القاهرة- "الخليج":
ما يقرب من 70 قناة فضائية مجهولة المصدر والهوية، باتت تهدد صناعة السينما المصرية بالتوقف، خاصة بعد سرقة عدد كبير من الأفلام المصرية الجديدة، وقريبة الإنتاج، بل والقديمة أيضاً، وعرضها على شاشات هذه القنوات، من دون تصريح من أصحابها أو شركات إنتاجها، وجني أرقام خيالية من الأرباح من خلال الإعلانات التي تبث خلال وقبل وبعد هذه الأفلام . أزمة نتطرق إليها في هذا التحقيق مع المتضررين من أهل السينما .
في الأعوام الثلاثة الأخيرة، وفي ظل حالة الفوضى والانفلات الأمني، التي انعكست على الإعلام، مسببة ما سمي ب"فوضى إعلامية" ظهرت مجموعة من القنوات الفضائية الجديدة المتخصصة في سرقة وعرض الأفلام السينمائية الجديدة لكبار النجوم، سواء عبر الشبكة العنكبوتية "الإنترنت"، بعد تصويرها بكاميرات ديجيتال من دور العرض، حتى قبل القنوات المشفرة أو المفتوحة، التي توقفت تماماً عن شراء الأفلام لتعرضها لخسائر فادحة أيضاً، حيث لم يعد عرض الأفلام الجديدة على هذه القنوات يجلب إعلانات تذكر، فيما يحصد ملاك قنوات "الفوضى الإعلامية" على أرباح كبيرة بسبب حجم الإعلانات الذي ارتفع إلى معدلات غير مسبوقة، لم تشهده أي قنوات أخرى، لأنهم حققوا أعلى نسب مشاهدة .
المدهش أن المشاهد يمكن أن يكتشف بسهولة سرقة الفيلم بمجرد عرضه على الشاشة، من الشواهد الظاهرة، سواء من خلال سماع ضحكات جمهور دار العرض أثناء المشاهدة، خاصة إذا كان الفيلم كوميدياً، أو أن يمر فجأة واحد من جمهور الصالة أمام الشاشة فتسجله الكاميرا التي تسرق الفيلم، كما أن أغلب هذه الأفلام يظهر عليها اسم موقع الإنترنت الذي قام بسرقة الفيلم وبثه، أثناء عرضها على هذه القنوات!
الأمر لم يقتصر على الأفلام الجديدة فقط، بل تقوم هذه القنوات بعرض الأفلام قريبة الإنتاج، لسنوات قليلة مضت، والأفلام القديمة "الأبيض والأسود"، عبر تسجيلها من التلفزيون، وعرضها بصورة مكبرة، أقرب إلى طريقة "سينما سكوب" بوضع شريط أسود أسفل وأعلى الصورة، لإخفاء شارة القناة التي تم التسجيل منها .
ملاك هذه القنوات اختاروا أن يطلقوا عليها أسماء عشوائية وأسماء أفلام حديثة، أو أسماء دور عرض شهيرة في القاهرة، مثل: دربكة، شنبو، توك توك، حلاوة روح ،1 ،2 وسط البلد، سينما دوللي، الشاشة، سينما مترو، سينما شبرا بلاس، وlcd، وتتح، وa .b .c سينما، حبيشة، قلب الأسد، تيتو، طلقة، بوليكا . . وغيرها العديد من الأسماء للقنوات التي انتشرت بشكل كبير على القمر المصري "نايل سات"، أو هكذا ظن الجميع في بداية الأمر، حتى نفى الأمر المهندس حمدي منير، العضو المنتدب للشؤون الفنية، بشركة مصر للأقمار الصناعية "نايل سات"، مؤكداً أنه لا علاقة لشركة "نايل سات" بهذه القنوات، كما لم تستأجر مواقع أو قنوات قمرية أو فضائية، على القمر المصري .
وأضاف منير: القمر الأردني "نور سات" متعاقد مع شركة "نايل سات" على استئجار مدة زمنية محددة، يبث خلالها بعض قنواته وما تحتويه من مواد إعلامية، أما فيما يخص محتوى ما يتم تقديمه، فهذا يرجع إلى التعاقد المبرم بين ملاك القنوات وبين قمر "نور سات"، إضافة إلى بث عدد آخر من هذه القنوات على القمر الفرنسي "يوتلسات"، والقريب أيضاً من مدار القمر المصري "نايل سات"، لذا فإن الحل في الوقت الحالي في يد المنتجين وحدهم، وليس أمامهم سوى اللجوء إلى القضاء ومقاضاة هذه القنوات من أجل استعادة حقوقهم .
