بيروت رولا حميد:
وافق الشاب وديع على التخلي عن خطيبته الجميلة إيلان ليتزوج من عزيزة التي لا تعجبه، لقاء أن تخيط له العائلة "شروالاً" جديداً . كان معجباً بإيلان السمراء النحيفة، ذات العيون الجارحة، بينما تريد العائلة أن يتزوج من قريبته عزيزة القصيرة والسمينة، اشترط للموافقة على التخلي عن معجبته والتزوج بأخرى أن يخاط له ثوب جديد اعتاد سكان الجبال على ارتدائه ويسمونه ب "الشروال" .
إن دلت هذه القصة الواقعية على شيء، فإنما تدل على أهمية الشروال في حياة الناس، والميزات الكثيرة التي يتمتع بها . فهو ثوب فضفاض، ضيق من الركبة حتى القدمين، يربط على الخصر إما برباط قطني، أو بزنار من قماشة الشروال ذاتها، وعادة ما تكون طويلة، وتلف على الخصر مرات عدة، وتسمى ب"الشملة " أو ال "كمار"، وتدل على غنى من يلبسها، وموقع اجتماعي عال، فال"كمار"، علاوة عن أنه تكلفة تضاف إلى النفقات العالية للشروال، استخدم عادة لحفظ ليرات الذهب أثناء التنقل . ويحتاج الشروال إلى ثلاثة أمتار من القماش، وربما أكثر، فتزداد طياته . يذكر أن الشروال يروج بأشكال وألوان مختلفة بين شعوب آسيا الوسطى، واعتمده الأتراك بالصيغة التي اعتاد سكان المشرق العربي عليها، فهم نقلوه عن الأتراك، ولذلك عرف بالشروال التركي .
ورغم تقدم الأزياء الحديثة غربية الطابع وانتشارها الواسع حتى كادت تقضي على الشروال، إلا أن العديد من سكان الجبال والأرياف لا يزالون يلبسونه لأكثر من سبب: الدفء الذي يؤمنه شتاء، والبرودة صيفاً بسبب اتساعه، وهو يتيح لمن يلبسه حرية الحركة، خصوصاً لدى الفلاحين أثناء حراثة الأرض، أو القيام بأي عمل يقتضي الفضفضة على الجسم . ويحكى أن المسافرين استخدموا المنطقة الفضفاضة منه لتخبئة مواد ثمينة أثناء تنقلاتهم .
والعامل الآخر المساهم في بقاء الشروال هو تحوله إلى لباس تراثي تستعمله الفرق الفنية الخاصة بالدبكة والرقص والزفة والعروض المسرحية . حتى إن بعض الفنانين القدامى، وخاصة اللبنانيين منهم، اشتهروا بارتدائه مع الطربوش مثل الفنان الراحل نصري شمس الدين والفرق الفنية المشاركة في مسرحيات الفنانة الكبيرة فيروز .
يكاد الشروال ينقرض، فأغلب الشباب، مهما بلغت تقليديته، يرفض ارتداءه، والمفارقة أن دور التصميم الغربية التي صممت وروجت الأزياء الحديثة، اتخذت من شكله أفكاراً ابتكرت من خلالها تصاميم جديدة، فانتشر كموضة حديثة قبلت بين النساء اللاتي أقدمن على ارتدائه بشكل واسع انطلاقاً من الغرب، وانتشاراً كالعادة في بقية مجتمعات العالم .
أهل الشام تعارفوا على لبسه قديماً، كما عرفه العرب وليس بالإمكان تحديد تاريخ دخوله إلى عالم الأزياء والملابس العربية، فالصور المتداولة، إن كانت رسماً أو فوتوغرافية تظهر أن الشروال من أكثر الملابس الرجالية شهرة وانتشاراً بين مختلف طبقات المجتمعات العربية وإن اختلفت أنواع القماش والموديلات، وما يلبسه الناس مع الشروال من ملابس أخرى تعتبر مكملة له، كما لبسته النساء على نطاق واسع .
