القاهرة - هيثم عبدالشافي:
منذ انطلاق الشرارة الأولى للثورة المصرية كان لفن "الجرافيتي" دور مهم في تجديد أدوات الاحتجاج الشعبي، ليصبح بديلاً فاعلاً يغني عن الهتافات والمسيرات الثورية، حيث كان الفن الأكثر صلة بالتوثيق الحقيقي للثورة، لأنه الباقي على مر العصور فالأجيال القادمة ستتعرف إلى الثورة الحقيقية والشهداء من رسومات "الجرافيتي" بدءاً من "ميدان التحرير" في القاهرة انتهاء بميادين وشوارع محافظات الصعيد أقصى الجنوب المصري .
خلال ثلاثة أعوام مضت على ثورة يناير/ كانون الثاني لا تزال الآراء متباينة حول مدى أهمية دور فن "الجرافيتي"، فهناك من يرى أنه لا يتعدى كونه تشويهاً للجمال ورسومات طائشة تقبح الحوائط الصامتة وتؤذي النظر وتتعدي على الملكية العامة، وعلى الجانب الآخر يرى البعض أن "الجرافيتي" صرخة هادئة تتفوه بها الجدران المتزمتة، وتؤرخ لأحداث مضت .
ولدت حركة فن "الجرافيتي" في مصر مع الثورة، إذ قبل ذلك التاريخ لم يكن هناك وجود حقيقي لهذا الفن بخلاف أن الفراعنة كانوا أول من رسموا على الجدران وكتبوا عليها، أما الطريقة البدائية لممارسة هذا الفن بادئ الأمر فهو ما كان يمارسه الإنسان البدائي من نحت ورسوم على جدران الكهوف، ولكن البداية الحقيقية له كانت في السبعينات من القرن الماضي وقد نشأ على أيدي الأفارقة الذين يعيشون في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد كانوا يستخدمونه إضافة لموسيقى "الراب" في التعبير عن معاناتهم الفقر والعنصرية، وما إلى ذلك من مشاكلهم الخاصة وكانوا يرسمون على الجدران والقطارات القديمة .
بعدها ظل الأفارقة يمارسون هذا الفن في أمريكا للتعبير عن معاناتهم حتى انتشر وامتلأت به جدران نيويورك، فانتبهت له الحكومة وحاولت إعدامه حتى انتقل هذا الفن إلى أوروبا وظل هناك فترة، وكادت الحكومة الأمريكية تتأكد أنها قد تخلصت منه ولكنه عاد مرة أخرى إلى أمريكا، حيث إنها كانت مرجع أوروبا في هذا الفن .
وفي مصر رسامو "الجرافيتي" يرسمون كنوع من النشاط السياسي، إذ عملوا على تكثيف جهودهم إبان الأيام الأولى لثورة يناير، فكان الناتج أعمالاً فنية وثورية في الشوارع مخلوطة بعبارات احتجاجية تتوافق ومسار الثورة مثل: " ارحل، مينا دانيال، عماد عفت، إذا الشعب يوما أراد الحياة، مكملين، اللي كلف مامتش، بدمنا نرسم وطن" .
كلها عبارات وأسماء مزجت برسوم تعبر عنها وتصف المشهد بكل جرأة، من هنا انتشر "الجرافيتي" ليصبح أبرز وسائل التعبير عن الرأي والاعتراض السياسي .
عمار أبو بكر أحد أشهر فناني "الجرافيتي" يرى أن فنان "الجرافيتي" يملك منبراً إعلامياً قوياً، ويستطيع من خلاله التحكم في فئة كبيرة من الناس، من خلال اختيار المكان والفكرة التي يناقشها "الجرافيتي" . وأوضح أبو بكر أن أصل كلمة جرافيتي تعني الخدش، وبهذا اصطلح على تسمية فن الخدش أو الرسم والكتابة على الجدران أو عربات القطارات أو المترو بأنه فن "الجرافيتي"، ويعتبر اليوم أداة للتعبير عن الآراء السياسية والاجتماعية ووسيلة دعائية، ليصبح في الأخير نوعاً من أنواع الفن الحديث .
ويضيف: "هذا الفن حس شعبي، يسرد حكاية المكان والحدث أياً كانت تفاصيله، والفن عامة يخاطب الوجدان، ومن خلاله يستجيب المتلقي بشكل متفاعل حتى لو لم يعرف هذا الفن يستطيع من خلال الرؤية فقط أن يتفاعل معه، إضافة إلى أن هذا الفن يمد الجمهور بمعلومات جديدة، أو نقد للحاكم والحكومة ورسالته تؤدي بشكل من الابتسامة" .
شريف عبد المجيد، كاتب صحفي ومصور فوتوغرافي مصري ينتمي لجيل الثمانينات، انشغل بهوايته واستغلها مبدعاً شكلاً جديداً من أشكال التوثيق الحضاري يتناسب وثورة شباب "الفيس بوك" و"تويتر"، فتجول مرافقاً آلة تصوير صغيرة، ليسجل أهم لحظات الثورة المصرية في كافة محافظات المحروسة بداية من الإسكندرية انتهاء بالمحافظة السمراء أسوان، وبالفعل كان الناتج ثلاثة كتب مصورة وثقت أحداث الثورة ومفارقاتها، وفيلماً تسجيلياً عن فن "الجرافيتي" تحت عنوان "حيطان" عرض العام الماضي في كافة التجمعات والمراكز الثقافية المصرية .
عن شعبية فن "الجرافيتي" وعلاقته بالشارع وبسطائه يقول عبدالمجيد: "الرسومات الجرافيتية" ما هي إلا تحف فنية شغلتها أنامل رسامي الجدران في ميدان التحرير وشارع محمد محمود، وبعدها انتقل لكافة محافظات المحروسة ليوثق كل فنان ثورة وطنه بما يتناسب وروح بيئته" .
ويحكي عن فيلم "حيطان" قائلا: معاناتي تمثلت في تجميع المعلومات الكافية عن فن "الجرافيتي" وبداية ظهوره، ورغم ندرتها إلا أنني استطعت عن طريق المترجم الإلكتروني حصر معلومات كثيرة، كذا استعنت بكتب فنان "الجرافيتي" المشهور "بانكسي" وبعض المراجع الإنجليزية المتعلقة بفن "الجرافيتي" ومدونة إلكترونية سعودية الأصل تهتم بتعليمه .
وأضاف صاحب سيناريو فيلم "حيطان": الدافع وراء كتابة السناريو بشكل ضم 200 صورة فوتوغرافية من أصل 5000 مع سرد سينمائي جمعت فيه شخوص الرسامين الحقيقيين وحكاياتهم مع جدران القاهرة وبقية المحافظات، هو إحساسه بالضرورة الملحة في حفظ هذه القيمة من الضياع والتوثيق لها بشكل يتناسب ووسائل ثورة التكنولوجيا .
واستعان مخرج الفيلم حلمي عبد المجيد، بالفنانين "عمار أبو بكر، مشير، علاء عوض، آية طارق"، وبدأ بتصوير أول المشاهد في مدينة الإسكندرية بداية من الأنفوشي مروراً بالكورنيش ومحرم بيك، وجاءت مرحة التسجيل الثانية بالقاهرة وهناك أعادوا الرسامين وبالمصادفة رسومات شارع محمد محمود .