لم يقم الممثل المخضرم والمخرج صاحب الأفلام المتميزة كلينت إيستوود باختيار سيناريو فيلم الطفل البديل ليقوم بإخراجه، لكن منتجي الفيلم رأوا أن إيستوود هو أفضل اختيار فعرضوا السيناريو عليه ليوافق على الفور، لأن الأحداث تتسق تماما مع عالمه السينمائي الذي يتسم بالقتامة والكثير من التشاؤم حول الوضع الإنساني، وهو ما يجعل إيستوود يقف مترددا بين النزعتين المحافظة والتقدمية، حين يكون هذا التشاؤم تعبيرا عن اليأس تارة، والرغبة في أن يتخلص الإنسان من نوازعه الأنانية تارة أخرى، ولك أن تتأمل على سبيل المثال اختياره للحظة تاريخية في فيلميه عن موقعة ايوجيما ليصور عبث الحروب، أو لغوصه في عالم روائي تكتنفه المصائر المأساوية في فيلمه نهر الغموض، أما فيلم الطفل البديل فهو يعتمد على وقائع حقيقية تعود إلى العقدين الثالث والرابع في القرن العشرين، وقعت في مدينة لوس أنجلوس، وغاص في تفاصيله سنوات طويلة كاتب السيناريو مايكل سترازنسكي، ليخرج هذا الفيلم كشهادة على بذور شريرة متأصلة في المجتمع الأمريكي.
فلنتوقف في البداية لحظات أمام ما يطلق عليه استراتيجيات السرد، فهذا الفيلم مثال شديد الوضوح على الاختيارات الجمالية والسياسية التي يجب على الفنان أن يتخذها وهو يقدم عمله الفني للمتلقي. الحكاية في سطور قليلة تدور عن أم فقدت طفلها على نحو غامض، لتعود إليها الشرطة بعد فترة طويلة بطفل ليس ابنها، وعندما ترفض هذا الطفل البديل تتعرض لأقسى أنواع الضغوط النفسية والجسمانية، وتحاول أن تخوض معركة ضد المؤسسات القائمة لكي تبرهن على موقفها، هناك إغراء في هذه الحدوتة لكي يختار صناع الفيلم استراتيجية التشويق، عندما تبدأ الحكاية من منتصفها، فنظل حائرين حول إذا ما كان الطفل هو الابن الحقيقي أم الزائف، لكن كاتب السيناريو والمخرج اختارا الاستراتيجية الأخرى: أن يعرف المتفرج من البداية كل الحقيقة، وهنا لن تقع مشاعر المتلقي في دائرة التوتر والتساؤل، بل سوف تظل لصيقة بموقف الأم في نضالها المرير ضد هذه المؤسسات الفاسدة.
لذلك نرى في المشاهد الأولى الأم كريستين كولنيز (أنجلينا جولي) وهي توقظ ابنها الصغير البالغ ثماني أو تسع سنوات والتر (جاتلين جريفيث) استعدادا للذهاب إلى المدرسة، وتقيس طوله إلى جوار جدار، وهي التفصيلة العابرة التي سوف يستفيد منها الفيلم في مشاهده اللاحقة، لكن الأهم هو أننا رأينا الطفل الحقيقي والتر، بما لن يدع مجالا للشك من جانبنا كمتفرجين في موقفها عندما تصل الأحداث إلى ذروتها. وفي لمسة درامية أخرى نعرف أن كريستين أم وحيدة، بعد هرب والد والتر خوفا من مسؤولية رعاية الطفل، وهو الأمر الذي يجد صدى له في تفاصيل أخرى مشابهة تقول الكثير دون إفصاح عن تشوه العلاقات الإنسانية في مثل هذا المجتمع. إن الأم تعمل في شركة للهواتف، وتضطر في أحد الأيام أن تترك طفلها وحيدا في المنزل بسبب ظروف العمل، لتعود وتجد المنزل خاويا.
تبحث كريستين عن طفلها والتر في المنازل المجاورة، وتسأل الأطفال إن كانوا قد رأوه، لكن لا أثر له، فتبلغ ضابط الشرطة إيبارا (مايكل كيلي) عن فقدان ابنها، لكنه يجيبها بأن الإجراء المعتاد هو ألا تفعل الشرطة شيئا خلال أربع وعشرين ساعة، لأن الأطفال يعودون عادة إلى منازلهم، وإن كان رجال الشرطة يأخذون منها صورة فوتوغرافية للطفل. بدءا من تلك اللحظة يدرك المتفرج تناقض لوعة الأم التي لا تتوقف عن البحث عن طفلها حتى في المدن البعيدة، بينما الشرطة بقيادة الضابط جيه جيه جونز (جيفري وونوفان) تؤدي عملها على نحو روتيني، كما يتضح شيئا فشيئا فساد هذه المؤسسة خاصة في مدينة لوس أنجلوس التي تناولتها مثل الحي الصيني ويوم التدريب وملف سري في لوس أنجلوس.
