تعتبر العلاقة بين الحماة والكنه من بين أكثر العلاقات العائلية حساسية ويقوم نجاح العلاقة أو فشلها على نوعية عملية التواصل بين هذين الطرفين إذ إنّ التواصل يكون الأساس الذي تقوم عليه أية علاقة بين شخصين مهما كانت نوعية هذه العلاقة، فعملية التواصل المبنية على الاحترام المتبادل تعتبر من بين أهم العوامل التي تحسن العلاقة بين الكنة وحماتها ولا تعتبر عملية التواصل بينهما من العمليات السهلة نسبياً على الرغم من صعوبتها، إلا أنّ المسألة ليست مستحيلة أبداً كما أن الأمر يتطلب الإرادة الحقيقية فعلاً لدى كلا الطرفين والرغبة في أن تكون العلاقة بينهما جيدة والأمر يتطلب محاولة خلق نوعٍ من المحبة لدى كلا الطرفين تجاه الآخر، فقد انطبعت فكرة كره الحماة ومقتها للكنة في ذاكرتنا حيث ما إن تدخل الكنه بيت الزوجية حتى تبدأ البحث في قرارة نفسها عن الطرق والأساليب المختلفة التي يجب أن تسلكها مع حماتها لتقي مكائدها. ولا يفوتنا من البداية لفت الانتباه إلى أن ثقافة المجتمع هي من كرست هذه النظرة إلى الحماة وصورتها على أنها صاحبة تدخلات تهدف من خلالها لتدمير العلاقة الزوجية، فتبقى تترصد لكنها كل كلمة وكل حرف وكل تصرف وحركة تقوم بها لتحيك حولها قصصاً وحكايا، وهذا الانطباع من شأنه أن ينسج خيوط الكراهية ويدمر العلاقة بين الكنه والحماة.
الملاحظ أن في علاقاتنا الاجتماعية البسيطة تارة والمعقدة تارة أخرى أن الحياة تدور حول مركز واحد هو (الأم) مانحة السلطة للذكر بشكل مطلق ولكننا إذا أمعنا النظر عميقا حيث تبدو الروابط أكثر قوة وحميمية، ندرك أنه خلف هذا الترابط الخفي يكمن لغز المرأة الأم والمرأة الزوجة والعلاقة بينهما بكل تعقيداتها وحيثياتها والتي يتوقف عليها بناء مستقبل الأسرة وعلاقات أفرادها هذه العلاقات الأزلية المشحونة عبر التاريخ بين الحماة والكنة والتي كانت دائماً محط جدل كبير وصراع بين كل منهما لكن كانت هناك دائماً نماذج ايجابية ونماذج سلبية ذات أثر ايجابي أو سلبي على صعيد الأسرة والمجتمع.
الخليج رصدت عدداً من الآراء عن طبيعة العلاقة بين الكنة والحماة عبر فترات من الزمن واستمعت للحماة وحول علاقتها بالكنة كما استمعت للكنة ونقلت كيف كانت العلاقة بين الطرفين سواء ايجابية أو سلبية وكانت اللقاءات التالية:
تقول لميس المتزوجة منذ سنتين وتعيش مع أهل زوجها في منزل واحد: حماتي امرأة صعبة وقاسية علينا جميعاً وحتى على زوجها ولكنها على الرغم من ذلك فهي تنال احترام وإعجاب كل من حولها بسبب حكمتها وكتمانها أسرار الجميع وعدم السماح لأحد بالنميمة على الآخرين أمامها فالجميع يشكون لها مشاكلهم ويطلبون مساعدتها في إيجاد الحلول لهم ولكن المشكلة تكمن في أولادي الذين ينفرون منها غالباً نتيجة قسوتها عليهم وأحاول جاهدة أن أشرح لهم أنها تحبهم وتخاف عليهم لكن ذلك لا يجدي أبداً.
