القاهرة : «الخليج»
«عبد العزيز الشملان» المولود في مدينة المحرق بالبحرين، أحد أهم قادة العمل الوطني في الخليج، فقد كان ضمن أول بعثة دراسية أرسلت إلى بيروت، التي أعيد منها قسراً عام 1930، بسبب مواقفه ضد الاحتلال البريطاني، وكان أحد مؤسسي نادي العروبة وحركة التضامن مع الشعب الفلسطيني، وأحد زعماء حركة هيئة الاتحاد الوطني، التي اعترف بها الشيخ سلمان بن حمد بن عيسى عام 1956 لكنه قدم للمحاكمة في ديسمبر من العام ذاته، بتهمة إشعال المظاهرات ضد الاستعمار البريطاني، وصدر حكم بحبسه 14 عاماً، ثم نفي إلى جزيرة سانت هيلانة مع عدد من زعماء هيئة الاتحاد الوطني، ثم أعيدت محاكمته في بريطانيا عام 1961 وأفرج عنه، وتم رد الاعتبار له، بعدها أقام في سوريا حتى عام 1971 ثم عاد إلى البحرين وانتخب نائباً لرئيس المجلس التأسيسي الذي وضع دستور البحرين عام 1973، ثم عين سفيراً لبلاده في مصر وفي 30 من ديسمبر/كانون الأول 1988 فارق الحياة.
أثناء إقامته في سانت هيلانة في الفترة من 1956 إلى 1961 سجل «الشملان» يومياته في المنفى، وقد جمعها وقدم لها خالد البسام تحت عنوان «مذكرات زعيم المعارضة البحرينية في المنفى»، موضحا أن «الشملان» عاش في بلاده والمنافي حراً ومناضلاً ومات كما كان حياً طاهراً وعزيزاً، ففي بداية العشرينات من القرن الماضي اضطر الطفل «عبد العزيز الشملان» إلى ترك المدرسة واللحاق بأبيه الذي قررت السلطات البريطانية الحاكمة في البحرين آنذاك نفيه إلى الهند، وبقي الصبي الصغير الذي لم يتجاوز عمره وقتها الثانية عشرة في منفى بومبي، لكن لم يكن في باله إطلاقاً أن بومبي البعيدة ستكون أول المنافي.
رغم السنوات القليلة التي اضطرت الصبي «عبد العزيز» إلى البقاء في بومبي إلا أنه استطاع في وقت قصير التأقلم مع مناخ المنفى وظروف معيشته الصعبة، فراح يكمل تعليمه الذي انقطع في إحدى المدارس العربية، التي كان يمولها تجار من نجد والكويت.
وبجانب الدراسة كان الصبي يحضر الاجتماعات التي كان يعقدها بعض زعماء الحركة الوطنية في البحرين، والوطنيين الآخرين من نجد والكويت التي كانت تعقد أحياناً في منزل والده سعد، وكانت معظم الاجتماعات تدور نقاشاتها حول وضع الزعيم الوطني البحريني الشهير «عبد الوهاب الزياني» ورفيقه «أحمد بن لاحج» اللذين نفتهما السلطات البريطانية من البحرين إلى الهند، وكانت الحوارات تدور أيضاً حول رفع قضايا ضد حكومة بريطانيا في المحاكم الهندية حول عدم شرعية هذا المنفى.
بعد سنوات قليلة عاد الصبي إلى البحرين وانتظم في الدراسة في مدرسة الهداية الخليفية بالمحرق محملاً بشهادات الخبرة عن المنفى وحياته وطرق معيشته وغير ذلك، وعندما أنهى دراسته الابتدائية غادر مع مجموعة من الطلاب البحرينيين المتفوقين في أول بعثة دراسية ترسلها حكومة البحرين إلى الخارج عام 1928 وكانت إلى الجامعة الأمريكية في بيروت.
