السِحر، هو تغيير حالة الأشخاص والأحداث والأشياء، من دون خرق للقوانين الفيزيائية والطبيعية، وهناك اختلاف بين السحر وخفة اليد والشعوذة، إذ تطلق كلمة سحر على الثلاثة مجازاً، فخفة اليد فن ترفيهي يوحي بحدوث المستحيلات، ومهارة الحاوي في خدعة الجمهور وتشتيت انتباههم، من أهم عوامل نجاح خدعه . أما الشعوذة، وحسب ما يزعم المشعوذون، فهي استحضار قوى خفية تعطي الشخص ما يريد، كالتخلص من الخصم وتمارس بسرية .
تنظم سنوياً في مدينة لاس فيغاس بالولايات المتحدة، ندوة حول خفايا وأسرار السحر بمشاركة مجموعة من الحواة، وعلماء أعصاب من داخل الولايات المتحدة وخارجها، بغرض تسليط الضوء على الخدع السحرية بغية الوصول للكيفية الطبيعية التي تجعل الناظر يظن ما يقدمه السحرة واقعاً على الرغم من قناعته الشخصية بأنه يقوم على حيل بصرية أحكم صياغتها متخصصون في السحر .
ويدرك السحرة أن تركيز الإنسان سهل الاختراق ويمكن صرفه إلى معطيات ثانوية، ما يجعل كل ما يقدمونه يبدو صحيحاً للناظر، وعند فهم الأسباب التي تقف وراء إمكانية اختراق تركيز العقل البشري يمكن فهم الكيفية التي تصمم بها الخدع السحرية . ليس هذا وحسب، بل يمكن توضيح خدع الإدراك الموجودة في النشاطات الأخرى مثل الإعلانات التجارية وخفايا الحوار التجاري وعدد من العلاقات الشخصية في المجتمعات المختلفة .
وأول وأهم خطوة للساحر على خشبة المسرح، هي خدعة الجمهور وتشتيت انتباهه بشيء لا علاقة له باللعبة المقصودة، حتى يتسنى له إخفاء ما يريد مداراته عنهم عن طريق تغيير مفهوم اللعبة ارتكازاً على أن النتيجة النهائية لها وجه تفسير واحد، في حين أن ما ذهبوا إليه ليس بالمقصود وإنما جاء نتيجة صرفهم عن الأصل وإعطائهم برهاناً آخر . وهناك مجموعة لا حصر لها من الخدع التي تسهم في غاية كل حاوٍ عندما يعتلي المسرح منذ الوهلة الأولى .
ومن أشهر السحرة في العالم الغربي، بولو روبنز الذي لقبته مسارح الولايات المتحدة باللص، لأن ما يقوم به من حيل أشبه بعمل اللصوص حيث يحذر من يختاره من الجمهور بأن يكون حذراً كي لا يسرق منه ما لديه من مال أو ساعة يد، وفي نهاية الأمر يفاجأ بأن روبنز نال مناله وسرقه أحد مقتنياته الشخصية على الرغم من تركيزه معه أثناء أداء الحيلة .
وفشل أكثر من مئة متخصص في علم الأعصاب ونشاط العقل البشري في مقاومة خدع روبنز .
وبلغ روبنز مبلغاً تمكن به من سرقة الجمهور هزواً بما في ذلك محافظ النقود والساعات اليدوية والنظارات والمفاتيح والمبالغ النقدية، متبعاً خدعاً يتقنها جيداً مثل تسديد لكمات خفيفة بين الفينة والأخرى للشخص الذي يريد سرقته أو اتخاذه ككبش فداء لإقناع الجمهور .
وخلال احتفال في لاس فيغاس، تحدى روبنز الحاضرين ليعرفوا كيف يأخذ ممتلكاتهم الشخصية، وفي ظل تحديقهم في حركاته الخفيفة فوجئوا بأن مجموعة كبيرة منهم فقدوا ممتلكاتهم الخاصة . وروبنز هو الذي سرق الفريق الخاص بتأمين موكب الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، إذ فطنوا إلى أن كل ما يحملون من بطاقات ومبالغ مالية لديه على خشبة المسرح بما في ذلك مفتاح السيارة الخاصة بنقل الرئيس من مكان الاحتفال .