أما دلال المتزوجة منذ ثماني سنوات فتقول: علاقتي بحماتي يشوبها الكثير من الإشكاليات فهي تقارن نفسها بي وتعتبر أن كل ما أشتريه لنفسي من ملابس واحتياجات هو من مال ابنها الذي بنظرها يمنعها منه، هذه المقارنة جعلت منها رقيباً على تصرفاتي وملابسي وحتى زياراتي وعلاقاتي مع الآخرين وإنني كثيراً ما أخشى من أفكارها وتدخلاتها وأخاف أن يكون الطلاق بانتظاري في أية لحظة بسببها.
لينا عبد الخالق تقول: حماتي أم لنا جميعاً بالرغم من أننا عائلة كبيرة ونسكن مع بعضنا بعضاً فقد توفي والد زوجي وترك لها سبعة أولاد ولكنها كانت مثالاً للتضحية فقد تعبت وشقيت حتى كبروا وعلمتهم لأعلى المراحل الدراسية وزوجت بعضاً منهم فكانت برأيي مثالاً للأم المضحية وهي تقول لي دائماً وبعد أن أنجبت طفلين أتمنى أن لا تنجبوا أكثر، لأنه برأيها كاف فأنا وزوجي نعمل معا وحيث أننا لا نملك المردود والوقت لمتابعتهما وتربيتهما فكيف لو كان عددهم أكثر أما علاقتي بها فهي ممتازة فأنا لا أقوم بأي عملٍ دون مشورتها وأعمل غالباً بنصيحتها فهي تملك رؤية عملية وواقعية للمستقبل على الرغم من أنها تجاوزت الخامسة والستين من العمر.
أما تغريد الكامل فمعاناتها مع حماتها كانت طويلة ومريرة لكنها الآن انقطعت نتيجة قطع علاقتها نهائياً مع عائلة زوجها فحماتها امرأة قوية وحشرية كما تقول فهي ترغب في معرفة كل صغيرة وكبيرة تخصني وتخص زوجي ولاسيما ما يتعلق براتب زوجي وكيف نصرفه وكم كانت تحاول تحريض زوجي علي مدعية أنني أصرف مال زوجي وهو حسب رأيها تعب ابنها وعليّ أن أصرف المال على بيتها وليس على بيت أهلي لذلك قررت قطع العلاقة معها حرصاً مني على استمرار علاقتي الزوجية.
سمر الآغا تقول: حماتي امرأة استثنائية وكثيراً ما نشرب القهوة الصباحية معاً ودائماً نتحدث معا كصديقتين، أستشيرها وتأخذ رأيي في أغلب الأمور فهي رغم أنها أمية تتهم الكثير من الأمور، مثل، عدم رغبتنا في إنجاب الأولاد حالياً نتيجة لظروفنا المادية وحماتي إنسانة مكافحة فهي تعمل مع زوجها في الحقل دون ملل أو كلل الجميع يحبونها ويتمنون الجلوس معها وسماع أحاديثها.
إلا أن روان بدران تعاني من حماتها الأمرّين فقد وصلت الأمور معها إلى قفل الثلاجة حتى لا نأكل شيئاً وهي تتحكم براتب زوجي كما يحلو لها وللأسف فإن زوجي لا يقول إلا رضاك يا أمي وهي تتحكم بكل أفراد العائلة لأننا نسكن معها في منزل واحد فليس في اليد حيلة وهي تصول وتجول وتمارس ما يحلو لها مبدية امتعاضها وغضبها إزاء أي شيء لا يعجبها وتتهمني بأني أحاول السيطرة على زوجي وتحريضه ضدها وأريد أن أحرمها منه ودائما تقول هل أنا سقطت سهوا من حياة ابني وهل نسي أنني ربيته وسهرت عليه الليالي وهنا أقول لا أملك حلاً سوى الصمت فهو الأفضل لحياتي.
الجانب الآخر
أم محمد (الحماة) تقول: تربطني بزوجات أولادي علاقة جيدة فهم يحبونني كما أحبهم ويزورونني مع أولادهم بشكل مستمر ولا يقصرون في إحضار الهدايا لي بين وقت وآخر وأنا أعاملهم كبناتي.