لم يستطع هو ورفاقه تكملة تعليمهم في بيروت بسبب قرار تعسفي اتخذه المستشار البريطاني، حيث قطع البعثة وأمرهم بالعودة إلى البحرين والعمل كمدرسين، أما السبب الذي قاله المستشار لأولياء أمورهم فهو أنهم راحوا يتدخلون في السياسة ويشتركون في المظاهرات التي كان ينظمها الطلبة القوميون.
عاد الشاب من بيروت وهو أكثر وعياً في السياسة والوطنية والأهم في المنفى الاختياري هذه المرة، وقاده الوعي السياسي والثقافة المتنوعة والقراءات المكثفة والحياة السياسية التي عاشها في بيروت إلى ازدياد كبير في وعيه، وهكذا لم يتأخر «الشملان» عن الانخراط بل وقيادة الكثير من الأعمال الثقافية والرياضية والاجتماعية ثم السياسية لاحقاً فشارك في الثلاثينات من القرن العشرين في تأسيس النادي الأدبي الثاني الذي قام على أنقاض النادي الأدبي الشهير في المحرق، ثم قاد جهود ومساعي تأسيس نادي البحرين الذي لا يزال قائماً حتى اليوم كفرقة رياضية في البداية ثم ناد ثقافي ورياضي واجتماعي فيما بعد.
وأدى هذا العمل الثقافي والاجتماعي وحتى الرياضي المكثَّف الذي تزعمه وعمل فيه بنشاط وفعالية إلى اكتساب الرجل الكثير من الخبرة في قيادة العمل السياسي فيما بعد، والانخراط في التيار القومي العربي الذي قاده مع رفاقه: عبد الرحمن الباكر، عبد علي العليوات، إبراهيم الموسى، إبراهيم فخرو، وغيرهم إلى قيادة الشارع الوطني لأول مرة في تاريخ البحرين المعاصر في بداية الخمسينات.
كانت أولى بروفات «الشملان» في العمل السياسي هي قيادة الأندية ونشاطاتها التي لم تكن تهدأ في الثلاثينات والأربعينات، علاوة على تزعمه الكثير من الأعمال الوطنية والخيرية التي قامت في البلاد.. بعضها بمبادرة منه ورفاقه وبعضها بمبادرة من التجار البحرينيين والنجديين مثل هيئات ولجان دعم فلسطين في نهاية الثلاثينات وسنوات الأربعينات من القرن الماضي.
وهكذا لم تحل بداية الخمسينات إلا وقد أصبح «الشملان» في قمة نضجه السياسي وبروزه كزعيم وطني كبير مشهور بكفاحه وعمله الإصلاحي وأفكاره القومية والتنويرية.
وبعد عدة اجتماعات مكثفة للقيادات الوطنية تم إنشاء أول حزب سياسي علني في البحرين وفي منطقة الخليج العربي آنذاك وهو «هيئة الاتحاد الوطني» حيث اعترفت الحكومة والإنجليز به فيما بعد.
كانت القوة الشعبية الهائلة التي حصلت عليها «الهيئة» قبل وبعد تأسيسها نابعة في الأساس من كونها أول حركة وطنية في تاريخ البحرين المعاصر وربما القديم أيضاً تتوحد فيها الطوائف، بل وتشمل أكثر الطبقات الاجتماعية في البلاد.
ومن جوانب النجاح الهائل لحركة الهيئة وجود قيادات واعية ومخلصة لها تاريخ مشرف في الكفاح الوطني، كما كان لثورة يوليو في مصر بقيادة جمال عبد الناصر دور كبير في النهوض بالهيئة.
يؤكد البسام أن سنوات الهيئة كانت من أخصب سنوات الكفاح الوطني في تاريخ البحرين دون منازع، فقد كانت الشوارع تغص بالمسيرات الغاضبة، وكانت صناديق الانتخابات التي انتزعتها «الهيئة» من السلطات البريطانية تصوت بشكل ساحق لأعضاء الحركة الوطنية.