بعيداً عن مسؤولية "نايل سات" من عدمها، ورغم ما تشكله هذه الظاهرة من خطر حقيقي على صناعة السينما المصرية، إلا أن المنتجين هم أكثر جهة متضررة بشكل مباشر، مما يحدث من عرض هذه الأفلام، غير أن كل محاولتهم لاستعادة حقوقهم مهددة بالفشل، خاصة أنهم فشلوا حتى الآن في معرفة ملاك هذه القنوات الفضائية من أجل مقاضاتهم، بعد أن رفضت إدارة "نور سات" مدهم بأي معلومات حول هوية الملاك، باعتبار أن بيانات العملاء، من أسرار التعاقدات مع الأفراد والشركات . فلا بديل عن إقناع إدارتي "نور سات" و"يوتلسات" أن تلك القنوات تنتهك حقوق الملكية الفكرية، وهو أمر يحتاج لتضافر جهود أصحاب القنوات الشهيرة مع المنتجين وأصحاب دور العرض السينمائية .
في الوقت نفسه كان اتفاق قد تم بالفعل مع مسؤولين من وزارة الداخلية لكيفية حماية قرصنة الأفلام من خلال إنشاء لجان إلكترونية تابعة للوزارة تقوم بمتابعة كل ما ينشر عن هذه الأفلام في مواقع الأفلام المشهورة بالقرصنة أو اليوتيوب ليتبقى فقط أزمة القنوات الفضائية التي تبث من خارج مصر .
من جانبه أكد سيد فتحي، مدير عام غرفة صناعة السينما، أن الغرفة كانت قد بدأت بالفعل خلال العام الماضي ،2014 خطوات جادة ومهمة من أجل التصدّي للقراصنة ذلك "الغول الغامض"، الذي يلتهم السينما المصرية، والذي زاد وتوحش في العامين الأخيرين، بعرض الأفلام الجديدة على شاشات فضائية، قبل أن يطرح المنتجون أفلامهم على "دي . في . دي" أو بيعها للفضائيات المشفرة والمفتوحة، والأزمة الكبرى أنّ تلك القنوات لا تنطلق من قمر "نايل سات"، بل هناك قمر "نور سات"، الذي يبث من المملكة الأردنية، والقمر الفرنسي "يوتلسات"، الذي يسير في مدار "نايل سات"، ويلتقط المشاهدون العرب كل القنوات التي تبثّ عليه، حيث تستأجر شركات عربية وأجنبية تردّدات من هذا القمر، لتبيعها لتلك القنوات التي تقوم بعرض الأفلام المسروقة، والتي تحقّق بدورها مكاسب كبيرة، رغم عدم تعامل المعلنين الكبار معها، وهذا لا يعني أنها تخسر، والدليل أنّه لا يمرّ شهر من دون أن تظهر قناة جديدة من النوعية نفسها، حيث مدّة الفاصل الإعلاني لا تقل عن 15 دقيقة، وتتكرر أربع مرات مع كل فيلم . وتغطي السلع التي لا تستطيع اختراق القنوات المعروفة، ليصل الأمر إلى حد عرض أفلام حصرية مملوكة لقناة "روتانا سينما"، قبل أن تعرضها المحطة نفسها بثلاثة أشهر على الأقل! ولأن هذه القنوات لا تحتاج إلى فريق عمل، ولا تملك مصاريف باستثناء إيجار التردّد لأنها لا تدفع مقابل الحصول على الأفلام، فإنها لا تنطلق من مدينة الإنتاج الإعلامي في القاهرة، ما يجعل المواجهة صعبة، لكنها ليست مستحيلة .
أضاف فتحي: قبل رحيل رئيس مجلس إدارة الغرفة، المنتج الراحل محمد حسن رمزي، كانت هناك خطوات مهمة وجادة جدا قامت بها الغرفة على هذا الطريق، وبالفعل سافرت الفنانة الكبير ليلى علوي إلى المملكة الأردنية، لمقابلة المسؤولين عن القمر الأردني "نور سات"، والتوصل معهم إلى حل في هذا الموضوع، وأبدوا تجاوباً كبيراً، واستعدادات للمساعدة، حيث صدرت تعليمات للقمر "نور سات" بأن القنوات التي تريد عرض أفلام مصرية يجب أن تحصل على موافقة من غرفة صناعة السينما المصرية، لأنها الجهة الوحيدة المسؤولة عن المنتجين والموزعين ودور العرض .
