كفاية الفقير وسد حاجته مقصد من مقاصد الزكاة فيعطى من الصدقة القدر الذي يخرجه من الفقر إلى الغنى ومن الحاجة إلى الكفاية، وقد جاء في الحديث الصحيح ما يدل على أن المسألة تحل للفقير حتى يأخذ ما يقوم بعيشه ويستغني به مدى الحياة.. ويقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا أعطيتم فأغنوا.. يعني في الصدقة.
والأصل في المال تدويره وتوظيفه لخير الأمة لا أن ندعه في حسابات بنكية فتأكله أموال الزكاة والتضخم وقد يظن البعض أن هذا المعنى يتعارض مع فرض الإسلام للزكاة على المسلمين والعكس هو الصحيح لأن توظيف الأموال واستثمارها يزيدها ويزيد قيمة الزكاة بالتالي عاما بعد عام.. بعكس تجميد الأموال الذي ينقص هذه الأموال بإخراج زكاتها سنويا فتقل قيمة الزكاة بالتالي.. ناهيك عما يصيبها من نقص بفعل التضخم الذي يزداد سنويا..
فالإسلام لم يحارب الآفات النفسية الاجتماعية بالوعظ المجرد والإرشاد النظري فحسب ولكنه عمل على اقتلاع أسبابها من الحياة واستئصال جذورها من المجتمع فلا يكفي الجائع أو المحروم أو العريان أن تلقي عليه درسا بليغا في خطر الحقد والحسد، وكل لحظة في حياته التعسة البائسة وحياة الطاعمين الناعمين المترفين من حوله تلقنه دروسا عملية أخرى كيف يحسد وكيف يحقد وكيف يبغض وكيف يغلي قلبه كراهية وغيظا ونقمة؟
إن الناس إذا توافرت لهم كفايتهم وكفاية من يعولونهم استطاعوا أن يطمئنوا في حياتهم ويتجهوا بالعبادة الخاشعة إلى ربهم الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف.
إن شعور الفقير انه ليس ضائعا في المجتمع وان مجتمعه يرعاه ويهتم به كسب كبير لشخصيته وزكاة لنفسه وهذا الشعور نفسه ثروة لا يستهان بها للأمة كلها.
ولقد بالغ الإسلام في التحذير من إهمال الفقراء إلى الحد الذي جعله سببا في براءة ذمة الله سبحانه وتعالى، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، من الجماعة البشرية التي تسقط في مستنقع هذا الخلل الفاحش في علاقات الاجتماع.. وفي ذلك وعنه، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيما أهل عرصة (أي مجتمع، صغيرا كان أو كبيرا)، أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله.
مجتمع التكافل
إن مجتمع التكافل الاجتماعي هو مجتمع الجسد الحي، وإسهام كل عضو من الأعضاء في حياة الجسد وحيويته ليس متماثلا ولا متساويا.. وحظ كل عضو ونصيبه من رصيد حياة الجسد وحيويته ليس واحدا فالتوازن والارتفاق، يصبح فيه كل عضو فاعلا ومنفعلا ومتفاعلا مع الآخرين، وكأنه المرفق الذي يرتفق به وعليه الآخرون كما يرتفق هو بهم وعليهم، مع التفاوت في الحظوظ والمقادير والدرجات في عملية الارتفاق والتوازن هذه.. إن هذه الصورة هي الممكنة والحقيقية والعادلة في مبدأ المساواة بالميادين التي تتفاوت في طاقات الناس، وتتفاوت فيها أيضا احتياجاتهم لما يحصلون في هذه الميادين.
وفي المأثور الإسلامي: من لم يهتم بأمر الناس فليس منهم، أي أن الفردية والأثرة وقطع الروابط الاجتماعية مع الناس تخرج صاحبها من زمرة الإنسانية! فالتكافل الاجتماعي هو اللحمة التي تصل الفرد بجنس الإنسان ومعنى الإنسانية.
وفي التعبير عن هذا المعنى الإنساني والاجتماعي، جاء التصوير النبوي لهذا التكافل الذي يجعل الأمة جسدا واحدا حيا رغم تفاوت أعضاء هذا الجسد في الحجم والتأثير والإمكانات والاحتياجات.. فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
فإذا غاب هذا التكافل، تحللت الروابط الاجتماعية في المجتمع، وتحللت الأعصاب الجامعة للأمة.. أما إذا غاب التكافل الاجتماعي، وحل محله الخلل في الاجتماع الإنساني، فإن الثراء سيتركز في جانب، بينما يتركز الفقر في الجانب الآخر، ولذلك كان مجتمع التكافل هو النقيض لمجتمع دولة الأغنياء الذي تحدث عنه القرآن الكريم فقال: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب (الحشر: 7).
