تسيطر الجاهة بصورة واضحة على المشهد الاجتماعي الاردني وتنسحب على السياسي احيانا بحيث تشكل جزءا أساسيا يسبق مراسم الزواج ويعقب الخلافات الكبيرة بين العائلات والرموز المعروفة لتسويتها، وكذلك رأب صدع النزاعات بين العشائر الواقعة نتيجة مواقف وحوادث وتصرفات مضادة قديمة أو طارئة في محاولة لإعادة الامور الى طبيعتها وانهاء القطيعة.

الجاهة المرتكزة على تجميع عدد من الرجال يتصدرهم كبيرهم شأنا وقيمة وسنا وذهابهم الى منزل العائلة المقصودة لطلب زواج او اصلاح ذات البين وفق عادة متوارثة باتت مظهرا مبالغا في معطياته من حيث الشكل والمضمون والغاية والتنفيذ، فتحولت من واجب اجتماعي يسهم في تحقيق أمر ايجابي الى عبء اجتماعي طغت على مرادفاته الوجاهة. وشدد مفلح الرضوان استاذ الشريعة الاسلامية على دورها السلبي، مطالباً بعدم اقرار الجاهة المتفشية بعد ارتكاب حوادث السير والجرائم وسيلة للتغطية على المخطئ، داعيا الى أخذ الاجراءات القانونية مجراها في تطبيق العقوبات، فيما حدد الرضوان أهمية جاهة الزواج في التقريب بين العائلات وعدم اعتماد مجلسها عقدا للقران طالما خلا من الايجاب والقبول الشرعي كما ناشد بتلافيها نهائيا حال أصبحت مكلفة وترمي للتظاهر.

لكن هل الجاهة ضرورة اجتماعية حتمية في بعض المناسبات الاردنية؟ صايل الرواشدة أحد وجهاء عشيرته وصاحب خبرة طويلة في رصد الموروث الشعبي يراها كذلك ضمن اجراءات الزواج على الاقل لكنه يفرق بين أصلها واهدافها الاساسية القديمة ما طرأ عليها من تضخيمات غير مستحسنة جعلتها منتقدة أحيانا.

يقول الرواشدة: الجاهة عادة بدوية عتيقة عمت الاردن وفلسطين والشام وبعض دول الخليج منذ عقود فائتة في سياق واضح وله اغراض محسومة بلا مبالغات، ولكن مع تطور الحياة ظلت موجودة ولكن مع اضافات وتجديدات مختلفة ولم يتم التخلي عنها حتى الآن.

ويضيف الرواشدة: بعد الاتفاق المبدئي بين العائلتين على خطوة الزواج يهم رجال من عائلة الشاب الى تجميع أنفسهم في مقدمتهم وجوه العشائر أو كبار وأعيان منطقتها والتوجه الى عائلة الفتاة بهدف تقديم التقدير والاحترام اولا، وتحقيق التعارف اذا كانتا من نسب مختلف او توطيده ثم طلب يد العروس رسميا من والدها بحضور اقاربها والاتفاق على تفاصيل المهر وتجهيزات الزفاف بحيث تطرح للنقاش والاعتراض خلال المجلس ذاته، حيث يفصل في الامر فنجان القهوة السادة المقدم للضيوف والذي يضعه المتحدث باسمهم أمامه ولا يشربه قبل اجابة طلبه ويرد من يقابله من الطرف الموازي: أبشروا.. واشربوا قهوتكم في دلالة على الموافقة.

ويقول الرواشدة: هذه العادة متبعة لدى غالبية العائلات الاردنية وكذلك على المغتربين في دول عربية وأجنبية وتعد مصدرا للفرحة والبهجة لكن للاسف أدخل عليها بعضهم كماليات حادت عن مسارها الصحيح وحولتها الى مرتع للتفاخر والتباهي، وصار متبعا مؤخرا احضار اعضاء من مجلسي النواب والاعيان أو وزراء وحتى رئيس وزراء سابق وأصحاب مراكز مهمة ومشاهير بداعي التظاهر.