وتعتبر الطقطقة من أهم مهارات الساحر الصوتية والتي يستخدمها لإدارة انتباه الحاضرين، بالإضافة إلى مجموعة لا تتعدى العشرة من الأساليب المعروفة لدى السحرة يهتمون بتطبيقها في كل عرض تزيد وتقل حسب مستوى الجمهور . وجميع أساليبهم تعتمد على تفاصيل العرض المحكمة الصياغة . فكل ساحر يخبر مضيفه بأمر واحد فقط في حين أن الأهم منه ظل سراً على الرغم من أنه يأتي بالنتيجة النهائية .
تجرأ عالما أعصاب رائدان في مجالهما بالولايات المتحدة مؤخراً بإصدار كتاب بعنوان خداع العقل، واعتمدت دراسة ستيفن ماكنك وزوجته سوزانا مارتينيز من معهد بارو للدراسات العصبية بمدينة فوينكس بولاية أريزونا، على تحليل عدد من النشاطات العقلية أثناء مشاهدتها للمواقف الممتعة التي تساهم بشكل مباشر في صرف انتباه الشخص . وطرحا الدراسة على علماء أعصاب آخرين يجتمعون سنويا مع سحرة من جميع أنحاء العالم لاستكشاف التفاعل بين السحر، والدماغ، وانعكاس ذلك على نشاط الحياة اليومي .
هذا النوع من الاجتماع المتعدد التخصصات يعتبر من الشراكات الغريبة التي تحدث بين الحين والآخر في مجال العلم . وفي العقد الأخير، بدأ علماء الأعصاب إلقاء نظرة جدية على ممارسة التأمل في بعض الديانات، والتعمق في الانضباط الداخلي الموجه للعقل البشري، وخرجوا بنتائج أثارت استغراب الكثيرين، حيث ربطوا بين النشاطات العصبية بعمليات دماغية متزامنة مع حركة الساحر أو الحاوي .
وتقول دراسة ستيفن وسوزانا، إن كان المتأملون في بعض الديانات يعتبرون مهرة في تمرين عقولهم على الاهتمام والوعي بما يدور حولهم، فإن السحرة يتفانون في أساليب الدفاع عن ما يقدمونه على المسارح بالخدع فقط وليس بانتباه الحاضرين، إذ يعملون على إفشاله .
وقديماً، ركزت دراسات استخدام الحواس الخمس، بالإضافة إلى بعض ردود الأفعال مثل التوازن والحركة الذاتية، على إحساس واحد في وقت واحد . وفي السنوات الأخيرة، بدأ العلماء يبحثون فيما عرفوه بالحاسة متعددة الوظائف، وهي عملية تكامل الحواس الخمس وتفاعلها مع العالم الخارجي . إذ يمكن لمحفزين إعطاء ردة فعل تختلف كلياً عن محفز واحد وهذا العامل هو ما يرتكز عليه السحرة بإطلاق محفزين في آن واحد إلى عقل المشاهد .
ويعتمد السحرة على خدع بصرية وصوتية في آن واحد، وذلك يبدو جلياً في استغلال إمكانية صرف تركيز المشاهدين وتحويل ما يسمعون إلى ما يرونه في يد الساحر كالدمى والمناديل الملونة، فإذا أغمض المشاهد عينيه سيسمع كلمات غير التي كان يسمعها أو كان يتصورها . وهذا ما اعتبر علماء الأعصاب أنه تأثير مدهش من الساحر . ويحدث ذلك لأن الدماغ يبذل قصارى جهده للتوفيق بين المعلومات غير المتطابقة كلما استطاع ذلك، ففي دور السينما ندرك أن الكلام لا يأتي من شفاه الممثل الواضح على الشاشة، وإنما من مكبرات الصوت، ورغم ذلك يترجمها العقل البشري إلى حوار المشهد دون التركيز على مصدر الصوت، فإن سألته عنه يقول إن الصوت قادم من الشاشة، وكل ذلك بفضل الخلايا المتعددة الحواس .