المنتج أحمد السبكي قال: الشيء المؤكد أن لدى كل المنتجين رغبة حقيقية في انتعاش سوق السينما بإنتاج عدد كبير من الأفلام خلال الفترة المقبلة، لكن تبقى مشكلة القرصنة أحد عوامل إحجام الجميع عن الإنتاج، وعدم المخاطرة بأموالهم في مغامرة غير محسوبة، تعرضهم لخسائر فادحة .
وأضاف: لا شك أن سرقة الأفلام الجديدة، وحتى القديمة، ظاهرة تدمّر السوق الداخلية والخارجية أيضاً، فأصبح من الطبيعي أن تجد أي فيلم جديد، معروض في أي من هذه الفضائيات، بعد أسبوع واحد فقط من عرضه في الصالات، وهذه كارثة حقيقية، تعرض المنتج لخسائر لا حصر لها، حيث تقل الإيرادات بشكل لافت جداً، في الوقت الذي يحقق فيه من قام بسرقة الفيلم، أرباحاً طائلة من حجم الإعلانات التي يضعها مصاحبة للفيلم، ويضع أمام كل 15 دقيقة من أحداث الفيلم، 15 دقيقة إعلانات، أي أن الفيلم الذي مدته 90 دقيقة، يصاحبه 75 دقيقة إعلانات، وهذه كارثة، أضف إلى ذلك أن كل الأفلام والمسلسلات المعروضة حديثاً موجودة في كل المنازل وعلى أجهزة الكمبيوتر، وأجهزة المحمول، وما يتحمله المنتجون من خسائر باهظة يتخطى كثيرا ثلث حجم الإيرادات التي يمكن أن يحققها العمل!
أكد المنتج محمد السبكي أنه يفاجأ كل يوم بانطلاق قناة جديدة تبث، من دون ترخيص، وتقوم بالسطو على أفلامه، موضحاً أن هذه القنوات قامت بالسطو على أفلامه الجديدة بالكامل، وبعضها مازال يعرض بدور العرض، "مثلما حدث مع فيلم "حلاوة روح"، الذي مني بخسائر كبيرة جداً، سواء بمنعه أولاً من عرضه بدور العرض، وعندما كسبنا القضية، كان قد عرض عشرات المرات على هذه القنوات" .
وأعرب محمد السبكي عن غضبه الشديد لعدم تصدي الجهات المسؤولة لهذه القنوات ومنعها من ممارسة عملها الإجرامي، مشيراً إلى أن هيئة الرقابة على المصنفات الفنية لم تتصد لهم، ومسؤولو الدولة المتخصصون في هذا الشأن لا يتحركون، مشيراً إلى أن ما يغضبه بشدة في هذا الأمر، هو قيام بعض الشركات والمطاعم المصرية بالترويج لمنتجاتها من خلال هذه القنوات، وهو ما يؤكد أن هناك وكيلاً إعلانياً لهذه القنوات، لابد من القبض عليه ومعاقبته . وشدد السبكي على ضرورة إيجاد حل لهذه الأزمة، وإلا فستنهار صناعة السينما في مصر خلال الفترة المقبلة، مؤكداً أن الصناعة في خطر كبير، ولابد من إنقاذها .
من جانبه قال أحمد بدوي، مدير شركتي نيوسينشري ودولار فيلم للإنتاج السينمائي، إنه فوجئ بالعديد من القنوات التي تقوم بسرقة أفلام شركته، مشيراً إلى أن فيلمه "صنع في مصر" للنجم أحمد حلمي، تم السطو عليه بعد أيام قليلة من طرحه، وفوجئ بعرضه على شاشات مجهولة الهوية، مشددا على ضرورة التصدي وبشدة لهؤلاء من أجل حماية صناعة السينما في مصر، والتي بدأت تنتعش خلال الأشهر الماضية، فلا يجوز أن نترك من يسعى لتدميرها .
