وقد ورد اسم القاهر في سورة الأنعام: "وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير" وفي السورة نفسها "وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون" .
القهر في اللغة
ويقول الدكتور أحمد الشرباصي في "موسوعة الأسماء الحسنى": "إن القهر في اللغة هو الغلبة، والأخذ من فوق على طريق التذليل، وقهره إذا أخذه قهراً من غير رضاه . والقهر الغلبة والتذليل معاً، ويستعمل في كل منهما، وهو الاستيلاء على الشيء في الظاهر والباطن، والقاهر والقهار من صفات الله تعالى وأسمائه، وكلاهما ورد في القرآن الكريم . والقهار مبالغة في القاهر، فالله هو الذي قهر خلقه بسلطانه وقدرته، وصرفهم على ما أراد طوعاً وكرهاً، والقاهر هو الغالب جميع الخلق، "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون" .
والقهار - كما يقول بعض العارفين - "هو الذي قهر الكفار بظهور آياته، وقهر المعاندين بظهور بيناته، وقهر قلوب أحبابه على العكوف ببابه فأنسوا بجنابه، وقهر الروح وهي نور فسخرها للجسم وهو ظلام، وقهر العناصر فآلف بين الحار والبارد والرطب واليابس، وقهر العباد بالموت، "وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير" قهر الملائكة بالسجود لآدم وهو من الطين، وقهر الإنسان بالجوع والأمراض، حتى يذل لرب العالمين، وقهر الإنسان بالنوم على رغم أنفه، ولولا تجليه بالقهر ما خضعت النفوس" .
وإذا أراد المؤمن أن يتخلق بخلق القهار فعليه أن يقهر نفسه وشيطانه، والرجوع إلى الله الواحد القهار، بالاستسلام في كل الأمور، وقد قال العارفون: إن المقصود من ذكر اسم القهار هو أن تقهر شهوتك وغضبك، وترجع إلى الله، وأن تتعود الرحمة بخلق الله، وهذا يذكرنا بقوله عز من قائل في سورة الضحى: "فأما اليتيم فلا تقهر" .
الوهاب
يذكر الإمام محمد متولي الشعراوي، رحمه الله، في كتابه "شرح أسماء الله الحسنى" أن اسم الله الوهاب ذكر في قوله تعالى: "ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب" (سورة آل عمران: الآية 8) . والوهاب اسم من أسماء الله الحسنى على وزن صيغة المبالغة "فعال" والله تبارك وتعالى هو الوهاب بحق إذ هو الذي يهب ما يملك . . كما أنه هو الذي يعطي بلا مقابل ولا ينتظر الرد .
أما هبة المخلوق فهي هبة مجازية لأنه يهب ما هو موهوب له من الله عز وجل، كما أن هبة المخلوق قلما تكون بلا مقابل . . فإن لم يكن الوهاب يبغي من هبته مقابلاً دنيوياً فإنه لا محالة يبغي جزاء الآخرة . والحق سبحانه وتعالى لا ينال من عطائه للعباد أي مقابل على الإطلاق . . وإن قيل إنه جل شأنه يبغي من هذا العطاء أن يعبد مصداقاً لقوله تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" (سورة الذاريات: الآية 56) .
فالحق سبحانه هو الوهاب أزلاً وأبداً . . فحين خلقنا الله عز وجل من العدم كان ذلك هبة منه جل وعلا . . والكون كله هبة من الله تعالى للإنسان . . ويجب على الإنسان أن يعتقد اعتقاداً جازماً أن كل شيء هبة من الله تعالى . . فعطاء الله تعالى هبة، ومنعه هبة . . وإن النعمة قد تكمن في جوف النقمة . . والنقمة قد تكمن في جوف النعمة . . ولا يعلم أين الخير من الشر سوى الله عز وجل علام الغيوب، ومن تحقق أنه سبحانه الوهاب لم يرفع حوائجه إلا إليه . . ولم يتوكل على أحد إلا عليه .
