لم يسبق لي على مدار انشغالي البحثي بالسرد العربي بكل تنوعاته اللهجية والفصيحة أن عثرت على عينات طالعة من بيئة حكائية واحدة، تشتغل جميعا من أجل إرساء قصدية واحدة غالبا ما تكون ذات بعد إيديولوجي في تعاملها مع العدد، لذلك قد تكون الحكايات الشعبية الإماراتية الواردة في مقالي هذا مادة أخصب من غيرها وأكثر طواعية للدرس الأنتروبولوجي من مثيلاتها التي يحكمها الاعتباط في سرد العد. وقد اعتمدت في ذلك على مرجعين هما: حصاة الصبر للباحث أحمد راشد ثاني الصادر عن المجمع الثقافي في أبوظبي، وحكايات شعبية من مدينة العين لعائشة خميس الظاهري الصادر منذ فترة قريبة عن إدارة التراث المعنوي في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث.
لقد شكّل العدد سبعة بؤرة دلالية في التراث الشعبي الإنساني وبخاصة العربي، إذ نجده مستعملا في أغلب منقولات الثقافة الشعبية الطقسية، من طلاسم السحر والأحجبة والتمائم , وكذلك منقولاتها القولية كالتسابيح وقراءة الأوراد، والأدب الشعبي. إن السبعة رياضيا رقم فريد لا يقبل القسمة, وليس له جذر تربيعي, ولا يقبل التحليل الحسابي، وبذلك فهو يشكل في ذاته وحدة حسابية، تتمتع بسر ما، سيطرت على الكون بشكل مذهل وانتقلت سيطرتها إلى التراث الشعبي، حتى وإن اختلفت الذهنيات في براءة التعامل معها أو عدمها.يرتبط التسبيع عندنا في المعتقدات الشعبية الجزائرية مثلا، بإنهاء الأذى، ومن ذلك تمرير القليل من الملح على رأس المصاب بالعين سبع مرات لإذهاب الحسد، وكذلك إذا ما صادف وأن أصاب شخص ما عين الآخر من غير قصد بأصبعه، يعمد المتسبب في الإصابة إلى تدوير إصبعه سبع مرات على عين المصاب. إلا أن دلالة هذا الرقم تختلف من مجتمع لآخر، تبركا وتطيرا، ففي المنطقة الجنوبية للمملكة العربية السعودية مثلا، يتطير من هذا الرقم ويكنى به عن عدد الجن، من ذلك دعاؤهم بالشر الذي يرد في عبارات منها: سبعة به يا سكون وسبعة يشتلونك وسبعة يا أهل النبعة، إذ يعتقد أن شجر النبع الذي تصنع منه الرماح هو الموطن الأثير للجن، كما أن الزرّاع هناك يتجنبون ذكر هذا العدد في حساب الكيل فيستعيضون عنه بكلمة سمحة بدل سبعة حتى لا تذهب بركة الحب، وبذلك تدخل السبعة ضمن المحظور اللفظي الذي يعتقد أنه يجلب الشرور بمجرد تداوله على الألسن في هذه المنطقة.
رموز واضحة
لماذا هذا التركيز على الرقم سبعة خاصة وأنه لا يخفى تداوله بشكل مطرد في الأساطير والحكايات الشعبية؟ كيف ترسم هذه المواد الفلكلورية استراتيجية اشتغال السبعة في الفضاء الدلالي للمعتقد الشعبي، متجليا في أكثر تمظهراته حركية وحيوية ألا وهو السرد؟
هذا الرقم الذي يشكل حسب ما ذهب إليه ابن القيم كمال العدد، نجد له حضورا لافتا في المنجز السردي الشعبي الإماراتي غير مرة، وعبر غير واحد من الكتب الجامعة للسرود الشعبية، ففي كتاب حصاة الصبر لأحمد راشد ثاني، نعثر على العديد من القصص التي وظفت هذا الرقم توظيفا واعيا قصديا، ومنتجا دلاليا، ومندغما ضمن خصائص الكمال التي أشرنا إليها سابقا، من هذه القصص قصة انتيفان التي تحكي عن سلطان عنده سبع من الحريم لم تنجب أي واحدة منهن، شكا السلطان أمره لدرويش قرأ له على سبع رمانات وأخبره أن يعطي كل واحدة من الست لحريمه وأن ينتصف الرمانة السابعة بينه وبين زوجته السابعة، فأنجبت النساء الست أولادا ستة مكتملي الخلق، بينما أنجبت الزوجة السابعة انتيفان الذي سمي بهذا لأنه نصف شخص، لكنه بالمقابل كان يتميز عن إخوته الستة بقوى خارقة في الصيد والحصول على المال وغيرها.
تحيلنا هذه القصة على أن السابع كامل جوهرا حتى ولو شابهُ نقص عرضا، وأن غيره ناقص جوهرا حتى ولو كان كاملا عرضا، وأن السابع كامل حتى لو نتج عن ناقص ف انتيفان ناتج عن رمانة منتصفة بين الأب والأم، بينما غير السابع ناقص حتى لو نتج عن كمال، فإخوته نتاج رمانات كاملة غير منتصفة.