في السياق نفسه أقام المنتج والسيناريست حمدي يوسف دعوى قضائية ضد قناة "ماجيستك"، وذلك لسرقتها فيلمه "مهمة صعبة" قائلاً: قدمت شكوى رسمية لغرفة صناعة السينما، ومباحث المصنفات الفنية، ضد هذه القناة لقيامها بسرقة الأفلام المصرية دون وجه حق، ودون أن تتفاوض على شرائها، لكني لم أحصل على حقي .
وقال الدكتور سامي الشريف، رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون الأسبق: ظاهرة القنوات المجهولة تأتي امتدادا لظاهرة الانفلات الإعلامي، وعدم وجود قوانين وتشريعات تضبط العمل الإعلامي، لافتاً إلى أن أصحاب هذه القنوات أحياناً يفتتحون قناة بفروعها أي ،1 ،2 ،3 وعمل شبكة تلفزيونية، مؤكداً أن "هذه القنوات غير مكلفة، لذلك نجدها تنتشر بشكل سريع، لأنها ليس بها عمالة، فهي تعرض الأفلام المسروقة، ولا تتكلف سوى قيمة تأجير القمر الصناعي الذي تبث من خلاله، وربما يستعينون بشقة صغيرة لإقامة استوديو بها، لإذاعة فقرات الربط"، موضحاً أن سبب انتشار هذه الظاهرة هو غياب ضوابط الملكية الفكرية .
أضاف الشريف: هذه القنوات تجذب بعض المعلنين، لأن تسعيرة الدقيقة الإعلانية بها منخفضة للغاية، لذلك يذهب أصحاب المنتجات الرديئة لها، والأمر في النهاية يكون عبارة عن نصب، سواء من المعلنين أو أصحاب هذه القنوات .
بدوره قال الكاتب والمنتج محمد حفظي: المشكلة أنه إذا تم القبض على سارق هذه الأفلام يدفع غرامة 5000 جنيه فقط ثم يخرج، وللأسف يحدث ذلك من أشخاص ليس لديهم ضمير أو مسؤولية، فيقومون بسرقة أفلام تبلغ تكلفتها أكثر من عشرة ملايين جنيه ليستفيدوا فقط، وللأسف أيضاً لا يوجد قانون يحمي حقوق المنتجين، وأعباء الشرطة في الفترة الأخيرة تمنعها عن ملاحقة هؤلاء المجرمين . وأضاف: لا بديل عن دور الدولة أولاً، كي يتم القضاء على سرقة الأفلام وبيعها، إذ يجب عليها مخاطبة الأقمار التي تبث عليها هذه القنوات بشكل رسمي، لتخبرهم بأن الفيلم المصري يتعرض للسرقة على أقمارهم دون أن يكون للقنوات التي تعرضه أي حق في ذلك، فهذه إحدى الصناعات المهمة في الدولة، وأعتقد أنه إذا تدخلت الدولة بشكل جدي ستستطيع وضع حد لهذه القرصنة مع بقية الدول، إضافة إلى أن "النايل سات" يجب أيضاً أن يمنع القنوات من عرض الأفلام المسروقة، حتى إذا اضطر إلى إغلاق هذه القنوات كما فعل مع القنوات الدينية .
دعا المنتج محمد العدل إلى الوقوف بحزم ضد قرصنة الأفلام للحفاظ على صناع السينما، مشيراً إلى أن الأفلام تتكلف ملايين الجنيهات، ويأتي سارقها وينسف هذا المجهود بمنتهى السهولة، وتنهار الإيرادات، وتدريجياً بات هذا يؤثر سلباً على الآلاف ممن يعملون في الصناعة، خصوصاً أن أغلبية شركات الإنتاج توقفت عن مواصلة نشاطها خوفاً من الخسائر المادية الرهيبة التي تعرضت لها خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة .
الناقد السينمائي محمود قاسم قال: الأمر ليس مجرد سرقة فيلم وعرضه دون إذن منتجه، الموضوع أكبر بكثير، فهذه القنوات تدمر صناعة السينما المصرية بالكامل، القائمون عليها يسعون إلى تدمير صناعة عمرها يقترب من المئة عام لابد للدولة من التدخل فوراً للحد من هذه القرصنة، وهذا ليس بدعة، فكل دول العالم التي لديها صناعة سينما بإطلاق حملة عامة لإغلاق المواقع التي تقدم إصدارات مقرصنة من الأفلام المصرية، نظراً إلى أنها وراء الخسائر الكبيرة التي لحقت بصناعة السينما في السنوات الأخيرة .
