لا تزال مناطق الريف السوري تزخر بالعديد من الموروثات الاجتماعية الأصيلة التي أبت إلا أن تظل قائمة رغم التغييرات الطارئة على عادات وتقاليد هذه المناطق. ويعتبر التنور جزءاً مهماً من التراث السوري الأصيل حافظت معظم مناطق الريف على اقتنائه واستخدامه حتى يومنا هذا، فلا تزال النسوة يتفنن في صنع أرغفة التنور التي تشكل إحدى أهم العادات المعروفة. ولا يكاد منزل يخلو من وجود التنور الذي شهد في الآونة الأخيرة رواجاً ملحوظاً ليس في الأرياف، بل في معظم أحياء المدن وعلى الطرقات العامة وفي المطاعم الراقية ويفتخر بوجوده الفقراء والأغنياء على موائدهم فتكون قاسماً مشتركاً نظرا لفوائده الصحية ونكهته المميزة.
تقول حمدية (45 عاماً) إن صناعة خبز التنور باتت جزءاً مهماً من ممارساتها اليومية التي اعتادتها منذ صغرها ولا تزال تفضله على الخبز العادي، وتضيف: ظهور الأفران الغازية والكهربائية وانتشار صناعة الخبز العادي الجاهز، لم تؤثر في الطلب على خبز التنور، فالعديد من سكان المدن يشترونه نظراً لطعمه ونكهته المتميزة ولعل هذا ما أعاد انتشاره مرة أخرى وأصبح يقدم حتى في المطاعم الراقية نزولاً عند رغبة زبائنها.
والتنور وعاء من الفخار يوضع على مصطبة من الحجارة مثبتاً بشكل مائل ويخصص أسفله لوضع الوقود من الحطب، وعندما يسخن الفخار تلصق على جدرانه الأرغفة التي يسهل نزعها عندما تنضج.
ويوجد في أسفل التنور فتحة دائرية بقطر 10 20سم تسمح بخروج الرماد ودخول الهواء البارد لتتم عملية الاحتراق بداخله أثناء الخبز.
تقول عزيزة الشحمة (50 عاماً) إن صناعة فرن التنور، التي انتشرت في العقود الماضية بدأت بالتراجع واقتصر الأمر على الموجود في البيوت، وتضيف: صناعة تنور واحد متوسط الحجم قد تستمر عشرة أيام، إذ يمر العمل بعدة مراحل تبدأ الأولى بجلب وتنظيف التراب المخصص لصنع التنور، وبعدها يخلط التراب ويبقى في الماء يومين، ويضاف إليه الملح والتبن وشعر الماعز لتقوية وتماسك الطين، ومن ثم يتم عجن الخليط، لتبدأ عملية بناء التنور، وهي على ثلاث مراحل؛ الأولى هي الأساس وتليها مرحلة الوسط، ومرحلة فوهة التنور، ومن ثم تعريضه للشمس لمدة أسبوع، على الأقل، حتى يجف.
وعن مستلزمات التنور تشير الشحمة إلى ضرورة وجود الكارة وهي عبارة عن قطعة قماش دائرية محشوة ببعض القطع القماشية بسماكة10سم ومساحة 50سم توضع عليها قطعة العجين بعد مدها لتلصق بأحد أطراف التنور من الداخل مهمتها حماية اليد من النار أثناء لصق الرغيف، أما المحراك فهو عبارة عن قطعة خشبية أو عصا طويلة يحرك بها الجمر عندما تخمد النار بداخل التنور.
وتوضح أن التنور العادي يصل ارتفاعه إلى ما بين متر إلى متر و25سم، وهو مخصص لصناعة الخبز والعديد من المعجنات، وبعض النسوة يستخدمنه لتحضير بعض الحلويات كأقراص العيد والكعك بحليب.
ولصناعة خبز التنور طقوسه المتوارثة، إذ غالباً ما يوضع التنور في مكان خارج المنزل وتساعد النساء بعضهن بعضاً في الخبز، ويكون غالباً في الصباح ويعتبرنها فرصة لتبادل أطراف الحديث وأخبار أهل القرية.
تقول أم محمد 44 عاماً: إن جو إعداد الخبز يبعث الألفة في النفس، وهو مثال حي لتعاون نساء القرية خاصة في أوقات إعداد الولائم أو أيام الأعياد، إذ تجتمع العائلة حول الفرن لتناول خبز العيد أو فطائر السبانخ والجبنة والزعتر أو تلك المحلاة بالدبس والتي يطلق عليها المردد. وتضيف: هي فرصة أيضاً لبيان التعاضد الاجتماعي من خلال توزيع الخبز والفطائر على الجيران أو على كل عابر سبيل.
وعن كيفية صناعة خبز التنور تقول أم محمد: غالباً ما تستخدم قطعة حجرية مصقولة بعناية ونظيفة ينثر الطحين عليها كي لا يلصق بها العجين المعد مسبقاً. ثم تقوم المرأة برق العجين على القطعة الحجرية ثم تحمله بكلتا يديها وتقوم بتدويره وتلوح به في الهواء عدة مرات قبل أن تضعه على الكارة التي تقوم بواسطتها بلصق الرغيف على أطراف التنور ليبدأ العجين ينضج شيئاً فشيئاً ثم تمد يدها لتخرج رغيفاً ناضجاً وتضعه في صدر التنور وهو مكان في زاوية الغرفة من الداخل وضع عليه شرشف نظيف لتوضع فوقه أرغفة الخبز الناضجة التي خرجت لتوها من التنور.