وفي خضم تلك المعركة الوطنية الطاحنة كان «الشملان» يقود مع رفاقه الآخرين طلائع حرب نشطة وصعبة ضد الإنجليز والمستشار البريطاني «بلجريف» ودار الاعتماد البريطاني التي كانت أمور البلاد تدار من غرفها الكبيرة في المنامة.
وبعد نجاحات هائلة ومتعددة حققتها «هيئة الاتحاد الوطني» لشعب البحرين بكل طوائفه ومذاهبه وطبقاته من إصلاحات وانتخابات ووجود صحافة وطنية وإنشاء اتحاد عمال وهيئة تأمينات وغيرها، أشعل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م الشارع البحريني، فخرجت المظاهرات الغاضبة، وتطور هذا الغضب العارم إلى إضرابات واعتصامات، وشلت حركة الأسواق.
استغلَّت السلطات البريطانية تلك الأجواء الملتهبة والخارجة عن السيطرة، كما ذكر ذلك «الشملان» ورفاقه في قيادة الهيئة فيما بعد، ووجدتها فرصة ذهبية لتصفية الهيئة والقضاء على سيطرتها، بعدما وصلت إلى مرحلة كانت بمثابة الحكومة المحلية غير المعلنة، ولذلك لم تتردد في 6 نوفمبر/‏تشرين الثاني عام 1956 في اعتقال قادة الهيئة الرئيسيين، وهم الشملان والباكر والعليوات وفخرو وموسى في يوم واحد.
تبدأ يوميات عبد العزيز الشملان في منفى سانت هيلانة منذ اليوم الأول لاعتقاله مع رفاقه زعماء هيئة الاتحاد الوطني في البحرين بتاريخ 6 نوفمبر/‏تشرين الثاني 1956، ففي تلك اليوميات يصف أولاً كيفية ووحشية ذلك الاعتقال وعدم قانونيته، ثم يشرح كيفية معاملتهم في السجن وظروف معيشتهم هناك، بعدها يتحدث عن المحاكمة الصورية التي أجريت له ولرفاقه في مركز شرطة البديع، والذي حكم عليهم هم والباكر والعليوات بالسجن لمدة أربع عشرة سنة، وإبراهيم فخرو وإبراهيم موسى بالسجن لمدة عشر سنوات.
ومنذ السطور الأولى لتلك اليوميات النادرة، والتي تعد اليوم من أهم المذكرات في تاريخ البحرين السياسي المعاصر، لكونها تروي لأول مرة يوميات منفي بحريني، نلاحظ تلك المرارة التي يشعر بها «الشملان» في أيام الاعتقال الأولى والسجن البغيض، والإحباط الكبير الذي انغمس في قلوبهم كزعماء من عدم حدوث أي مظاهر احتجاج ولو بسيطة من الناس الذين ناضلوا طوال الوقت من أجلهم.
ويروي «الشملان» بالتفاصيل والأسماء والأماكن كل ما حدث لهم في تلك الأيام القاسية حتى لحظة ركوبهم البارجة الحربية البريطانية وطوال الرحلة الطويلة التي أخذتهم من البحرين إلى جزيرة سانت هيلانة في جنوب المحيط الأطلسي التي تبعد عن أقرب ميناء في غرب إفريقيا نحو1140 ميلاً، وتبعد عن البرازيل نحو 2000 ميل وعن رأس الرجاء الصالح 1700 ميل، طوال الرحلة لم يتوقف «الشملان» عن تدوين يومياته في الباخرة على الدفتر الصغير، فقد كان يتذكر كل شيء.