ما يقرب من 70 قناة فضائية مجهولة المصدر والهوية، باتت تهدد صناعة السينما المصرية بالتوقف، خاصة بعد سرقة عدد كبير من الأفلام المصرية الجديدة، وقريبة الإنتاج، بل والقديمة أيضاً، وعرضها على شاشات هذه القنوات، من دون تصريح من أصحابها أو شركات إنتاجها، وجني أرقام خيالية من الأرباح من خلال الإعلانات التي تبث خلال وقبل وبعد هذه الأفلام . أزمة نتطرق إليها في هذا التحقيق مع المتضررين من أهل السينما .
في الأعوام الثلاثة الأخيرة، وفي ظل حالة الفوضى والانفلات الأمني، التي انعكست على الإعلام، مسببة ما سمي ب"فوضى إعلامية" ظهرت مجموعة من القنوات الفضائية الجديدة المتخصصة في سرقة وعرض الأفلام السينمائية الجديدة لكبار النجوم، سواء عبر الشبكة العنكبوتية "الإنترنت"، بعد تصويرها بكاميرات ديجيتال من دور العرض، حتى قبل القنوات المشفرة أو المفتوحة، التي توقفت تماماً عن شراء الأفلام لتعرضها لخسائر فادحة أيضاً، حيث لم يعد عرض الأفلام الجديدة على هذه القنوات يجلب إعلانات تذكر، فيما يحصد ملاك قنوات "الفوضى الإعلامية" على أرباح كبيرة بسبب حجم الإعلانات الذي ارتفع إلى معدلات غير مسبوقة، لم تشهده أي قنوات أخرى، لأنهم حققوا أعلى نسب مشاهدة .
المدهش أن المشاهد يمكن أن يكتشف بسهولة سرقة الفيلم بمجرد عرضه على الشاشة، من الشواهد الظاهرة، سواء من خلال سماع ضحكات جمهور دار العرض أثناء المشاهدة، خاصة إذا كان الفيلم كوميدياً، أو أن يمر فجأة واحد من جمهور الصالة أمام الشاشة فتسجله الكاميرا التي تسرق الفيلم، كما أن أغلب هذه الأفلام يظهر عليها اسم موقع الإنترنت الذي قام بسرقة الفيلم وبثه، أثناء عرضها على هذه القنوات!
الأمر لم يقتصر على الأفلام الجديدة فقط، بل تقوم هذه القنوات بعرض الأفلام قريبة الإنتاج، لسنوات قليلة مضت، والأفلام القديمة "الأبيض والأسود"، عبر تسجيلها من التلفزيون، وعرضها بصورة مكبرة، أقرب إلى طريقة "سينما سكوب" بوضع شريط أسود أسفل وأعلى الصورة، لإخفاء شارة القناة التي تم التسجيل منها .
ملاك هذه القنوات اختاروا أن يطلقوا عليها أسماء عشوائية وأسماء أفلام حديثة، أو أسماء دور عرض شهيرة في القاهرة، مثل: دربكة، شنبو، توك توك، حلاوة روح ،1 ،2 وسط البلد، سينما دوللي، الشاشة، سينما مترو، سينما شبرا بلاس، وlcd، وتتح، وa .b .c سينما، حبيشة، قلب الأسد، تيتو، طلقة، بوليكا . . وغيرها العديد من الأسماء للقنوات التي انتشرت بشكل كبير على القمر المصري "نايل سات"، أو هكذا ظن الجميع في بداية الأمر، حتى نفى الأمر المهندس حمدي منير، العضو المنتدب للشؤون الفنية، بشركة مصر للأقمار الصناعية "نايل سات"، مؤكداً أنه لا علاقة لشركة "نايل سات" بهذه القنوات، كما لم تستأجر مواقع أو قنوات قمرية أو فضائية، على القمر المصري .
وأضاف منير: القمر الأردني "نور سات" متعاقد مع شركة "نايل سات" على استئجار مدة زمنية محددة، يبث خلالها بعض قنواته وما تحتويه من مواد إعلامية، أما فيما يخص محتوى ما يتم تقديمه، فهذا يرجع إلى التعاقد المبرم بين ملاك القنوات وبين قمر "نور سات"، إضافة إلى بث عدد آخر من هذه القنوات على القمر الفرنسي "يوتلسات"، والقريب أيضاً من مدار القمر المصري "نايل سات"، لذا فإن الحل في الوقت الحالي في يد المنتجين وحدهم، وليس أمامهم سوى اللجوء إلى القضاء ومقاضاة هذه القنوات من أجل استعادة حقوقهم .
