لا تخلو قرية مصرية من منزل لايزال متمسكاً بصناعة منتجات الخوص، التي عادة ما يتوارثها الأبناء عن الآباء والأجداد، ورغم أن المتمسكين بتلك الصناعة التراثية آخذون في التراجع لأسباب عدة، إلا أن الصناعة ظلت صامدة أمام كل تلك التحديات، وعلى مدى قرون طويلة بقيت شامخة مثل النخيل الذي تستخدم جداوله في إبداع منتجات يفوح منها تاريخ الأجداد وعبق الماضي، وهو ما يجعلها عصية على الاندثار، وكأنها تقول "سأبقى ما بقي النخيل" .
ومن أبرز منتجات الخوص (المقاطف، والعلايق، والقواديس، والملقون، والشادوف، والبرش، والمراوح، والشنط، والبرنيطة)، وكلها منتجات خفيفة الوزن ومعظمها تحفظ الأطعمة من العفن، لمقاومتها الرطوبة .
وهناك أيضا منتجات من الجريد وتشمل الأبواب والمناضد والمقاعد والأسرّة، وكلها منتجات تصنع في الريف وتجد لها سوقاً رائجاً في المدن، حيث يبحث البعض عن الاختلاف والذوق بعيدا عن المنتجات الصينية التي تملأ الأسواق .
تعتمد صناعة الخوص في الأساس على النخيل، وكلما اشتهرت القرية بنخيلها انتشرت تلك الصناعة في منازل قاطنيها، ومن هنا لم يكن غريباً أن تحتل محافظة الوادي الجديد الصدارة في صناعة الخوص، لما تملكه من نحو مليوني نخلة، تليها محافظات صعيد مصر من قنا إلى أسوان، إلى جانب الواحات المنتشرة بصحراء مصر الغربية خصوصاً "سيوة" .
وتقتصر مهمة الرجال في تلك الصناعة على تقليم النخيل والحصول على الخوص والجريد، قبل أن تبدأ النساء في إكمال المهمة وصولاً بالمنتج إلى شكله النهائي .
تتحدث الحاجة راجية نعيم (60 عاماً)، من محافظة الوادي الجديد، التي ورثت المهنة عن أجدادها، قائلة: "نحضر السعف ونشقه ثم نبلله في الماء ليوم كامل، ثم نضفره ونتركه تحت أشعة الشمس لفترة حتى يجف، ثم تبدأ مرحلة مختلفة بخياطة الضفيرة لإعداد المنتجات، مثل المقطف أو الشمسية أو غيرها من الأشكال المطلوبة، وكلما زادت خبرة المرأة العاملة في تلك المهنة امتلكت مهارة صناعة كل تلك المنتجات" .
وتوضح أن إعداد الجريد يبدأ بتنظيفه بعد نزعه من النخل، ثم نشره في الشمس حتى يجف ويتبدل لونه من الأخضر إلى الأحمر، يلي ذلك تقطيعه إلى أعواد، ثم يقشر بعدها وينقر في مسار مخصوص، وتُثقب الأعواد وتُركّب لصناعة الهياكل الأولى للقفص .
وعن تسويق تلك المنتجات تضيف الحاجة "راجية" أن بعض التجار يشترونها وينقلونها إلى المدن القريبة بمحافظات الصعيد حيث تجد زبائنها، لأنها لا تستطيع الاعتماد على الزبائن من قاطني القرية وحدهم، لأن أغلب نساء القرية يجدن تلك الصناعة، على الأقل لإعداد احتياجات الأسرة منها في حال عدم التوسع فيها بالبيع .
وتناسب المهنة النساء بدرجة أكبر من الرجال، لأنها تحتاج إلى دقة ومهارة وصبر وتفرغ، تقول "أسماء حسن" (45 سنة)، من محافظة قنا بصعيد مصر، إنها تعلمت تلك المهارة من والدتها التي ورثتها بدورها عن الجدة، وهي تشتهر بين نساء القرية بصناعة الخوص، وبيع منتجاته في سوق القرية الذي يقام يوم الجمعة من كل أسبوع .
وتضيف أن المهنة مرهقة جداً، وربما تقضي أكثر من 12 ساعة يومياً في العمل، ولا تتركها إلا للانتهاء من بقية الأعمال المنزلية، ورغم ذلك فهي ليست مجدية بالدرجة التي تناسب هذا الإرهاق، خصوصاً إنهم يبيعون المنتجات في سوق القرية، حيث المستوى المادي المتواضع للسكان، فلا أحد منهم يستطيع دفع القيمة الحقيقية لتلك المنتجات، ويكتفي البائع بحساب تكلفة شراء الخوص والجريد المستخدمين في الصناعة، مع إضافة القليل من المكسب حتى يستطيع الاستمرار في تلك المهنة .
دورات للشباب والفتيات
وفي مسعى للحفاظ على تلك المهنة التراثية تسعى كل محافظة تنتشر بها زراعة النخيل وصناعة الخوص والجريد إلى عقد دورات للشباب الخريجين وتدريب الفتيات على الأعمال الخوصية، وفي كثير من الأحيان تكون فرصة لفتيات وشباب حولوا مسار حياتهم من خلال صناعة الخوص، واعتمدوا عليها في بدء مشاريع صغيرة .
ويبقى التسويق المشكلة الأكبر التي تكاد تعصف بالصناعة، في ظل المسافة الكبيرة بين المنتج والمستهلك، حيث تقطع المنتجات مئات الكيلومترات وصولاً إلى المشتري الذي ينتظرها، ومن هنا تمثل المعارض السنوية التي تقام في القاهرة وتحوي منتجات الخوص والجريد والتمر والخزف والكليم والسجاد وجميع الصناعات الحرفية والتقليدية التي تمتاز بها الواحات، فرصة مهمة لتسويقها، رغم ندرة تلك المعارض وتباعد الفترة الزمنية بينها .
وتقول عايدة تهامي، مديرة مركز الأسر المنتجة ومسؤولة التسويق ومنسقة معارض منتجات محافظة الوادي الجديد، إن المحافظة تسعى إلى حل تلك المشكلة بإقامة معارض بالمحافظة نفسها لجذب التجار الباحثين عن هذا المنتج المتميز، تمهيداً لتسويقه بالقاهرة ومدن أخرى .
وتضيف أن طبيعة الخوص في الواحات تختلف عنها في أي مكان في مصر، لأنه يصنع بطريقة فنية ويزخرف بالألوان الطبيعية بالصوف البلدي، كما أن السائحين الأجانب الذين يترددون على المحافظة تستهويهم الحرف اليدوية والبيئية ويمثلون أيضا زبائن دائمين يساهمون في إنعاش الصناعة .