ذلك أن النشوز الاجتماعي والاستفراد بسلطة المال وبكل سلطة هو المقدمة المفضية إلى الطغيان الاجتماعي.. والسياسي.. والإداري.. والاقتصادي. وصدق الله العظيم: كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى (العلق: 6 و7).
فالتكافل الاجتماعي هو الطريق إلى حياة وإحياء الإنسانية في المجتمع.. والفردية والأثرة هما سبيل الطغيان.
الزكاة والصدقات
يقول أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه للعاملين على الزكاة: إذا أعطيتم فأغنوا ويقول النووي: يعطى الفقير والمسكين ما ينقله من الفقر إلى الغنى دون أن يعود فقيراً مرة أخرى.
فالزكاة، والصدقات قاعدة واحدة من قواعد كثيرة، يقوم عليها نظام التكافل الاجتماعي في الإسلام؛ على حين يظن الكثيرون أنها القاعدة الوحيدة لذلك النظام.
إنها قاعدة تجيء بعد قواعد العمل وتيسيره لكل قادر عليه، والقرض الحسن وتمكين كل من يريد المال ليعمل فيه أو ليأكل منه بلا فائدة؛ والتكافل بين أفراد الأسرة، والتضامن في الغرم والتبعة الفردية والجماعية تجاه المجتمع.
فالزكاة حق مفروض في المال، حق مقدر معلوم، غير متروك لوجدان الأفراد ولا لتقديرهم. حق تأخذه الدولة وتقاتل عليه، لا إحساناً فردياً من يد إلى يد، ومن متفضل إلى متفضل عليه. فأما الصدقات -فلأن فيها مظنة الإحسان من مخلوق إلى مخلوق- فإننا نرى الإسلام ينفي هذه المظنة بشدة، ويقرر دائماً أنها قرض لله يجزي عليه الله، وليس تفضلاً من إنسان على إنسان، وأن الرابح في هذه العملية هو من ينفق المال. وأنه إنما يقدم لنفسه ما أنفق بلا من ولا أذى: وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلا ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَف إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ (البقرة:272).
ومن ثم فالمعطي حين يعطي لا يتفضل على المحتاج، إنما هو يقدم قرضاً لله، والمحتاج الذي أخذ إنما كان واسطة لمن أعطى لينال أجره من الله.
هذه هي الصورة الحقيقية لنظام التكافل في الإسلام. فهو -كنظام اقتصادي- يحدد العلاقات الاقتصادية في ميادين كثيرة. ويجعل العمل والإنتاج وسيلته الأولى. ولقد حقق الإسلام بهذا النظام مجتمعاً متكافلاً لم تعرفه البشرية من قبل، وما تزال تتطلع إلى تحقيق مثله حتى الآن.
ركن اقتصادي أساسي
ولا شك أن الزكاة ركن أساسي من أركان الاقتصاد الإسلامي، لكنها ليست إلا أحد الأركان أو إحدى الوسائل التي يمكن أن تستخدم في تحقيق أهداف الاقتصاد الإسلامي، لكن الاقتصاد الإسلامي أوسع بكثير جدّاً من قضية الزكاة، فالاقتصاد الإسلامي له موقفه الواضح المحدد من الإنتاج والاستهلاك والاستثمار والتوزيع وشتى القضايا الاقتصادية، بل إن كثيراً من الأفكار الاقتصادية التي وصل إليها الاقتصاد الوضعي قد سبق إليها المسلمون منذ فترة طويلة، فالاقتصاد الإسلامي له أسسه وخصائصه التي تميزه عن غيره، فهو في موضوع الحرية الاقتصادية يتبنّى الحرية المنضبطة بالشريعة الإسلامية، ويرفض الحرية المطلقة كما يرفض الدكتاتورية الاقتصادية، وفي جانب الملكية يقوم على الملكية المزدوجة والتي تجمع بين الخاصة والعامة، ويرفض أن تكون الملكية عامة بصفة أساسية كما في الاشتراكية أو ملكية خاصة كما في الرأسمالية، في ميدان الموارد فإن للاقتصاد الإسلامي موقفه المحدد من المشكلة الاقتصادية بصفة عامة والتي تقوم في الفكر الوضعي على ندرة الموارد ولانهائية الحاجات، فالاقتصاد الإسلامي يؤمن بوفرة الموارد، ومن ثَم إمكانية تحقيق حد الكفاية لكل إنسان؛ لأن موارد الله تعالى التي خلقت للجميع تكفي الجميع، وأيضاً يؤمن بحق الجماعة في موارد الثروة، قال تعالى: هُوَ الذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً.