في لبنان انتشر الشروال حتى بعد دخول البلاد عصر الحداثة في القرن العشرين . وهو مثل العديد من مناطق الشرق العربي التي خضعت لحكم السلطنة العثمانية ل 400 سنة، فكان من المحتم تأثر المجتمعات المحلية بالنمط التركي الرائج على مختلف المستويات .
يقول الدكتور عبدالغني عماد الأستاذ في معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية: إن "السلطنة العثمانية، وبسبب هيمنتها السياسية على المنطقة، اكتسبت حظوة وهيبة دعمتهما عند اللبنانيين، حيث بات الحكام العثمانيون بالنسبة إليهم مثالاً يحتذى، وتبلور هذا الأثر، وأضحت اسطنبول ورجالاتها بالنسبة لسكان البلاد مصدر الموضة والتجدد" .
ويخلص إلى أن التأثير التركي جاء من خلال تقليد الأسر اللبنانية الميسورة لمن فوقها رتبة وهي الطبقة الأرستقراطية التركية الحاكمة، ومن ثم انتشر تدريجياً في المجتمع . ويمكن أن ينسحب هذا الرأي على مختلف المجتمعات العربية، التي خصعت لحكم الأتراك العثمانيين .
الشروال ما زال حاضراً في عدد من محال خياطة وتفصيل الملابس، ومنها مؤسسة "مملكة الأزياء العربية" الواقعة في خان الخياطين في طرابلس الذي يعود بناؤه إلى مئات السنين . ويعد من أقدم المعالم الأثرية في طرابلس . استخدم خان الخياطين تاريخياً لخياطة الشروال والألبسة التي أصبحت تراثية، التقينا أحمد الحموي وهو خياط ورث مهنته عن الآباء والأجداد، حيث ما زال عدد من أفراد عائلته يعملون في مجال الخياطة العربية ومنها الشروال وتوابعه .
يقول: "الشروال لباس عربي قديم يستخدمه القرويون بشكل خاص، ومن اعتاد لبسه لا يمكنه الاستغناء عنه، وإلى جانبه يرتدي الشخص صدرية وقميصاً عربياً وعقالاً وكوفية وجاكيت، والإقطاعيون والبكوات يضعون الطربوش على رؤوسهم" .
وأضاف: "الشروال أنواعه عدة في القماش أو الموديل والتطريز أو المقاسات، وهو يتألف من قطعة نسيج يصل طولها إلى أربعة أذرع ونصف الذراع ولها بطانة من الخام ويتم تطريزه عند الجيبتين، وله دكة عبارة عن حبل طويل، ويتميز عن غيره من الملابس بأنه فضفاض ونظراً لوسعه يتم تزميمه إلى طبقات تصل أحياناً إلى 32 طبقة . وهناك من يرتدي مع الشروال الدامر واللبادة . وبعض من يلبسون الشروال يتباهون به خاصة المصنوع من الجوخ الأصلي ووزنه ثقيل لا يستطيع ارتداءه كل الناس" .
"خياطة الشروال الواحد تحتاج أسبوعاً على الأقل، بناء على طلب الزبون ورغبته واختياره لنوعية القماش والموديل، والتكلفة غير محددة وتخضع لأمور عدة"، كما يقول الحموي، موضحاً أن الطلب عليه مقبول حيث يعتمد الكثير من أصحاب المطاعم والمقاهي إلباس الشروال لعمالهم الذين يقدمون النارجيلة والقهوة العربية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى فرق الزفة والدبكة والفولكلور . والملاحظ أن العديد من المغتربين يشترونه للاحتفاظ به كلباس تراثي، كما أن السياح الأجانب يفضلون اقتناءه لأنه غير معروف في بلادهم .
وقامت "محال الأزياء العربية" منذ عدة سنوات بتفصيل وخياطة العديد من الملابس الفولكلورية وخاصة لفرقة "كركلا" اللبنانية التي وصلت شهرتها إلى أصقاع العالم بالتعاون مع مصمم ازياء الفرقة عبد الحليم كركلا ومجموعة من الخياطين المحترفين من بينها الملابس الخاصة بمسرحية "حلم ليلة شرق" المشهورة .