وفي السياق نفسه، فإن ما يسمع من تأثيرات هو ما يحس بفعل إيهام الساحر للحاضرين . إذ يمكن فرك كفتي يديك معاً وإصدار أصوات مختلفة ومتداخلة بفعل تعرجاتها، وهنا، تأتي ترددات أعلى تجعلك تشعر كما لو أن يديك أخشن مما كنت تتخيل في السابق . أما انخفاض الترددات فسيعطيك الانطباع بأن يديك ناعمتان، على الرغم من أن شيئاً لم يتغير أثناء عملية الفرك لا في سرعتك ولا في طبيعة اليدين وهي ما لدى السحرة بالوهم المتعدد الحواس .
نفذ الساحر تيلر خلال تجمع لاس فيغاس الأخير، حيلة سحرية معروفة وسط السحرة وهي حلم البخيل، وهي لعبة تعتمد على مجموعة من قطع النقود المعدنية، حيث يمد الساحر يده اليمنى في الهواء ليبرهن على أنها فارغة، في حين شغل يده الأخرى بدلوا من الصفيح، ويبدأ في رمي قطع النقود ويصدر منه خشخشة ليثبت وجودها فيه وهذا ما يدركه العقل البشري، إلا أن لهذا معنى آخر هو صرف الانتباه . ثم يبدأ في التحرك في جميع أنحاء الغرفة، وسحب العملات المعدنية من ملابس الحضور . ويعود إلى خشبة المسرح، ويشرح كيفية عمل هذه الخدعة .
يقول تيلر: من أهم قدرات الساحر غريزة الجمهور لاستنتاج المسببات والنتائج، ويوضح، أنه تظاهر فقط بإسقاط عملات معدنية في الدلو . مستخدماً حركة نفض الغبار إلى أسفل لإعادة إخفاء النقود في يده . وهذا عمل تمويهي بمساعدة مرآة الخلايا العصبية لدى الإنسان، لذلك فإن الإنسان تهيأ لكيلا يرى ما هو طبيعي والانصراف إلى فهم الصوت كما يريد الساحر .
عرّف الفيلسوف وليام جيمس، عام ،1890 معنى الانتباه بأنه عملية تحكم العقل في شعور الفرد، هذا التحكم يحدث مواكباً للأحداث اليومية العادية أو عند سلسلة الأفكار التي تدور في خلد كل شخص، ويعتمد الانتباه على تنسيق وتركيز الإدراك، ما يعني أن الإدراك في مجمله عملية سحب معطيات عقلية محددة للتعامل مع الحدث الماثل أمام العين .
ومنذ ميلاد هذا التعريف، بدأ علماء الأعصاب في دراسة الإدراك على أنه يعود لمجموعة من عمليات دماغية معقدة ومتنوعة تظهر وتختفي حسب الحاجة، فعند النظر للساحر لا يمكن أن يختار العقل معطيات ومعلومات عن كره القدم وهو يظهر قطعاً من النقود، وإنما يستعين الساحر بإيحاءات قد تكون بعيدة عن ما يريد القيام به لتشتيت الانتباه، وليست بالضرورة أن يأتي بالحديث المباشر وإنما يمكن أن يظهر شيئاً أو يصدر صوتاً مثل الطقطقة والهمهمة .
ويعتبر النظر من أهم العوامل في تحديد وجهة انتباه كل شخص، في وقت يمكنه أن يصرف الآخرين عنه بتوجيه بصره إلى شيء في حين تركيزه في مكان آخر وهذا ليس في حسابات السحرة ولا يعني لهم شيئاً، لأن كل شخص يمكن أن يتحكم في عقله وتركيزه إن لم يصرفه الآخرون عنوة كما يفعلون .
