وذكر الرازي للظاهر تعاريف منها: الأول، أن يكون بمعنى الغالب لخلقه، يقال ظهرت على فلان إذا قهرته، ومنه قولنا: ظهرنا على الدار إذا غلبنا . الثاني، إنه العالم بما ظهر، ومنه يقال: ظهرت على سر فلان إذا اطلعت عليه . الثالث، أنه تعالى ظاهر لكثرة البراهين الظاهرة والدلائل النيرة على جود إلهيته .
ويقول ابن الأثير: إن الظاهر هو الذي ظهر فوق كل شيء وعلا عليه، وقيل عرف بطريق الاستدلال العقلي، مما ظهر لهم من آثار أفعاله وأوصافه .
شواهد الوحدانية
وقيل: هو الظاهر وجوده لكثرة دلائله، وهو البادي بالأدلة عليه فلا يمكن أن يجحد وجوده، وهو الظاهر بحججه الباهرة، وبراهينه النيرة، وشواهد أعلامه الدالة على ثبوت ربوبيته وصحة وحدانيته، وقيل: هو الظاهر بالقدرة على كل شيء، والظاهر لكل شيء بالأدلة العقلية والكونية، فقد خلق الله كل الكائنات الموجودات لتظهر آثار قدرته فيها، وهو سبحانه ظاهر عليها من جميع الجهات "فأينما تولوا فثم وجه الله" . فالكون كله بما فيه ومن فيه مظهر من مظاهر أسمائه وصفاته وعلاماته .
وقيل: هو المتجلي بأنوار هدايته وآياته، المتنزه بمعاني أسمائه وصفاته، فلا ترى ذرة في الوجود إلا وهي ناطقة بوحدانية المعبود، ولا ترى فاضلاً متخلقاً بصفات الرجال إلا وتشهد عليه أنوار صفات الكبير المتعال . هو الظاهر فلا يخفى على كل متأمل، وهو الظاهر لعيون الأرواح، المتجلي بأنوار الفتاح، فالكون مملوء بالجمال محلى بالكمال .
وأما "الباطن" سبحانه فمعناه المحتجب عن عيون خلقه لشدة ظهوره والباطن بكنه ذاته عن إدراك العقول والأفهام .
وذكر الرازي عدة تعريفات للباطن: الأول، أنه تعالى باطن من حيث إن كنه حقيقته غير معلوم للخلق . الثاني، أنه باطن بمعنى أن الأبصار لا تحيط به، كما قال تعالى في سورة الأنعام: "لا تدركه الأبصار" . الثالث، أنه باطن بمعنى أنه يعلم ما بطن . الرابع، أنه باطن بمعنى أنه حجب الكافر عن معرفته ورؤيته، وحجب المؤمنين في الدنيا عن رؤيته .
لا تدركه الأبصار
وقيل الباطن في حقيقة ذاته، فلا تدركها العقول، واحتجب عن إدراك الحواس مع شدة ظهوره وكمال نوره . وقيل: هو الذي لا تدركه الأبصار، وقد تنزه في علو كبريائه، فلا تحيط به بصائر المقربين الأطهار، وهو الظاهر بأسمائه وصفاته وأنوار آياته . والباطن بحقيقة ذاته عن جميع مخلوقاته .
تحدث الغزالي عن الظاهر والباطن معاً فقال: هذان الوصفان أيضاً من المضافات، فإن الظاهر يكون ظاهراً لشيء وباطناً لشيء، ولا يكون من وجه واحد ظاهراً، بل يكون ظاهراً من وجه واحد بالإضافة إلى إدراك، وباطناً من وجه واحد، فإن الظهور والبطون إنما يكون بالإضافة إلى الإدراكات، والله تعالى باطن إن طلب من إدراك الحواس وخزانة الخيال، ظاهر إن طلب من خزانة العقل بطريق الاستدلال .
وقد قال تعالى: "وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة"، فالظاهرة ما نقف عليها، والباطنة ما لا نعرفها، وإليه أشار قوله تعالى: "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" . وقيل الظاهرة بالنبوة والباطنة بالعقل . وقيل الظاهرة المحسوسات، والباطنة المعقولات، وقيل الظاهرة النصرة على الأعداء بالناس . والباطنة النصرة بالملائكة، وكل ذلك يدخل في عموم الآية .
الوالي
قال تعالى: "له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال" . "الوالي" اسم من أسماء الله الحسنى، ومعناه أنه تعالى هو مالك الأشياء جميعها، والمتصرف فيها، وهو الذي يتولى أمور خلقه بالتدبير والقدرة، ويتصرف فيها كيف يشاء، فهو مالك الملك، ينفذ أمره، ويجري حكمه بقدرته، وأنعمه .
ويذكر الدكتور أحمد عبده عوض في موسوعة "أسماء الله الحسنى": في اللغة الولي القرب والدنو يقال: تباعد بعد ولي كل مما يليك أي: مما يقاربك يقال منه: وليه يليه، وأولاه الشيء فوليه، وكذا ولى الوالي البلد، وولى الرجل البيع، وأولاه معروفاً، ويقال: ولاه الأمير عمل كذا، وولاه بيع الشيء، وتولى العمل تقلد، وتولى عنه أعرض، والولي ضد العدو، يقال: تولاه، وكل من ولي أمر واحد، فهو وليه، والمولى ابن العم، والناصر، والجار، والحليف، والموالاة ضد المعاداة، ويقال: افعل هذه الأشياء على الولاء، أي: متتابعة، وتوالى عليهم شهران أي تتابعا، واستولى على الأمد، أي: بلغ الغاية .
وكل من رضي بولاية الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو مفلح في الدنيا والآخرة، منصور في الدنيا والآخرة، قال تعالى: "ومن يتول الله ورسوله، والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون" (سورة المائدة الآية 65) .
وقد علم الله تعالى شفقة رسوله صلى الله عليه وسلم على أمته ونصحه لهم فجعله أولى بهم من أنفسهم وحكمه فيهم كان مقدماً على اختيارهم لأنفسهم، كما قال تعالى: "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه،أمهاتهم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين، إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً كان ذلك في الكتاب مسطوراً" (سورة الأحزاب الآية 6) .
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة اقرأوا إن شئتم "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم"" (سورة الأحزاب الآية 6) فأيما مؤمن ترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا، فإن ترك ديناً، أو ضياعاً فليأتني فأنا مولاه" .