وافق الشاب وديع على التخلي عن خطيبته الجميلة إيلان ليتزوج من عزيزة التي لا تعجبه، لقاء أن تخيط له العائلة "شروالاً" جديداً . كان معجباً بإيلان السمراء النحيفة، ذات العيون الجارحة، بينما تريد العائلة أن يتزوج من قريبته عزيزة القصيرة والسمينة، اشترط للموافقة على التخلي عن معجبته والتزوج بأخرى أن يخاط له ثوب جديد اعتاد سكان الجبال على ارتدائه ويسمونه ب "الشروال" .
إن دلت هذه القصة الواقعية على شيء، فإنما تدل على أهمية الشروال في حياة الناس، والميزات الكثيرة التي يتمتع بها . فهو ثوب فضفاض، ضيق من الركبة حتى القدمين، يربط على الخصر إما برباط قطني، أو بزنار من قماشة الشروال ذاتها، وعادة ما تكون طويلة، وتلف على الخصر مرات عدة، وتسمى ب"الشملة " أو ال "كمار"، وتدل على غنى من يلبسها، وموقع اجتماعي عال، فال"كمار"، علاوة عن أنه تكلفة تضاف إلى النفقات العالية للشروال، استخدم عادة لحفظ ليرات الذهب أثناء التنقل . ويحتاج الشروال إلى ثلاثة أمتار من القماش، وربما أكثر، فتزداد طياته . يذكر أن الشروال يروج بأشكال وألوان مختلفة بين شعوب آسيا الوسطى، واعتمده الأتراك بالصيغة التي اعتاد سكان المشرق العربي عليها، فهم نقلوه عن الأتراك، ولذلك عرف بالشروال التركي .
ورغم تقدم الأزياء الحديثة غربية الطابع وانتشارها الواسع حتى كادت تقضي على الشروال، إلا أن العديد من سكان الجبال والأرياف لا يزالون يلبسونه لأكثر من سبب: الدفء الذي يؤمنه شتاء، والبرودة صيفاً بسبب اتساعه، وهو يتيح لمن يلبسه حرية الحركة، خصوصاً لدى الفلاحين أثناء حراثة الأرض، أو القيام بأي عمل يقتضي الفضفضة على الجسم . ويحكى أن المسافرين استخدموا المنطقة الفضفاضة منه لتخبئة مواد ثمينة أثناء تنقلاتهم .
والعامل الآخر المساهم في بقاء الشروال هو تحوله إلى لباس تراثي تستعمله الفرق الفنية الخاصة بالدبكة والرقص والزفة والعروض المسرحية . حتى إن بعض الفنانين القدامى، وخاصة اللبنانيين منهم، اشتهروا بارتدائه مع الطربوش مثل الفنان الراحل نصري شمس الدين والفرق الفنية المشاركة في مسرحيات الفنانة الكبيرة فيروز .
يكاد الشروال ينقرض، فأغلب الشباب، مهما بلغت تقليديته، يرفض ارتداءه، والمفارقة أن دور التصميم الغربية التي صممت وروجت الأزياء الحديثة، اتخذت من شكله أفكاراً ابتكرت من خلالها تصاميم جديدة، فانتشر كموضة حديثة قبلت بين النساء اللاتي أقدمن على ارتدائه بشكل واسع انطلاقاً من الغرب، وانتشاراً كالعادة في بقية مجتمعات العالم .
أهل الشام تعارفوا على لبسه قديماً، كما عرفه العرب وليس بالإمكان تحديد تاريخ دخوله إلى عالم الأزياء والملابس العربية، فالصور المتداولة، إن كانت رسماً أو فوتوغرافية تظهر أن الشروال من أكثر الملابس الرجالية شهرة وانتشاراً بين مختلف طبقات المجتمعات العربية وإن اختلفت أنواع القماش والموديلات، وما يلبسه الناس مع الشروال من ملابس أخرى تعتبر مكملة له، كما لبسته النساء على نطاق واسع .