من جهته يرى الموظف عصام عايد أنه لابد من الجاهة لإنجاز مشروع زواجه قريبا ويقول: أعدها من أولويات فرض التقدير لي أمام عائلة شريكة حياتي الى جانب تقديم الاحترام لها ولأسرتها وادخال الفرحة والسرور على المنزل ومن دونها لا تتم الاجراءات التالية للزواج أو تكون منقوصة وغير مكتملة.

وتؤكد نهاد نزار أن أجمل مراحل زواجها بدأت عند قدوم الجاهة الى منزل اسرتها واصفة ذلك في قولها: أحسست بقيمتي عند زوجي وأهله ولمحت الزهو في عيون والدي وأشقائي وتسارعت نبضات قلبي حتى سمعت زغرودة أطلقتها والدة العريس، وهمت والدتي لاحتضاني باكية وتلقيت التهاني تباعا لكن يظل مشهد دخول كبار واعيان البلد الى منزلنا حيث لمحتهم من شرفتي ثم اظهارهم التقدير لوالدي واقاربي، أمراً يرفع من شأني ولا يقدر بثمن.

أما سالم مخلد فيرى أنه لا يجب اشتراط جاهة لإتمام الزواج وهذا ما تنازل عنه عند عقد قران ابنته، يقول: كنت أتمنى وجود جاهة فهي مبعث بهجة وفرح واحترام لكن تقدم لها شاب على خلق ودين واكتفينا بحضوره واسرته الصغيرة وانجزنا الاجراءات بلا تكليف.

حسن أبو نعمة سفير الاردن السابق في الأمم المتحدة رصد تجاوزا وصفه ب التعدي لخيم الجاهات الكبيرة المطروحة للتظاهر على حساب الطريق العام قائلا: قبل بضعة ايام لاحظت ان خيمة كبيرة قد شيدت ومع حلول الغروب أخذت السيارات تتوارد بالعشرات وتصطف على جانبي الشارع العام في مواضع عشوائية بالقرب من الخيمة من دون مراعاة لما يتبقى من الطريق سالكاً لاستخدام الناس. ويضيف حسن: تلك العادات التي أخذت تستبد بممارساتنا الاجتماعية وتشكل عبئاً كبيراً على الناس دون ان تلبي اية غاية تحتاج للمراجعة.

ويرى رئيس الوزراء الاسبق علي ابو الراغب ان واحدة من مهام رئيس الحكومة وكبار السياسيين باتت تتمثل في تصدر الوفود العشائرية والجاهات في المناسبات الاجتماعية مثل الخطبة والاعراس واحيانا المصالحات ذات الطبيعة الاجتماعية، الأمر الذي لا يعجب أبو الراغب وفق اقتراح عرضه على بعض زملائه يتمثل في اصدار بيان باسمهم يتضمن اعفاءهم من تصدر تلك المناسبات.

ويؤكد النائب في البرلمان عبد الجليل المعايطة أن الجاهة لم تعد تحمل المعنى القديم في تحديد حيثيات الزواج ومتطلبات أهل العروس، لكن المعيطة يستدرك بوجوب المحافظة على عادة الجاهة الاصيلة معتبرا ذلك أمراً غاية في الأهمية.

ويعلق الدكتور عيسى مصاروة استاذ علم الاجتماع في الجامعة الاردنية قائلا: لا أعتقد أن إشهار الزواج يعتمد على حجم الجاهة بوجود حفل العرس والدعوات التي توجه إلى كل المعارف والأقارب، ومن الواضح أنها أصبحت مظهرا اجتماعيا متعلقا بالتباهي أكثر منه بأي شيء آخر وتكاد تصبح عبئا مع كل المبالغة التي ترتبط بها من حيث التكاليف الكبيرة وموضة جاهات كبار الشخصيات الدارجة بكثرة مؤخرا.