وتحكي قصة جدوم ومنشارة عن سلطان لديه من الأولاد سبعة وليس لديه بنات، فدعت زوجته أن ترزق بنتا حتى لو كانت رجلاها قدوما، ويداها مناشير، فرزقت مثلما دعت، وشرعت البنت في أكل خيول إخوتها ولم يعرف السبب وراء اختفاء الخيول حتى همت بأكل حصان أخيها السابع، الذي عندما كشفها صاحت فاستيقظ الأبوان واتهماه بأنه يريد أن يقتل أخته، فركب خيله وهرب. في البرية ووجد سبع بنات مصابات بالعمى يصلين، وسبعة أوعية في كل وعاء ثريد مسقي باللبن، أخذ من كل وعاء لقمة واكتفى بعد اللقمة السابعة، وبقي يخدم الأخوات مقابل سبع لقمات يوميا إلى أن استطاع أن يحصّل ملكا وجاها، وقدرة على إبراء العمى، وأبرى الأخوات وتزوج أصغرهن أي سابعتهن.
عندما عاد إلى بلاده كي يزور أهله وجد أخته صاحبة القدوم والمنشار قد أتت على كل شيء، وعندما عرفته دبرت له حيلة كي تسن منشارها وقدومها وتأكله، فأنجته فأرة بأن أعطته سبعا من نواة التمر، قالت له إذا رميتها تستوي سبع نخلات، تركب على كل واحدة منها كي تنجو، وكلما قطعت أختك بك واحدة انتقل للثانية إلى غاية أن يُفرّج عنك. طاردته أخته إلى غاية أن وصل إلى النخلة السابعة وهناك طاردتها كلاب من آكلي البشر، وأكلتها ونجا وعاد لزوجته وقصره.
تحيل هذه القصة إلى أن ما بعد السبعة وما قبلها ناقص أو مؤذ، فالبنت التي ولدت بعد سبعة أولاد، كانت مقدم شر على أهلها، وأكلتهم جميعا، والإخوة الستة الذين ولدوا قبل السابع، كانوا عديمي الكفاءة السردية، بحيث لم يستطيعوا أن يحموا مواضيع القيمة لديهم متمثلة في الخيول، ولا أن يحموا أنفسهم، بينما استطاع الأخ السابع ذلك. وتحكي قصة الجارية عليه عن سلطان له سبعة من الأولاد، ولأخيه سبع من البنات، هذا الأخ الذي يناله القدح والتحقير في المجالس بسبب ذريته التي كلها من الإناث، شكى أمره لابنته الصغرى أي السابعة، والتي سارت وراء أولاد عمها بعد أن خرجوا في طلب المال، وقد شحنت المركب بزاد كاف لسبعة أشهر، وتمكنت من التنكر في زي رجل، وتمكنت من دمغ أبناء عمها السبعة بختمها الخاص كخدام لها، مقابل زاد زودتهم به، وعادت بالمال وكشفت ضعف أبناء عمها وانكسارهم أمام العامة فقيل إن هذه البنت عن سبعة أولاد.
دلالة الرقم هنا تكتسي قيما إضافية بمجاورتها لقيمتي الذكورة والأنوثة من جهة وقيمتي الكل والجزء من جهة ثانية، إذ يتنازع على موضوع القيمة في الحكاية سبعة ذكران مقابل أنثى سابعة، أي كل كامل مقابل جزء ناقص، مادمت الأنوثة هي نقص انطولوجي على كل حال، حاولت الفتاة أن تتغلب عليه سرديا بالتنكر في زي رجل.
يسفر محور الصراع عن تتويج الجزء الناقص فقط لكونه سابعا، وعن هزيمة الكل الكامل مادام ليس سابعا صافيا، بل سابعا مندغما فيما قبله، وقد سبق وأن أشرنا إلى أن ما قبل السبعة وما بعدها هو نقص وأذى، يتعزز هذا الطرح إذا ما عرفنا أن الأخ الأكبر هو الذي تولى قيادة إخوته السبعة والتخطيط لمجريات السرد، بالتالي فإن القوى الخارقة التي كان من الممكن توفرها في أخيهم السابع هي قوى خامدة، مغيبة، مرجأة، وغير منتجة على مستوى المسار الحكائي.
حكايات شائعة
كما نلحظ حضورا لافتا للتسبيع أيضا في بعض السرود التي دونتها عائشة الظاهري في كتابهاحكايات شعبية من مدينة العين، وهو كتاب مهم في التراث السردي دونت من خلاله جملة من الحكايات الشائعة في الحيز الجغرافي لمدينة العين بإمارة أبوظبي، يكتسي أهمية بالغة لدارسي التراث الشعبي العربي من غير الإماراتيين بتقديمه تفصيحا لكل السرود المدونة على متنه، كما يقدم وصفا اثنوجرافيا لكيفية نطق بعض الحروف في اللهجة الإماراتية.
