“القراقير” أقفاص السمك القائمة في قاع البحر

أقرب إلى الأعمال النحتية السلكية
04:14 صباحا
قراءة 3 دقائق
رأس الخيمة - عدنان عكاشة:
"القراقير"، وسيلة صيد قديمة ومتأصلة في الإمارات ودول الخليج العربي، ومن أشهر وسائل الصيد البحري في المنطقة، ليست مجرد باب رزق أو طريقة صيد، بل تراث ضارب الجذور في الدولة وشقيقاتها من دول مجلس التعاون الخليجي وترتبط المهنة بشكل خاص بالبيئة البحرية وبوجوه الصيادين الكادحين في مياه الخليج، وهي محفوفة بعبق الزمن وأصالة المنطقة وبذاكرة الناس .
"القراقير" تصنع إلى اليوم يدوياً، وهي أقفاص حديدية، تنقسم إلى أصناف مختلفة، منها "لدوابي"، وهي الأكبر حجماً، ومنها "السيم" الرفيع، والسيم المتين، وفقاً لمدى سماكة الحديد المستخدم في صناعة القرقور، إذ يستخدم الرفيع منه في فصل الصيف، والمتين شتاءٍ وتختلف أحجام القراقير لتتناسب مع كافة أنواع الأسماك ومختلف طبقات البحر، الضحلة منها والعميقة .
"القرقور" عبارة عن قفص أو حجرة على شكل نصف دائرة، لها مدخل مخروطي، يضيق في طرفه الأخير، وتتنوع "القراقير" في الحجم، بين كبير ومتوسط وصغير، وهي مغطاة بطبقة من الزنك، متفاوتة من حيث السُمْك ويستغرق العمل في صناعة "القرقور" في المتوسط إلى يومين، ويتكون من طبقتين، يوم للطول ويوم للارتفاع، ويصل طول القرقور الواحد إلى نحو المتر وربع المتر ويأخذ مدخله شكلاً مخروطياً، ويوضع في جوفه شبك حديدي، بغرض منع الأسماك من الوصول إلى الطعم بعد دخولها، والطعم هو عبارة عن قباقب أو أسماك صغيرة في الغالب، ويكون أحياناً بعض أنواع الحشائش: وعند إنزال القرقور إلى قاع البحر، يثبت الصياد "ثقلاً" حديدياً في أسفله، لتثبيته في القاع .
وتربط "القراقير" أيضاً بصورة وثيقة بحبل متين، يستخدم لاحقاً، بعد امتلائه بالسمك، في سحبه من قاع البحر إلى سطحه، ويزيد طول الحبل مرتين على عمق المنطقة البحرية، التي ينصب فيها "القرقور"، ويلجأ صيادو القراقير كذلك لاستخدام نوع من "العوامات"، ليستدلوا بها على مكانها عند العودة إليها لاحقاً، لجني حصادها وجمع محصولهم من الصيد البحري .
تشكل صناعة "القراقير" واحدة من الحرف والصناعات التراثية القليلة جداً، التي لا تزال مستخدمة في الحياة العملية المعاصرة، بعد أن اندثر معظمها، وطواه النسيان، أو دفع إلى أبواب المتاحف والفعاليات التراثية، حيث يسلط عليها الضوء، احتفاء وتعريفاً وترسيخا لها في الذاكرة الشعبية، لاسيما بين الشباب والأجيال الصاعدة، فيما "القراقير" لا تزال حاضرة في سواحل الإمارات والخليج العربي على امتداده .
لصناعة "القراقير" أصول إماراتية خليجية، يحفظها أبناء المهنة من أبناء هذه الأرض عن ظهر قلب، تسكن الذاكرة الشعبية، لما للبحر، الخليج العربي تحديداً، من ارتباط وثيق بالإماراتيين والخليجيين عموما، ولدور وسيلة الصيد تلك في توفير غذاء استراتيجي، يحظى بطلب شعبي واسع وبمكانة مميزة على المائدة الخليجية، ممثلا بالأسماك والأحياء البحرية الأخرى، وصولاً إلى دورها في ضمان الأمن الغذائي الوطني .
تحف ب"القراقير"، صناعة وحرفة ووسيلة صيد يومية، الكثير من الحكايات والقصص الشعبية، التي تتصل بها من قريب أو بعيد، رغم انحسار ممارسي تلك الصناعة بأنفسهم من الإماراتيين والخليجيين، ورغم جهل شريحة واسعة من الشباب والناشئة بأصول وتقاليد هذا الفن الحرفي الأصيل، واقتصار العاملين في صناعتها حاليا، أو يكاد، على أبناء الجنسيات الآسيوية، من المقيمين على أرض الدولة، في مواجهة الزمن والتطورات المتسارعة في عصرنا الراهن، لا يزال عدد من المخضرمين من أبناء المهن البحرية في الإمارات، من الصيادين والحرفيين المرتبطين بأعمال البحر، يحملون في ذاكرتهم أصول صناعة "القراقير" وحكاياتها، من دون أن يمنع ذلك مخاوف مشروعة من تدهور هذا التراث الحرفي الأصيل وانحساره أو ضياعه، في ظل تقدم الزمن ورحيل عدد من "الصناع" القدماء عن الدنيا وندرة أو شبه انعدام المواطنين الممارسين لحرفة صناعة القراقير حالياً، وإحجام الشباب تحديداً، وقلة المدون أو المحفوظ حولها، ما يستدعي جهداً مؤسسياً في تدوين وتوثيق التراث الحرفي والصناعي الإماراتي إجمالاً، بأسلوب علمي مهني، وإخراجه في كتب تجذب القراء من أبناء الإمارات والعالم، وتنقل التراث الحرفي للأجيال المقبلة .
ويطالب نواخذة ومهتمون بالتراث الوطني، لاسيما التراثي الحرفي والصناعي، بتنظيم ورش عمل موسعة ودورات متخصصة في جميع إمارات الدولة، لتدريب الشباب الإماراتيين والراغبين في المهن والصناعات التراثية والتقليدية، ومنها صناعة "الدوابي" والقراقير .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"