 8 أغسطس/ آب 2015 توفي العالم الدكتور وهبة الزحيلي في دمشق بسورية، عن عمر يناهز 83 سنة، وفي جعبته نحو 80 مؤلفاً وموسوعة علمية دينية، ونال لقب أفضل شخصية إسلامية في ماليزيا عام 2008، ونعاه عشرات العلماء والمفكرين المسلمين.
لم يغادرونا
وهبة الزحيلي.. بصمات خالدة في طريق الدعوة الإسلامية
30 مايو 2017 00:38 صباحًا
|
آخر تحديث:
30 مايو 00:46 2017
شارك
إعداد:نجاة الفارس
الدكتور وهبة الزحيلي قامة علمية وفكرية لها ثقلها وقدرها وأصالتها، وشخصية مثابرة مكافحة تبوأت مراتب عليا، ومسيرته العلمية خير شاهد على تميزه، تتلمذ على يديه العديد من الطلبة الجامعيين، ومنهم من أصبحوا اليوم علماء في الشريعة والقانون، وقد قام بدور عظيم في وضع المناهج الشرعية في عدة جامعات، وأصبحت بعض كتبه تدرس لطلبة الدراسات الإسلامية في عدد من كليات الشريعة، ترك بصمات واضحة على صعيد الإعلام الديني المرئي والمسموع والمقروء، بالإضافة إلى دوره كخطيب مفوه ومحنك يبث الكلمة الطيبة عبر منابر المساجد.