في لبنان انتشر الشروال حتى بعد دخول البلاد عصر الحداثة في القرن العشرين . وهو مثل العديد من مناطق الشرق العربي التي خضعت لحكم السلطنة العثمانية ل 400 سنة، فكان من المحتم تأثر المجتمعات المحلية بالنمط التركي الرائج على مختلف المستويات .
يقول الدكتور عبدالغني عماد الأستاذ في معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية: إن "السلطنة العثمانية، وبسبب هيمنتها السياسية على المنطقة، اكتسبت حظوة وهيبة دعمتهما عند اللبنانيين، حيث بات الحكام العثمانيون بالنسبة إليهم مثالاً يحتذى، وتبلور هذا الأثر، وأضحت اسطنبول ورجالاتها بالنسبة لسكان البلاد مصدر الموضة والتجدد" .
ويخلص إلى أن التأثير التركي جاء من خلال تقليد الأسر اللبنانية الميسورة لمن فوقها رتبة وهي الطبقة الأرستقراطية التركية الحاكمة، ومن ثم انتشر تدريجياً في المجتمع . ويمكن أن ينسحب هذا الرأي على مختلف المجتمعات العربية، التي خصعت لحكم الأتراك العثمانيين .
الشروال ما زال حاضراً في عدد من محال خياطة وتفصيل الملابس، ومنها مؤسسة "مملكة الأزياء العربية" الواقعة في خان الخياطين في طرابلس الذي يعود بناؤه إلى مئات السنين . ويعد من أقدم المعالم الأثرية في طرابلس . استخدم خان الخياطين تاريخياً لخياطة الشروال والألبسة التي أصبحت تراثية، التقينا أحمد الحموي وهو خياط ورث مهنته عن الآباء والأجداد، حيث ما زال عدد من أفراد عائلته يعملون في مجال الخياطة العربية ومنها الشروال وتوابعه .
يقول: "الشروال لباس عربي قديم يستخدمه القرويون بشكل خاص، ومن اعتاد لبسه لا يمكنه الاستغناء عنه، وإلى جانبه يرتدي الشخص صدرية وقميصاً عربياً وعقالاً وكوفية وجاكيت، والإقطاعيون والبكوات يضعون الطربوش على رؤوسهم" .
وأضاف: "الشروال أنواعه عدة في القماش أو الموديل والتطريز أو المقاسات، وهو يتألف من قطعة نسيج يصل طولها إلى أربعة أذرع ونصف الذراع ولها بطانة من الخام ويتم تطريزه عند الجيبتين، وله دكة عبارة عن حبل طويل، ويتميز عن غيره من الملابس بأنه فضفاض ونظراً لوسعه يتم تزميمه إلى طبقات تصل أحياناً إلى 32 طبقة . وهناك من يرتدي مع الشروال الدامر واللبادة . وبعض من يلبسون الشروال يتباهون به خاصة المصنوع من الجوخ الأصلي ووزنه ثقيل لا يستطيع ارتداءه كل الناس" .
"خياطة الشروال الواحد تحتاج أسبوعاً على الأقل، بناء على طلب الزبون ورغبته واختياره لنوعية القماش والموديل، والتكلفة غير محددة وتخضع لأمور عدة"، كما يقول الحموي، موضحاً أن الطلب عليه مقبول حيث يعتمد الكثير من أصحاب المطاعم والمقاهي إلباس الشروال لعمالهم الذين يقدمون النارجيلة والقهوة العربية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى فرق الزفة والدبكة والفولكلور . والملاحظ أن العديد من المغتربين يشترونه للاحتفاظ به كلباس تراثي، كما أن السياح الأجانب يفضلون اقتناءه لأنه غير معروف في بلادهم .
وقامت "محال الأزياء العربية" منذ عدة سنوات بتفصيل وخياطة العديد من الملابس الفولكلورية وخاصة لفرقة "كركلا" اللبنانية التي وصلت شهرتها إلى أصقاع العالم بالتعاون مع مصمم ازياء الفرقة عبد الحليم كركلا ومجموعة من الخياطين المحترفين من بينها الملابس الخاصة بمسرحية "حلم ليلة شرق" المشهورة .