لكن كريستين تجد من يقف بجانبها، إنه الواعظ جوستاف بريجليب (جون مالكوفيتش) الذي يستخدم الراديو كوسيلة لنشر أفكاره، في زمن كان الراديو تقنية حديثة مبهرة، ورغم أن كريستين ليست من الطائفة التي يتبعها جوستاف، فإنه يستخدم قضيتها كدليل على فساد جهاز الشرطة الذي يقتل الناس في الشوارع ويضع الأبرياء في السجون. تنتقل الأحداث فجأة إلى مدينة أمريكية أخرى، لنرى صبيا فقيرا ويفون كونتي يأكل في الشارع مع أبيه، الذي يتخلى عنه لأنه لا يملك ثمن الطعام، إنها فترة الكساد الكبير الذي اجتاح أمريكا، وترك أثره في العلاقات الإنسانية على نحو فادح، لدرجة تخلي الآباء عن الأبناء، وهي صورة أكثر واقعية وصدقا من تلك الزائفة التي قدمها فيلم رجل السندريللا الذي حاول تقديم الحل الفردي كوسيلة للخلاص من الأزمة، بينما يقدم فيلم الطفل البديل الصورة الحقيقية، فالأزمة الاقتصادية الطاحنة تصنع أزمة أخلاقية شاملة، لأنها تترك المجتمع مريضا، يتفتق ذهن الصبي الفقير عن أن ينتحل شخصية الابن المفقود والتر، وهو ما سوف تتلقفه الشرطة حتى تغلق الملف من جانب، وتصنع ضجة إعلامية من جانب آخر، حين يحتشد الصحافيون لتسجيل لقاء كريستين بابنها، التي تدرك على الفور أنه ليس الابن الحقيقي، لكنها تجد من يقنعها بأن الصدمة قد تركت تأثيرها في وعيها، وفي حالة من الدوار توافق على رعاية الطفل غير أنها تتأكد يوما بعد يوم أنه زائف، إنه أقصر في طوله، كما حدثت تغييرات على جسده، وحين تعلن كريستين عن رفضها لهذا الزيف، تقرر الشرطة إيداعها المصحة العقلية تحت دعوى العلاج، وإن كان في الحقيقة عقابا سوف نكتشف أن عديدا من الناس قد تعرضوا له، مثل النزيلة، كارول (آمي رايان) التي تحكي لكريستين مأساتها لأنها رفضت الإذعان لأوامر رجال الشرطة غير الأخلاقية.
وهكذا تسير الدراما نحو اكتشاف الجريمة المزدوجة، جريمة اختطاف أطفال عديدين وقتل بعضهم، وجريمة مؤسسة الشرطة والمصحة العقلية التي تصر على حصار الأم المكلومة، إن هذه القتامة جعلت المخرج كلينت ايستوود يميل أحيانا إلى أسلوب الفيلم نوار في التصوير الذي تتناقض فيه الألوان مع الظلال، والموسيقا الحزينة التي قام بتأليفها بنفسه، كما يأتي الفيلم كقطعة تاريخية شديدة الاتفاق في تفاصيلها عن الفترة التي دارت فيها الأحداث، لكن ما يؤكده ايستوود هنا مرة أخرى هو اعتماده الكبير على الممثل وليس البهلوانيات السينمائية، وهو ما تدركه في إتقان جميع الممثلين لتجسيد شخصياتهم، سواء الشخصيات الرئيسية أو المساعدة، ولعلك تلاحظ كيف أن جون مالكوفيتش قام بدور مناقض تماما للأدوار التي اعتاد أن يقدمها لشخصيات شريرة، كما تخلت أنجلينا جولي عن قناع النجومية لتدخل تحت جلد الشخصية. وأخيرا فإن فيلم الطفل البديل ينضم إلى سلسلة أفلام كلينت إيستوود، التي لا تصور فقط موقفا وجوديا خانقا تعيش فيه الشخصيات، لكنها تشير أيضا إلى شرخ شديد العمق في المجتمع الأمريكي.