بعيداً عن مسؤولية "نايل سات" من عدمها، ورغم ما تشكله هذه الظاهرة من خطر حقيقي على صناعة السينما المصرية، إلا أن المنتجين هم أكثر جهة متضررة بشكل مباشر، مما يحدث من عرض هذه الأفلام، غير أن كل محاولتهم لاستعادة حقوقهم مهددة بالفشل، خاصة أنهم فشلوا حتى الآن في معرفة ملاك هذه القنوات الفضائية من أجل مقاضاتهم، بعد أن رفضت إدارة "نور سات" مدهم بأي معلومات حول هوية الملاك، باعتبار أن بيانات العملاء، من أسرار التعاقدات مع الأفراد والشركات . فلا بديل عن إقناع إدارتي "نور سات" و"يوتلسات" أن تلك القنوات تنتهك حقوق الملكية الفكرية، وهو أمر يحتاج لتضافر جهود أصحاب القنوات الشهيرة مع المنتجين وأصحاب دور العرض السينمائية .
في الوقت نفسه كان اتفاق قد تم بالفعل مع مسؤولين من وزارة الداخلية لكيفية حماية قرصنة الأفلام من خلال إنشاء لجان إلكترونية تابعة للوزارة تقوم بمتابعة كل ما ينشر عن هذه الأفلام في مواقع الأفلام المشهورة بالقرصنة أو اليوتيوب ليتبقى فقط أزمة القنوات الفضائية التي تبث من خارج مصر .
من جانبه أكد سيد فتحي، مدير عام غرفة صناعة السينما، أن الغرفة كانت قد بدأت بالفعل خلال العام الماضي ،2014 خطوات جادة ومهمة من أجل التصدّي للقراصنة ذلك "الغول الغامض"، الذي يلتهم السينما المصرية، والذي زاد وتوحش في العامين الأخيرين، بعرض الأفلام الجديدة على شاشات فضائية، قبل أن يطرح المنتجون أفلامهم على "دي . في . دي" أو بيعها للفضائيات المشفرة والمفتوحة، والأزمة الكبرى أنّ تلك القنوات لا تنطلق من قمر "نايل سات"، بل هناك قمر "نور سات"، الذي يبث من المملكة الأردنية، والقمر الفرنسي "يوتلسات"، الذي يسير في مدار "نايل سات"، ويلتقط المشاهدون العرب كل القنوات التي تبثّ عليه، حيث تستأجر شركات عربية وأجنبية تردّدات من هذا القمر، لتبيعها لتلك القنوات التي تقوم بعرض الأفلام المسروقة، والتي تحقّق بدورها مكاسب كبيرة، رغم عدم تعامل المعلنين الكبار معها، وهذا لا يعني أنها تخسر، والدليل أنّه لا يمرّ شهر من دون أن تظهر قناة جديدة من النوعية نفسها، حيث مدّة الفاصل الإعلاني لا تقل عن 15 دقيقة، وتتكرر أربع مرات مع كل فيلم . وتغطي السلع التي لا تستطيع اختراق القنوات المعروفة، ليصل الأمر إلى حد عرض أفلام حصرية مملوكة لقناة "روتانا سينما"، قبل أن تعرضها المحطة نفسها بثلاثة أشهر على الأقل! ولأن هذه القنوات لا تحتاج إلى فريق عمل، ولا تملك مصاريف باستثناء إيجار التردّد لأنها لا تدفع مقابل الحصول على الأفلام، فإنها لا تنطلق من مدينة الإنتاج الإعلامي في القاهرة، ما يجعل المواجهة صعبة، لكنها ليست مستحيلة .
أضاف فتحي: قبل رحيل رئيس مجلس إدارة الغرفة، المنتج الراحل محمد حسن رمزي، كانت هناك خطوات مهمة وجادة جدا قامت بها الغرفة على هذا الطريق، وبالفعل سافرت الفنانة الكبير ليلى علوي إلى المملكة الأردنية، لمقابلة المسؤولين عن القمر الأردني "نور سات"، والتوصل معهم إلى حل في هذا الموضوع، وأبدوا تجاوباً كبيراً، واستعدادات للمساعدة، حيث صدرت تعليمات للقمر "نور سات" بأن القنوات التي تريد عرض أفلام مصرية يجب أن تحصل على موافقة من غرفة صناعة السينما المصرية، لأنها الجهة الوحيدة المسؤولة عن المنتجين والموزعين ودور العرض .
