والمقتدر معناه المظهر قدرة القادر، لا يمتنع عليه شيء، فهو عظيم القدرة، فعال لما يريد بتقديره وعلمه وحكمته، فهو يسيطر على الوجود بقدرته المطلقة، ويتمكن من ملكه بسلطانه العظيم .
وقد ورد اسم الله القادر في قوله تعالى: "قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون" (سورة الأنعام الآية 65) . وقد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم تدل على قدرة الخالق جل وعلا منها قوله تعالى: "وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون" (سورة المؤمنون الآية 95) . وقال تعالى: "فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون" (سورة المعارج الآية 40) . وقوله تعالى: "فقدرنا فنعم القادرون" (سورة المرسلات الآية 23) .
هشيم الدنيا
يقول الدكتور أحمد عبده عوض في موسوعة "أسماء الله الحسنى": يضرب الله لنا مثلاً لإظهار قدرته واقتداره سبحانه وتعالى في الحياة الدنيا في زوالها وفنائها، وانقضائها كما أنزل من السماء ماء فاختلط به نبات الأرض فشب وحسن وعلاه الزهر والنور والنضرة، ثم بعد هذا كله أصبح هشيماً يابساً تفرقه الرياح، تطرحه ذات اليمين وذات الشمال، والله تعالى هو القادر على هذه الحال، وكثيراً ما يضرب الله مثل الحياة الدنيا بهذا المثل، وذلك قوله تعالى: "واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كما أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدراً" (سورة الكهف الآية 45) .
يقول محمد متولي الشعراوي، رحمه الله، في كتاب "شرح أسماء الله الحسنى": القادر والقدير والمقتدر: ذو القدرة، لكن المقتدر أكثر مبالغة، والقدرة عبارة عن المعنى الذي به يوجد الشيء متقدراً بتقدير الإرادة والعلم واقعاً على وفقهما، والقادر هو الذي إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، وليس من شرطه أن يشاء لا محالة، فإن الله تعالى قادر على إقامة القيامة الآن، لأنه لو شاء أقامها، فإن كان لا يقيمها لأنه لم يشأها، لا يشاؤها لما جرى في سابق علمه من تقدير أجلها، ووقتها، فلذلك لا يقدح في القدرة .
إيجاد المعدوم
والقادر المطلق هو الذي يخترع كل موجود اختراعاً ينفرد به ويستغني فيه عن معاونة غيره، وهو الله تعالى، وأما العبد فله قدرة على الجملة لكنها ناقصة، إذ لا يتناول إلا بعض الممكنات، ولا يصلح للاختراع، بل الله تعالى هو المخترع لمقدورات العبد .
ومن عرف أنه قادر على الكمال خشي سطوات عقوبته عند ارتكاب مخالفته، وأمل لطائف رحمته، وزوائد رحمته سؤاله، وحاجته لا بوسيلة طاعته بل بابتداء كرمه ومنته، وكذلك من عرف أن مولاه قدير سكن عن الانتقام ثقة بأن صنع الحق له وانتصاره له أتم من انتقامه لنفسه .
ويقول الدكتور أحمد الشرباصي في موسوعة "له الأسماء الحسنى": قد فرق بعض العلماء بين القادر والمقتدر، بأن القادر هو الذي يقدر على إيجاد المعدوم وإعدام الموجود، وأما المقتدر فهو الذي يقدر على إصلاح الخلائق على وجه لا يقدر عليه غيره فضلاً منه وإحساناً .
والقادر هو من مادة قدرة، فهو قادر ذو قدرة ومقدرة، وليلة القدر هي ليلة الشرف العظيم ورد قوله تعالى في سورة الأنعام: "وما قدروا الله حق قدره"، أي: ما وصفوه حق صفته، وما عظموه حق تعظيمه . والقادر في صفة الله معناه المتمكن من الفعل بلا معالجة ولا واسطة، فلا يلحقه عجز فيما يريد إنفاذه . وقيل: هو من النفوذ والسلطان، والتصرف التام في سائر الأكوان، لا يعارضه منازع، ولا يخرج عن قبضته مخالف أو طائع، إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن فيكون .
المتناهي في الاقتدار
وقيل: معناه ذو القدرة التامة الذي لا يعجزه شيء، ولا يتقيد بأسباب، المقدر لقضائه، المدبر شؤون الكون بقدر وحكمة كما قال تعالى: "فقدرنا فنعم القادرون"، وقوله: "إنا كل شيء خلقناه بقدر" . والقدر هو ما يقدره الله عز وجل من القضاء يحكم به من الأمور . ومن أدب المؤمن مع اسم القادر أن يستشعر حال ذكره هذا الاسم قدرة الله وتقديره وحكمته وتدبيره .
أما "المقتدر" فيفيد معنى القادر مبالغة وأكثر تعظيماً . والمقتدر هو المستولي على كل شيء، وهو المقتدر على جميع الممكنات وهو صاحب القدرة العظيمة المسيطرة بقدرته البالغة على خلقه، وقيل إنه المتناهي في الاقتدار، المتحكم في جميع الآثار، تجلى لعيون الأرواح بنور اسمه المقتدر فسكنوا، وعاينوا إحاطته بجميع الشؤون، فهم يلاحظون الاقتدار في آناء الليل وأطراف النهار، كلما عاينوا أثراً من الآثار تجلى لهم مقدر الأقدار، فهم في معية القادر في الباطن والظاهر .
وقيل: إن معناه عظيم القدرة، المسيطر بقدرته البالغة على خلقه، المتمكن بسلطانه من ملكه، قدر فكان الوجود مظهر اقتداره: "وكان الله على كل شيء مقتدراً"، فهو سبحانه القادر والمقتدر، أي القادر عظيم القدرة .
من أدب المؤمن
ومن أدب المؤمن مع اسم المقتدر أن يحضر قلبه، وأن يكثر من ذكر اسمه المقتدر، حتى يشرق عليه قبس من الاقتدار، تحيط به الأنوار . هذا وقد ورد في صحيح البخاري عن جابر بن عبدالله السلمي قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلم السورة من القرآن، يقول: "إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: "اللهم إني استخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك (أي أطلب منك أن تجعل لي قدرة على المطلوب) وأسألك من فضلك، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم فإن كنت تعلم أن هذا الأمر -ثم تسميه بعينه - خير لي في عاجل أمري وآجله أو في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه . اللهم، إن كنت تعلم أنه شر لي في ديني وعاقبة أمري أو في عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به" .
وقد تحدث الغزالي عن القادر المقتدر فقال: إن معناهما ذو القدرة، لكن المقتدر أكثر مبالغة، والقدرة عبارة عن المعنى الذي به يوجد الشيء متقدراً بتقدير الإرادة والعلم، واقعاً على وفقهما .
والتخلق بأخلاق هذين الاسمين ألا يقصر العبد في شيء من مرادات الله قدر استطاعته، وأن يبذل في طاعته لجلب رضاه غاية قدرته .