لا تزال المحال القديمة التي يطلق عليها اسم السمكري تحافظ على بقائها في مدينة نابلس الفلسطينية كبرى مدن شمال الضفة الغربية، بالرغم من التطورات الحديثة التي اكتسحت البلدان العربية، مما جعلها تراثا يسعى أصحابه للابقاء عليه.
وتنتشر محال السمكري معلما بارزا في البلدة القديمة من نابلس ومخيمات اللاجئين المحيطة بها، ولديها زبائن لا يجدون مفرا من التعامل معها فيما قل ممتهنو السمكرة الذين يخشى انقراضهم، بسبب عدم توجه الجيل لتعلم هذه المهنة.
في شارع السوق وسط مخيم بلاطة للاجئين الفلسطينيين يعد محل السمكري حسين أبو سريس معلما ليس لسكان المخيم البالغ عدد سكانه نحو 27 الف نسمة، بل لسكان المنطقة الشرقية من نابلس مع إتمام وجوده نحو أربعة عقود.
معاناة أبو سريس سبقت نكبة الشعب الفلسطيني بعام أي في العام1947 عندما كان عمره آنذاك عاما واحدا وتلقى إبرة من طبيب بعد شعوره بوعكة صحية وقد تسببت له بشلل نصفي واضحى مقعدا وتنقل مع اسرته في مخيم البقعة للاجئين في الأردن الى ان منحته وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بعثة لتعلم مهنة صياغة المجوهرات في مصر حيث مكث هناك عدة سنوات وعاد للأردن.
وبعد احتلال إسرائيل للضفة الغربية سعى أبو سريس للعودة إلى نابلس وحصل على لم الشمل في العام 1968 حيث استقر في مخيم بلاطة ونظرا لعدم وجود إمكانية للعمل في مجال الذهب توجه للعمل عند احد السماكرة في نابلس وتتلمذ هناك ثم فتح محلا خاصا به لا يزال فيه منذ نحو38 عاما.
ويقول انه يقوم بتصليح أدوات المطبخ والتدفئة القديمة مثل البوابير وصوبات الكاز والسراج والتي كانت الأكثر استخداما في معظم المنازل قبل انتشار أدوات التدفئة والإنارة والطبخ الحديثة.
ويضيف انه في السبعينات وحتى الثمانينات كانت اغلبية الأسر تستخدم الأجهزة والمعدات القديمة في منازلها ولذا كانت تحتاجه كثيرا، مشيراً إلى انه في فصل الشتاء كان الزبائن ينتظرون على الدور حتى انهي إصلاح أجهزتهم مما جعل الكثير منهم يوفرون أدوات احتياطية منها.
ويستذكر أبو سريس موقفا غريبا حدث معه في العام 2002 عندما تم اجتياح نابلس ومخيماتها من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي حيث لم يتمكن من مغادرة محله وبقي بداخله وتوقفت مدرعة إسرائيلية على مدخله وتعرضت لإلقاء العبوات الناسفة والحارقة ما جعل أقاربه يخشون عليه كثيرا وتوجه بعضهم إلى منزل مجاور وحاولوا هدم الجدار لإخراجه من هناك.
وتعتاش أسرة أبو سريس على عائد هذه المهنة حيث تمكن من تعليم أبنائه الأربعة وهما ولدان وبنتان حيث أكمل ثلاثة منهم دراستهم العليا فيما اختار أحد أبنائه التوجه للعمل في سلك الشرطة.
وراثة المهنة
في شارع الحدادين في البلدة القديمة من نابلس يكاد لا يوجد مواطن في المدينة لا يعرف الحاج زاهي القدع (65 عاما) الذي ورث مهنة السمكري عن والده التي ورثها عن جده بحيث أضحت مهنة تتناقلها العائلة منذ عدة عقود.
ويقول انه يعمل بالمهنة منذ 50 عاما حيث رافق والده في البداية ثم أصبح متقنا لها وتحول إلى مقصد لمئات الأسر التي تحتاج الى صيانة أجهزتها البيتية ومنها محاقين الكاز والأباريق التي كانت من التنك قبل انتشار الأباريق البلاستيكية إضافة إلى الاراجيل التي تعد معلما لكل منزل في مدينة نابلس.
ومع تراجع الزبائن في فصل الصيف فإن الحاج القدع يتخصص في صيانة الدراجات الهوائية التي تستخدم من قبل المئات من السكان كما تستمر العائلات الريفية في صيانة أواني التنك التي تستخدم في موسم الزيتون.
ولم يسلم محل القدع من التدمير خلال سنوات الانتفاضة حيث هدمت البناية التي يقع فيها محله بالكامل وأعيد بناؤها لاحقا بتبرع من السعودية بعد أن بقيت نحو ثلاث سنوات ركاما.
وحول المواقف الغريبة والمضحكة التي رافقت عمله قال ان زبونا احضر مدفأة قديمة وغاب عاما كاملا ولدى عودته لأخذها تبين أنها فقدت فأصر على استعادتها ونشب جدل طويل حول ذلك لكنه بالنهاية قبل نصيحة أبنائه بإعطائه مدفأة غيرها لإغلاق هذه الإشكال.
ويقول انه فخور بمهنته لكن أولاده توجهوا للدراسة وتخرجوا وهم يعملون في وظائف مختلفة، ولم يختر احدهم هذه المهنة بسبب مواكبتهم التطور الحديث.
ويقول مواطنو نابلس ان وجود محال السمكري يعد حاجة ماسة، فالكثير من أجهزتهم وأدوات التدفئة والطبخ بحاجة بين فترة وأخرى للصيانة.