الرزاق
يقول الدكتور أحمد الشرباصي في كتابه "موسوعة الأسماء الحسنى"، "الرزاق" اسم من أسماء الله الحسنى، وهو مشتق من مادة الرزق . والرزق هو ما ينتفع به، أو ما يسوقه الله للحيوان للتغذي، أي ما به قوام الجسم ونماؤه . ويسمى المطر رزقاً . وجاء في هذا قوله تعالى: "وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها" . "وفي السماء رزقكم وما توعدون" . ويقال الرزق للعطاء الجاري تارة، دنيوياً كان أم أخروياً . وللنصيب تارة، ولما يصل للجوف يتغذى به تارة .
والرزاق مبالغة من الرازق . وهو معطي الرزق . والرزاق لا يقال إلا لله تعالى . والرزق رزقان: رزق الأجسام بالأطعمة ونحوها . ورزق الأرواح بالعلوم والمعارف والإلهامات الصادقة . وهو أشرف الرازقين، لأن ثمرته باقية . ورزق الأبدان إلى مدة قريبة الأمد . وقال بعضهم: الأرزاق نوعان: ظاهرة للأبدان كالأقوات . وباطنة للقلوب والنفوس كالمعارف والعلوم .
والرزاق هو خالق الأرزاق . المتفضل بإيصالها إلى خلقه . المسبب لها الأسباب . وقيل: هو الذي يرزق الخلق أجمعين . وهو الذي خلق الأرزاق وأعطى الخلائق أرزاقها . وأوصلها إليهم . وقيل: الرزاق هو الذي يمد بفضله كل كائن بما يحفظ مادته وصورته، فيمد العقول بالعلوم، والقلوب بالمفهوم، والأرواح بالتجليات، والأبدان بالأغذية . وقيل: الرزاق هو الذي يرزق الأرواح والسرائر، كما يرزق الأشباح والظواهر، وقيل: الرزاق هو خالق الأرزاق والأسباب، رازق الأبدان بالأطعمة، ورازق الأرواح بالمعرفة، هو وحده مالك الرزق، ومن علم ذلك أيقن أن رزقه ليس في يد أحد غير الله سبحانه .
الرضا بالقسمة
وقيل: الرزاق هو الذي غذى نفوس الأبدان بتوفيقه، وجلى قلوب الأخيار بتصديقه . وقيل: الرزاق من خص الأغنياء بوجود الأرزاق، وخص الفقراء بشهود الرزاق، وقيل: الرزاق هو الذي يرزق من يشاء من عباده القناعة، ويصرف دواعيهم عن ظلمة الصناعة .
ومن آداب اسم الرزاق أن يعلم العبد أن ربه لا شريك له في رزقه، كما لا شريك له في خلقه، فهو يرجع إليه في جليل الرزق ودقيقه، وأن يرضى بقسمة الرزاق الوهاب، وأن يجعل يده خزانة لربه، كما أمر الله في قوله: "والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً"، وقوله سبحانه: "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط" .
وينبغي للعبد أن يعرف حقيقة وصف الرزاق، وأنه لا يستحقه إلا الله تعالى فلا ينتظر الرزق إلا منه، ولا يتوكل إلا عليه كما قيل لحاتم الأصم: من أين تأكل؟ فقال: من خزانته . فقال له السائل: أيلقي عليك الخبز من السماء؟ فقال: لو لم تكن الأرض له لكان يلقيه من السماء . فقال السائل: أنتم تؤولون الكلام . فقال حاتم: لأنه لم ينزل من السماء إلا الكلام . والله تعالى إذا أراد بعبده خيراً رزقه علماً هادياً ولساناً مرشداً معلماً، ويداً منفقة، متصدقة، ويكون سبباً لوصول الأرزاق الشريفة إلى القلوب بأقواله وأعماله، وإذا أحب الله تعالى عبداً أكثر حوائج الخلق إليه .