المنتج أحمد السبكي قال: الشيء المؤكد أن لدى كل المنتجين رغبة حقيقية في انتعاش سوق السينما بإنتاج عدد كبير من الأفلام خلال الفترة المقبلة، لكن تبقى مشكلة القرصنة أحد عوامل إحجام الجميع عن الإنتاج، وعدم المخاطرة بأموالهم في مغامرة غير محسوبة، تعرضهم لخسائر فادحة .
وأضاف: لا شك أن سرقة الأفلام الجديدة، وحتى القديمة، ظاهرة تدمّر السوق الداخلية والخارجية أيضاً، فأصبح من الطبيعي أن تجد أي فيلم جديد، معروض في أي من هذه الفضائيات، بعد أسبوع واحد فقط من عرضه في الصالات، وهذه كارثة حقيقية، تعرض المنتج لخسائر لا حصر لها، حيث تقل الإيرادات بشكل لافت جداً، في الوقت الذي يحقق فيه من قام بسرقة الفيلم، أرباحاً طائلة من حجم الإعلانات التي يضعها مصاحبة للفيلم، ويضع أمام كل 15 دقيقة من أحداث الفيلم، 15 دقيقة إعلانات، أي أن الفيلم الذي مدته 90 دقيقة، يصاحبه 75 دقيقة إعلانات، وهذه كارثة، أضف إلى ذلك أن كل الأفلام والمسلسلات المعروضة حديثاً موجودة في كل المنازل وعلى أجهزة الكمبيوتر، وأجهزة المحمول، وما يتحمله المنتجون من خسائر باهظة يتخطى كثيرا ثلث حجم الإيرادات التي يمكن أن يحققها العمل!
أكد المنتج محمد السبكي أنه يفاجأ كل يوم بانطلاق قناة جديدة تبث، من دون ترخيص، وتقوم بالسطو على أفلامه، موضحاً أن هذه القنوات قامت بالسطو على أفلامه الجديدة بالكامل، وبعضها مازال يعرض بدور العرض، "مثلما حدث مع فيلم "حلاوة روح"، الذي مني بخسائر كبيرة جداً، سواء بمنعه أولاً من عرضه بدور العرض، وعندما كسبنا القضية، كان قد عرض عشرات المرات على هذه القنوات" .
وأعرب محمد السبكي عن غضبه الشديد لعدم تصدي الجهات المسؤولة لهذه القنوات ومنعها من ممارسة عملها الإجرامي، مشيراً إلى أن هيئة الرقابة على المصنفات الفنية لم تتصد لهم، ومسؤولو الدولة المتخصصون في هذا الشأن لا يتحركون، مشيراً إلى أن ما يغضبه بشدة في هذا الأمر، هو قيام بعض الشركات والمطاعم المصرية بالترويج لمنتجاتها من خلال هذه القنوات، وهو ما يؤكد أن هناك وكيلاً إعلانياً لهذه القنوات، لابد من القبض عليه ومعاقبته . وشدد السبكي على ضرورة إيجاد حل لهذه الأزمة، وإلا فستنهار صناعة السينما في مصر خلال الفترة المقبلة، مؤكداً أن الصناعة في خطر كبير، ولابد من إنقاذها .
من جانبه قال أحمد بدوي، مدير شركتي نيوسينشري ودولار فيلم للإنتاج السينمائي، إنه فوجئ بالعديد من القنوات التي تقوم بسرقة أفلام شركته، مشيراً إلى أن فيلمه "صنع في مصر" للنجم أحمد حلمي، تم السطو عليه بعد أيام قليلة من طرحه، وفوجئ بعرضه على شاشات مجهولة الهوية، مشددا على ضرورة التصدي وبشدة لهؤلاء من أجل حماية صناعة السينما في مصر، والتي بدأت تنتعش خلال الأشهر الماضية، فلا يجوز أن نترك من يسعى لتدميرها .