وتقول الحاجة نجود: أنا فخورة بزوجة ابني الوحيد الذي طلعت به من هذه الدنيا فهي إنسانة طموحة وترغب في متابعة دراساتها العليا وأنا وبكل رحابة صدر أقوم برعاية طفلها وأساعدها على كل ما تحتاج إليه وهي بالتالي لا تقصر معي ولا تناديني إلا ماما، أتمنى من الله تعالى أن يوفق الجميع ويرزقهم وأتمنى لزوجة ابني أن تحقق نجاحاً في دراستها لأنني أرى نفسي في شبابها حيث لم أستطع متابعة تعليمي.
أما نوال فهي تقول: عندي أربعة (كناين) وواحدة منهن ليست جيدة أحاول أن أتجنبها وأبتعد عنها لأنها تزرع الخلافات بين العائلة مع أنها تظهر لنا المحبة والمودة وأنا أنصحها دائماً أن لا تتصرف بهذا الأسلوب أما بقية (الكناين) فعلاقتي معهن علاقة مودة حيث نقضي أوقاتاً جميلة ونسافر لقضاء إجازة الصيف معاً.
رأي المختصين
الاختصاصية الاجتماعية رانيا فتال تقول: لقد توارثنا نظرة المجتمع السلبية للحماة سواءٌ كانت أماً للزوج أم للزوجة وقد كان للإعلام دور كبير في تصوير هذا الواقع حيث قدمها على مدى سنوات طويلة من خلال المسلسلات بدور المتسلطة والمتطفلة والراغبة بالاستئثار بزوج ابنتها وإبعاده عن أهله بينما تظهر أم الزوج في صورة الرافضة لاستيلاء الزوجة على الابن والانفراد به ولم يستطع الإعلام خلال كل ما صوره أن يقدم حلولاً أو تصورات لبعض الحلول لهذه المشكلة ولن ننسى الأمثال الشعبية والثقافة المتوارثة عن هذه العلاقة فمن الأمثال الشعبية قالوا: (لو إبليس دخل الجنة الحماية بتحب الكنه)، (مكتوب على باب السما عمرها كنة ما حبت حما).
طبعا تعددت الأمثال والقصد واحدٌ وهو كره الحماة للكنة والعكس فهذه الكنة تقول أشعر دائماً بكره حماتي لي وبأنني سرقت منها ابنها وإنني دائماً مقصرة معها ولا يعجبها العجب وتلك الحماية تقول يا خسارة من الوقت الذي تزوج ابني نسيني ونسي تربيتي له وصارت زوجته كل حياته وهي الوحيدة التي يفكر بها وأنا صرت نكرة في حياته.
وفي الحقيقة إذا ما أرادت الكنة السعادة لبيتها وزوجها فعليها أن تحاول طرد الصورة المشوهة للحماة من حياتها وتضع في نفسها أن أم زوجها هي في مقام أمها فإن أخطأت تجاهلت الخطأ وتعاملت معها كما تعامل أمها والزوجة الذكية هي التي تستطيع أن تأسر قلب حماتها بحسن معاملتها وحسن أخلاقها فعليها مثلاً إن كانت مدعوة لغداء عند حماتها أن تحضر معها طبق حلو أو باقة ورد أو غير ذلك وأن تشارك في إعداد الطعام وترتيب المائدة وألا تبقى متفرجة وبذلك تشعر الجميع بالرضى كما أنه يجب على الزوجة أن تكون ذكية في التعامل مع زوجها في ما يخص والدته فتشجعه على زيارتها والتودد لها وتقديم المساعدة وإن حصل أي خلاف أو مشكلة بينهما فلا داعي لأن تخبر زوجها عن ذلك لا سيما إن كانت الكنة تسكن مع الحماة في منزل واحد كما ويترتب عليها أن تساعدها في أعمال المنزل وأن تقدم لها بعض الهدايا الرمزية من وقت لآخر ونصيحتي الأخيرة للزوجة أن تكون راجحة العقل وتجعل زوجها دائما يلبي رغبات والدته حتى ولو على حسابها والابتعاد عن إشعال نار الغضب لأنها أي الحماة إن وجدت ذلك من الكنة ستقوم بتقديم التنازلات عن أشياء كثيرة في المستقبل وستكون علاقتها مع الكنة أفضل وبذلك تضمن الكنة الحياة المستقرة مع زوجها ووالدته.