بعد شهر واحد تقريباً من مغادرتهم البحرين (28 ديسمبر/‏كانون الأول 1956م) وصلوا «سالمين» إلى المنفى البعيد.. إلى جزيرة سانت هيلانة وذلك بتاريخ 27 يناير/‏كانون الثاني 1957م، وعلى حسب وصف عبد الرحمن الباكر في كتابه «من البحرين إلى المنفى» في طبعته الأولى من بيروت يروي اللحظات الأولى من وصولهم إلى الجزيرة، حيث يقول: «نزلنا من البارجة، وحين وصلنا إلى الرصيف شاهدنا جمعاً غفيراً من الناس أكثرهم من نساء وأطفال قد تجمهروا ليشاهدوا هؤلاء المجرمين! الذين قاوموا الأسد البريطاني حتى ضربهم بذيله، وطرح بهم في هذه الجزيرة النائية عقاباً على تصديهم له، ووقوفهم في وجه أطماعه وشره. فتوجهنا من الرصيف إلى سيارة مدير الشرطة، وأذكر أنه أثناء مرورنا في طريقنا نحو السيارة سمعت امرأة تقول باللغة الإنجليزية: «يا له من خزي لهذه الحكومة التي تأتي بأمثال هؤلاء الطيبين لتسجنهم في بلدنا»، وقد سمع مدير الشرطة ذلك فابتسم ولم يقل شيئاً.
بعد هذا الاستقبال بدأ الشملان مع رفاقه الباكر والعليوات معارك طاحنة مع السلطات البريطانية وإدارة الجزيرة ومع حكومة البحرين أيضاً بشأن ظروف معيشتهم في معتقل الجزيرة وانتزاع حقوقهم البسيطة من مذياع وطعام جيد ورسائل، ثم بدأت أهم معاركهم حول الإفراج عنهم وتوكيل محامين بريطانيين وعلى رأسهم المحامي «شريدان» للدفاع عنهم وخروجهم أحراراً من الجزيرة النائية.
تتابع اليوميات الدقيقة كل ما حدث بشأن متابعات القضية التي رفعها الثلاثة ضد بريطانيا واعتقالها غير القانوني لهم ونفيهم إلى تلك الجزيرة، لكن الغريب أن اليوميات تتوقف عند تاريخ 20 مارس/‏آذار 1959م وقبل صدور الحكم النهائي بالإفراج عنهم ونقلهم إلى لندن.
في كتابه السابق، يروي «الباكر» أن الإفراج عنهم تم بتاريخ 13 يونيو/‏حزيران 1961 حيث يقول: في صبيحة هذا اليوم جلجل صوت الحق في تلك المحكمة، حينما قرأ القاضي «إليوت» حيثيات الحكم، وقضى بالإفراج عن عبد العزيز الشملان وبعد انتهائه من قراءة حيثيات الحكم دوت القاعة بالتصفيق، وتنفس الناس الصعداء وانهالت عليهم التهاني من الحضور، وفرح جميع سكان مدينة «جميس تون» بهذا الحكم، واتخذت الإجراءات السريعة بطلب تقدم به المحامي للإفراج عنا نحن -الاثنين الباقيين-، وتمت الإجراءات بسرعة وصدر القرار بالإفراج عنا كذلك وأصبحنا أحراراً.
وبعد إبحار استغرق أسابيع وصل الرفاق الثلاثة إلى لندن في الرابع عشر من يوليو/‏تموز عام 1961، وازدحمت أيامهم باللقاءات مع أعضاء البرلمان، وعقد مؤتمرات صحفية لشرح قضيتهم وقضية البحرين، وحضور بعض الاحتفالات التي أقيمت لهم بمناسبة الإفراج عنهم.
لكن لندن لم تأخذ من عمر «عبد العزيز الشملان» سوى أيام قليلة، إذ بعدها تفرق الرفقاء، فقد اختار الشملان دمشق منفى اختيارياً، فيما اختار الباكر بيروت، بينما اختار العليوات العراق، ومن منفى إلى منفى كانت حياة الشملان تعدو بها التواريخ وتتخللها عناوين كبيرة من الذكريات والكفاح والاستقلال والوطن والكرامة.