ولو طُبق الاقتصاد الإسلامي في دنيا المسلمين لرأوا أثره في كل جوانب الحياة وليس في جانب الزكاة فقط، فتمويل المشروعات يجب أن يكون على هدي الإسلام، فنبتعد عن التمويل بالربا إلى أنواع التمويل المباحة إسلاميّاً، وفي الاستثمار يتم ذلك في المجالات المطلوبة للمسلمين على أساس الترتيب الذي وضعته الشريعة الإسلامية لتقديم الضروريات على الحاجيات وتقديم الحاجيات على الكماليات، فلا يُعقل في ظل التطبيق الإسلامي أن تمتلئ الأسواق بالسلع الكمالية بينما يكون هناك نقص في المساكن ووسائل المواصلات والتعليم والصحة، فكل هذه المجالات أولى من السلع الكمالية.
مما ذكرنا يتبين أن الاقتصاد الإسلامي يلجُ جميع المجالات كما قلنا: الاستثمار، الادخار، الإنتاج، الاستهلاك، تحريم الإسراف والتقتير، وإيجاب التوسط والاعتدال، تطبيقاً لقول الله تعالى: وَالذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً.
ولو طُبقت الزكاة كما أرادها الإسلام لما اقتصر أثرها على عدد محدود من أفراد المجتمع، وإنما تستطيع إذا طُبقت بالأسلوب الصحيح أن تنقل المجتمع من التخلف للتقدم، وتقود خطى التنمية في كل مجتمع إسلامي، وهي ليست علاقة فردية بين غني وفقير وإنما علاقة بين الدولة والمواطنين، فيجب عليها أن تأخذ الزكاة من الأغنياء للإنفاق على المشروعات التي تنقل الفقراء إلى مستوى الأغنياء، وهي لا تُعطَى معونة مؤقتة وإنما غنى كاملاً.
تربية روح الفرد
لقد عُني الإسلام بالتكافل ليكون نظاماً لتربية روح الفرد وضميره وشخصيته وسلوكه الاجتماعي، ونظاماً لتكوين الأسرة وتنظيمها وتكافلها، وأن يكون نظاماً للعلاقات الاجتماعية، بما في ذلك العلاقات التي تربط الفرد بالدولة، وأن يكون في النهاية نظاماً للمعاملات المالية، والعلاقات الاقتصادية التي تسود المجتمع الإسلامي. وهكذا نرى أن مدلولات البر والإحسان والصدقة -وحتى الزكاة- تتضاءل أمام هذا المدلول الشامل للتكافل. التكافل مع النفس.
وبدأ الإسلام بالأهم، فجعل التكافل علاقة تربط بين المرء ونفسه، فجعل الفرد مسؤولاً عن نفسه أمام الله؛ مسؤولاً عنها أن يزكيها ويطهرها، وأن يكفها عن شهواتها، وأن يقف لها بالمرصاد كلما هفت إلى غواية. وقرر أن هذه النفس مستعدة للفجور والتقوى، وأن على صاحبها أن يختار لها الطريق، وعليه تبعة ما يختار لها. ولقد كلّفه أن يمتع نفسه في الحدود التي لا تفسد فطرتها، وأن يمنحها حقها من العمل والراحة، فلا ينهكها ويضعفها.
وفي مقابل حرية الاختيار قرر الإسلام فردية التبعة، فكل إنسان وعمله. وبذلك يقف الإنسان من نفسه موقف الرقيب والكفيل، وهذا التكافل وإن كان فردياً في ظاهره، إلا أنه في حقيقته تكافل اجتماعي بالمعنى الواسع الذي يعنيه الإسلام؛ ذلك أن تربية الفرد على هذا النحو إنما هي إعداد له في ميدان المجتمع، لأن الإسلام يوجه الفرد بعد هذه الخطوة إلى الإيثار والتعاون والتكافل مع الجماعة.