في السياق نفسه أقام المنتج والسيناريست حمدي يوسف دعوى قضائية ضد قناة "ماجيستك"، وذلك لسرقتها فيلمه "مهمة صعبة" قائلاً: قدمت شكوى رسمية لغرفة صناعة السينما، ومباحث المصنفات الفنية، ضد هذه القناة لقيامها بسرقة الأفلام المصرية دون وجه حق، ودون أن تتفاوض على شرائها، لكني لم أحصل على حقي .
وقال الدكتور سامي الشريف، رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون الأسبق: ظاهرة القنوات المجهولة تأتي امتدادا لظاهرة الانفلات الإعلامي، وعدم وجود قوانين وتشريعات تضبط العمل الإعلامي، لافتاً إلى أن أصحاب هذه القنوات أحياناً يفتتحون قناة بفروعها أي ،1 ،2 ،3 وعمل شبكة تلفزيونية، مؤكداً أن "هذه القنوات غير مكلفة، لذلك نجدها تنتشر بشكل سريع، لأنها ليس بها عمالة، فهي تعرض الأفلام المسروقة، ولا تتكلف سوى قيمة تأجير القمر الصناعي الذي تبث من خلاله، وربما يستعينون بشقة صغيرة لإقامة استوديو بها، لإذاعة فقرات الربط"، موضحاً أن سبب انتشار هذه الظاهرة هو غياب ضوابط الملكية الفكرية .
أضاف الشريف: هذه القنوات تجذب بعض المعلنين، لأن تسعيرة الدقيقة الإعلانية بها منخفضة للغاية، لذلك يذهب أصحاب المنتجات الرديئة لها، والأمر في النهاية يكون عبارة عن نصب، سواء من المعلنين أو أصحاب هذه القنوات .
بدوره قال الكاتب والمنتج محمد حفظي: المشكلة أنه إذا تم القبض على سارق هذه الأفلام يدفع غرامة 5000 جنيه فقط ثم يخرج، وللأسف يحدث ذلك من أشخاص ليس لديهم ضمير أو مسؤولية، فيقومون بسرقة أفلام تبلغ تكلفتها أكثر من عشرة ملايين جنيه ليستفيدوا فقط، وللأسف أيضاً لا يوجد قانون يحمي حقوق المنتجين، وأعباء الشرطة في الفترة الأخيرة تمنعها عن ملاحقة هؤلاء المجرمين . وأضاف: لا بديل عن دور الدولة أولاً، كي يتم القضاء على سرقة الأفلام وبيعها، إذ يجب عليها مخاطبة الأقمار التي تبث عليها هذه القنوات بشكل رسمي، لتخبرهم بأن الفيلم المصري يتعرض للسرقة على أقمارهم دون أن يكون للقنوات التي تعرضه أي حق في ذلك، فهذه إحدى الصناعات المهمة في الدولة، وأعتقد أنه إذا تدخلت الدولة بشكل جدي ستستطيع وضع حد لهذه القرصنة مع بقية الدول، إضافة إلى أن "النايل سات" يجب أيضاً أن يمنع القنوات من عرض الأفلام المسروقة، حتى إذا اضطر إلى إغلاق هذه القنوات كما فعل مع القنوات الدينية .
دعا المنتج محمد العدل إلى الوقوف بحزم ضد قرصنة الأفلام للحفاظ على صناع السينما، مشيراً إلى أن الأفلام تتكلف ملايين الجنيهات، ويأتي سارقها وينسف هذا المجهود بمنتهى السهولة، وتنهار الإيرادات، وتدريجياً بات هذا يؤثر سلباً على الآلاف ممن يعملون في الصناعة، خصوصاً أن أغلبية شركات الإنتاج توقفت عن مواصلة نشاطها خوفاً من الخسائر المادية الرهيبة التي تعرضت لها خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة .
الناقد السينمائي محمود قاسم قال: الأمر ليس مجرد سرقة فيلم وعرضه دون إذن منتجه، الموضوع أكبر بكثير، فهذه القنوات تدمر صناعة السينما المصرية بالكامل، القائمون عليها يسعون إلى تدمير صناعة عمرها يقترب من المئة عام لابد للدولة من التدخل فوراً للحد من هذه القرصنة، وهذا ليس بدعة، فكل دول العالم التي لديها صناعة سينما بإطلاق حملة عامة لإغلاق المواقع التي تقدم إصدارات مقرصنة من الأفلام المصرية، نظراً إلى أنها وراء الخسائر الكبيرة التي لحقت بصناعة السينما في السنوات الأخيرة .