ويعتبر عمل الساحر قرصنة في الدماغ، ولفهم المعنى الحقيقي لهذه القرصنة، يحتاج الواحد منا أن يقرصن نفسه . إذ يمثل التطبيق وجهاً واحداً لعملة القرصنة الدماغية بجانب القراءة عنه، ولا يزال الفرد منا يلهث وراء إنجاز أعماله بشكل جيد، حتى يصل للخبرة التراكمية الناتجة عن تجاربه في الحياة، والتي تساهم في كشف مقدرات عقلية جديدة، وللوصول إلى هذه المرحلة لابد لكل شخص أن يدرك ما يفعله وما يجب التركيز عليه في اللحظات الحاسمة قبيل الحصول على النتيجة النهائية، فإن بلغ الإنسان هذه المرحلة من التنبيه الفكري لن يرى سحر ساحر ولا خدع الحاوي .
ولا يمكن تصنيف تصميم الخدع القائمة على التجارب العلمية مثل دراسات الأعصاب، بأنه علم كامل وإنما فصل من علم الأعصاب والنشاط العقلي وضرب من فن المهارات الشخصية . والاثنان متطابقان، حيث يمكن تصميم فوازير رياضية تقوم على هذه الصيغة من الدراسات وفقاً لكل مجتمع . لذلك لن يكون ممكناً تصدير مبادئ السحر إلى معامل الإعداد العلمي، وإنما يستعين السحرة بالنتائج العلمية لتحديث ما لديهم من خدع، وليكونوا خبراء يتعين عليهم تعلم وممارسة السحر من منظور واقع الحياة اليومية إذ لا مجال للحاوي غير الترفيه .
السحر قديم قدم التاريخ، وكتب عنه قبل ما يقرب من 4000 سنة، ووردت في التاريخ قصص ساحر محكمة فرعون وشوارع وأسواق اليونان القديمة وروما . ففي كل مجتمع أحد من أشكال السحر . البعض يقول إن السحر أكثر عالمية من الفنون المسرحية، لأنه يترجم بسهولة من ثقافة إلى أخرى . وقبل عام ،1750 كان السحر يمارس في الهواء الطلق في الأسواق والمعارض التجارية . وكان للسحرة مراحل سنية خاصة بهم تؤهلهم كل حسب خبرته وعروضه وجمهوره . وحوالي سنة ،5000 كان في محكمة الملك خوفو ساحر يدعى ديدي يمارس سحره بقطع وإعادة رؤس الاوز والبجع .
سحر حربي
خدم الساحر الإنجليزي جاسبر ماسكلين (1902-1973)، كضابط في الجيش البريطاني في الفترة مابين (1930-1940) . وكان واحداً من عائلة عرفت في جميع أنحاء بريطانيا بممارسة السحر، إذ ورثه من جدوده ماسكيلين نيفيل وجون نيفيل . وخلال فترة عمله في الاستخبارات العسكرية البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية، خلق حيلاً سحرية ساهمت في تغيير مسار الحرب واشتهر بها على نطاق واسع داخل وخارج بريطانيا .
وعلى الرغم من أنه قضى معظم وقته في الترفيه عن الجنود، استغل مهاراته في التمويه خلال الحرب العالمية الثانية، وخلق سفينة حربية ألمانية وهمية على نهر التايمز باستخدام المرايا .
وجمع ماسكيلين حوله 14 جندياً وصفتهم قيادتهم لاحقا بعصابة الساحر، بما في ذلك مهندس معماري ونجار وخبير كيميائي ومهندس كهربائي وكهربائي ورسام . ووضعت عصابة الساحر عدداً من الحيل العسكرية السحرية، وفي إحداها استخدموا القماش الملون والخشب لجعل سيارات الجيب تشبه الدبابات وغيروا الدبابات إلى هيئة الشاحنات وشكلوا جيشاً مدججاً بالسلاح الثقيل .
وكانت أكبر أوهامه إخفاء الإسكندرية وقناة السويس لتضليل القاذفات الألمانية، إذ بنى نموذجاً بالحجم الطبيعي لأضواء مدينة الإسكندرية في خليج يبعد ثلاثة أميال من الموقع الحقيقي لها . وحمى قناة السويس ببناء مخروط من المرايا عكس خطاً من الضوء بطول تسعة أميال، بهدف إيهام الطيارين وتضليلهم عن الهدف .