من بين السرود التي وظفت التسبيع في متن هذا الكتاب حكاية الإخوة السبعة وشقيقتهم الوحيدة التي طلبها أحد الأثرياء للزواج فرفض الإخوة، وأقسم الثري على أن يغزوهم في عقر دارهم ويأخذ الفتاة، فعمد الإخوة إلى أن يتركوا واحدا منهم يحرس الأخت ويخرج الستة الباقون للصيد، استمر الوضع على ما هو عليه إلى أن حان دور الأخ الأكبر الذي لم يكن يتمتع بشجاعة إخوته، فغزاهم الثري وأخذ البنت وتزوجها، وكانت له سبع أخوات، أرسل رجلا حكيما يعرض على الإخوة الزواج منهن.
تحيل هذه القصة على علاقة السبعة بما قبله أو بعده، بُعدا وقربا، إذ سبق وأن لاحظنا أن الإساءة تحدث سرديا فيما بعد السبعة مباشرة، وهو الثمانية، ولكنها لا تحدث فيما دونه مباشرة وهو الستة، ذلك أن العد بعدها غير منته، إذا ما شئنا إرجاء الإساءة إليه، وليس له حد، لذلك تحدث الإساءة بمجرد تخطي عتبة السبعة إلى الرقم الذي يليه، كما في قصة الجدوم والمنشارة مثلا.أما إذا سُطّر سرديا لحدوث الإساءة فيما قبل السبعة، فعادة ما تؤخر هذه الإساءة وظيفيا إلى غاية الوصول إلى الرقم واحد الذي يسبقه.
وتصديقا منها لقصدية التسبيع في السرود الشعبية الإماراتية، والتي أعتقد أنها قصدية كونية وليست سردية فحسب، تحكي قصة السبع بنات المثبتة في كتاب عائشة الظاهري عن سبع بنات خالفن أمر أبيهن وخرجن من دون علمه، وبعدها خفن من عقابه، فهمن على وجوههن، إلى أن دخلن بيت الساحر الوحش، وشرع الوحش في أكلهن واحدة واحدة، إلى أن وصل للصغرى وهي سابعتهن، فتركها حتى تكبر وتسمن كي يأكلها، واستطاعت هذه الأخيرة السابعة أن تفر من هذا القدر، والتقت بأمير تزوجها.
إن هذا التكرار لا يمكن أن يكون تكرارا اعتباطيا غير واع، أو غير مقصود، خاصة وأن استراتيجية اشتغال هذا الرقم تكاد تكون واحدة عبر كل هذه المتون السردية الإماراتية التي استعرضتها في هذه المقال، وهنا يحق لي وللقراء التساؤل، عن منبع هذا الاعتقاد بقداسة السبعة وقدراته الخارقة، هل هو تأثر بالقرآن الكريم، الذي تكرر فيه هذا العدد غير مرة، وفي غير موضع، إذ يحدثنا القرآن الكريم عن سبع سموات, وسبعة أبواب للجحيم, وسبع سنوات عجاف، وسبع ليال سخرت فيها الرياح المهلكة على قوم عاد , وسبعين رجلا جمعهم موسى لميقاته مع الله، وسلسلة في جهنم طولها سبعون ذراعا وعن السبع المثاني، وعن أن الله خلق الكون في ستة أيام واستوى على العرش في اليوم السابع، وغيرها مما لا يحضرني في هذا المقام... إضافة إلى ارتباط الرقم بالكثير من الممارسات الدينية للمسلمين، فالطواف سبعة أشواط، والعقيقة حددها الرسول عليه الصلاة والسلام بأنها في اليوم السابع من الولادة، وإن فاتت ففي الرابع عشر، وقراءات القرآن سبع، وأحرفه سبع.دلالات كونية
ربما يعتقد البعض إلى حد ما أن الوازع الديني الإسلامي هو الذي طبع تسريد العدد في المتون الحكائية الإماراتية بهذا الطابع، لكن هذا الاعتقاد سرعان ما يبطل إذا ما تصفحنا كتبا سماوية أخرى، إذ يقدس اليهود اليوم السابع وهو السبت بالنسبة إليهم، وكذلك السنة السابعة، ويسمونها سنة السبت، وكذلك السنة الناتجة عن حاصل ضرب سبعة في سبعة، وهي التاسعة والأربعون ويسمونها سنة العيد، كما تخبر التوراة أن الله خلق العالم في ستة أيام، يخبر كذلك الإنجيل على لسان يوحنا اللاهوتي فى سفر الرؤيا أن الله يوم القيامة يفتح كتاب الأقدار ويفض الأختام السبعة, فينفخ سبعة من الملائكة فى سبعة أبواق وتحدث سبع كوارث تنتهى بها الدنيا.
إن دلالة الرقم إذا ما استدعينا حضوره الطبيعي المادي أيضا في عدد ألوان الطيف والمعادن والأفلاك ونغمات السلم الموسيقي، هي دلالة كونية اكتسبها هذا الرقم من سر مجهول، تسربت إلى السرود الشعبية كما اتضح من العينة الإماراتية المستعرضة في هذا المقام إذ لونت هذه العينة الرقم بدلالات عقدية وأخرى كونية تجعل سرد العدد لا يمكن أن ينفصل عن الحركة العامة للكون.* باحثة في التراث الشعبي وأكاديمية من الجزائر