بعد أن أفاق يوسف شاهين من العملية الجراحية التي أجراها الدكتور مجدي يعقوب في قلبه بمستشفى لندن كلينك في السبعينات، استغرقه حوار طويل مع النفس وظل مهموما بما توصل إليه تفكيره طوال إقامته في العاصمة البريطانية وبعد عودته إلى القاهرة كان السؤال الذي شغله هو: ماذا لو كانت هذه الذبحة القلبية قاتلة؟ لقد انزعج شاهين من فكرة أن تنتهي حياته ويموت!
نعم لقد كان يؤمن بقضاء الله وأنه ما من حي إلا ويموت، لكن ما أزعجه هو أن يموت ويرحل دون أن يترك وراءه ما يخلده ويسجل سيرته وفكره وحياته. فهو متزوج لكنه لم ينجب وهو قد أخرج أفلاما سينمائية كان أشهرها حتى ذلك الوقت وحسب ترتيبها الزمني باب الحديد صلاح الدين العصفور ذلك فضلا عن أفلام أخرى مهمة منها مثلا جميلة بوحريد ومنها الفيلمان الغنائيان لكل من فيروز وفريد الأطرش، لكن كل هذا لم يكن كافيا من وجهة نظره لكي يحفر اسمه في سجلات السينما والحياة الثقافية بصفة عامة.
وظل مهموما بهذا دون أن يخبر أحدا ولقد اعترف لي بهذا ذات ليلة عام 1979 خلال سهرة في مكتبه بالطابق الثاني من شقته بالزمالك بالقاهرة حيث كان معنا صديق صيدلي لم يشترك في الحوار إلا قليلا واستمر حديثنا من التاسعة مساء حتى السادسة صباح اليوم التالي فتح خلالها عقله وقلبه وتحدث عن ذاته وهو محب عاشق لها، وعبر عن مخزون آلامه وآماله. ولم يكن هذا حديثا بين صحافي وفنان وإنما كان فضفضة أصدقاء.. ولقد ظل هذا الحوار في ذهني حتى اليوم، وتوطدت صداقتي به ولبى دعوتي للمشاركة في ندوات عقدتها بجريدة الأهرام لمناقشة قضايا السينما والفن لعل أكبرها كانت ندوة استغرقت ثلاثة أيام في أبريل/ نيسان 1994 وهي الندوة التي أخذت مني مجهوداً كبيراً، ونتيجة للإرهاق الذهني والعصبي سقطت في آخر أيامها مريضا بالقلب وحملوني فورا إلى المستشفى.
وبسبب إعجابي الكبير بالرجل فإنه عندما بلغ الخامسة والسبعين من عمره اقترحت على الصديق الراحل الدكتور سمير سرحان أن يتضمن معرض القاهرة الدولي للكتاب ندوة خاصة عنه. فوافق على الفور وطلب مني أن أدير هذا اللقاء وبالفعل حدث، وكانت الندوة ناجحة حضرها أكثر من خمسمائة شخص غير مجموعة من المثقفين والفنانين وقد عرضتها القناة الثقافية في التلفزيون على الهواء مباشرة رغم أسلوب شاهين التهكمي وألفاظ خارجة يقولها عفويا ولأهميتها أعادت القناة عرض الندوة مساء الأحد الماضي يوم رحيله.. وما قاله فيها:
لقد تعلمت في الولايات المتحدة الأمريكية وكان الحب الأمريكي يستولي عليّ لكني تدريجيا بدأت أتغير وتحول الحب إلى غضب شديد فإنني لا أستطيع أن أنسى الرفض الأمريكي لتمويل السد العالي في مصر، ولا أنسى ممارسات الولايات المتحدة حاليا في البلاد العربية وغير العربية.
توجد في الولايات المتحدة جامعات عظيمة ويوجد رجال عظام لكن للإدارة والسياسة الأمريكية أفعال سوداء وهل ننسى أنها هي التي ألقت القنبلة النووية على هيروشيما وناجازاكي ولا تزال تهدد العالم وتستعرض قوتها.
في مصر نقاد عظام ونقاد لا يفهمون، والناقد لابد أن يكون فاهماً وواعياً دارساً مثقفا يعرف الدراما من أيام الإغريق حتى الآن وليس كل من درس في المعهد يصبح ناقدا.
يجب على الممثل ألا يمثل وإنما يعيش الشخصية ويجب على المخرج أن يكون مثقفا له فكره وفاهما للسياسة ومدركا للحياة من حوله.
وأعود إلى تلك الليلة وحديث الساعات التسع المتواصلة وإلى الفكرة التي أرقته وأجهدته وهي: ماذا يبقى منه وله بعد الرحيل؟ ومن سيذكره وكيف يعرضون حياته وفكره؟
وقال لي جو إن تفكيره اهتدى إلى ضرورة أن يسجل سيرته الذاتية متحدثا عن حياته مع عرض وتحليل في ذات الوقت لكل الظروف والأوضاع المحيطة ليست فقط العائلية أو المجتمعية في الإسكندرية التي ولد فيها 25 يناير/ كانون الثاني 1926 ونشأ وتعلم وإنما أيضا يعرض ويتحدث عن أحوال مصر وتضاريسها الوطنية وكفاحها ولم يكن أمامه من وسيلة لتسجيل سيرته الذاتية سوى السينما، فهي وحدها اللغة التي يجيد التعامل بها وهكذا كتب الفيلم الأول عن حياته باسم الإسكندرية ليه الذي حشد فيه مجموعة من الفنانين الكبار الذين عملوا تقديراً وتكريماً له، ثم بعد ذلك جاء فيلمه الثاني إسكندرية كمان وكمان ثم أنهى السيرة الذاتية له بفيلم حدوتة مصرية ثم إسكندرية نيويورك.
بهذه الأفلام الأربعة سجل يوسف شاهين قصة حياته من وجهة نظره وإن كان فكره واضحا في أفلامه الأخرى.. لكن وزيادة في تبديد الهواجس التي انتابته فإنه حرص في مجموعة أفلامه الأخيرة على التقاط مشاهد تسجيلية له خلال التحضير لأعماله الفنية أو أثناء قيامه بعملية الإخراج وإنتاج الفيلم. وفيما أعتقد فإنه خلال الثلاثين سنة الأخيرة (1978 2008) استطاع يوسف شاهين أن يؤكد مدرسته السينمائية الفنية فأصبح لها فكر خاص وتابع مميز وفيها مخرجون ممتازون وفنانون وفنيون بل إن هذه المدرسة قد ساهمت في ترقية ونشر التذوق الفني والرسالة السينمائية التي لها مضمون حقيقي مفيد وشكل جذاب ممتع.
وفي رأيي فإن الجوهر الأساسي الذي داخل يوسف شاهين والذي حركه وضخ دماء الحيوية والإبداع في شرايينه هو حب الوطن ونلمس هذا في أعماله وأفعاله، وفي أقواله. ومنها ما يهزنا من الأعماق فقد قال: يكفيني أنني مواطن مصري ولدت على أرض مصر، فهذا فخر لي أما أن أكون جزءا من تاريخ مصر فهذا أكبر مما كنت أتوقعه وأكبر من أحلامي.
ويا أيها الفنان الكبير إنه فخر كبير لك أن تكون مواطنا مصريا ومفخرة لمصر أن تكون ابنا لها فالأمم تباهي بأخيار أبنائها رحمك الله بقدر عطائك للوطن والعروبة والإنسانية.