بمواد بسيطة للغاية لا تزيد على قطع من الخشب وخيوط من الصوف، وصبغات طبيعية مستخلصة من نباتات فرعونية قديمة، تقوم صناعة الكليم اليدوية في مصر، تلك المهنة التي تعد واحدة من أشهر المهن التقليدية التي لا تزال قائمة حتى اليوم، ويتوارث صناعتها الأبناء عن الأجداد، ولا تزال في الوقت ذاته صامدة أمام التطور الهائل الذي تشهده صناعات السجاد والبسط في العصر الحديث .

يفخر العم إبراهيم أحد كبار الحرفيين في تلك المهنة بما تصنعه يداه من لوحات فنية رائعة الجمال، مثلما يفخر كذلك بصناعته التي تحمل الكثير من الأسرار، وتعد تسجيلاً حياً لتراث حضاري وثقافي يضرب بجذوره في عمق التاريخ المصري .

تعتمد صناعة الكليم حسبما يقول إبراهيم عيد على الصوف، وهو نوعان أشهره البلدي الذي يتمتع بجودة النسيج، أو النيوزيلاندي وتكون فيه الفتلة أقل سمكاً، وتستخرج الخيوط البلدية من صوف الخروف، حيث يقاس فيها سمك الفتلة بالدرجات ففيها ما يسمي بالفتلة 2000 وأخرى 3000 وأقل درجة في سمك هي ما تسمى فتلة 6000 علماً بأن سمك الفتلة يرجع إلى طريقة غزلها أثناء تصنيعها، فكلما كانت الفتلة أقل في السمك كانت واضحة في الرؤية، وكلما كانت الخيوط أقل سمكاً كانت اللوحة رقيقة وخفيفة .

وترتبط درجة وضوح المنظر على اللوحة حسبما يقول العم إبراهيم بدرجة حجم الغرزة، فكلما كانت الغرزة ضيقة كانت الرسمة على اللوحة أكثر ازدهاراً ووضوحاً للعين، وتسمى الغرزة بالأرقام فمنها ما يطلق عليها 5 في السم أو 7 في سم أو 10 في سم، وهي أرقام تعني عدد الغرز في السم الواحد فكلما زاد عدد الغرز كانت ضيقة ومتجانسة وأوضح في الرؤية .

وتسمى اللوحة بالجوبلان وهي كلمة فرنسية، تناقلتها الأجيال من المصريين الذين يعملون في هذه المهنة، ونادراً ما يستخدم الصانع كلمة لوحة أو تابلوه، وبهذه الخيوط نصنع الكليم واللوحات، أما عن البورتريهات فتكون بالطلب من خلال صورة شخصية لصاحب البورتريه يتم تصميم البورتريه من خلالها .

وعن توافر الخامات والتسويق يقول إبراهيم: الخامات متوافرة لكن ينقصنا التسويق بسبب عدم إدراج منطقة كرداسة في خريطة التسويق للشركات السياحية، والاعتماد حالياً على الزبون المصري بعد أن كنا نخدم قطاع السياحة من خلال تسويق الصناعات اليدوية خاصة من هذا النوع من الصناعات، والتي كان لها إقبال كبير عند السائحين الأجانب والعرب وكان أكثر الأجانب إقبالاً على صناعة الكليم والجوبلان هم الفرنسيين والروس ودول شرق آسيا بصفة عامة ومن العرب الكويتيون والسعوديون والإماراتيين والبحرينيون، فعندما يزدهر الموسم السياحي يتوافد عدد من التجار ورجال الأعمال لشراء منتجاتنا وتسويقها في الغردقة وشرم الشيخ والأقصر وأسوان أو لفرش أرضيات الفنادق بالكليم المصري، وكذلك اللوحات التي تعلق على الجدران لإضفاء طابع مصري أصيل على المكان يستمتع به السائحون . وللكليم عدة استخدامات فهناك من يستخدمه كسجادة على الأرض، وهناك من يعلقه على الحائط أو من يستخدمونه كستائر على الشبابيك والشرفات، وكذلك يوجد من يستخدمه في تنجيد الوسائد والمراتب للكنب والمقاعد والكراسي .

ويستعين الحرفيون المهرة في صناعتهم بصور من كتاب وصف مصر، ويقول العم إبراهيم: نقتبس الكثير من المناظر الطبيعية الخلابة الموجودة في هذا الكتاب ونقوم بنقلها باستخدام خيوط الصوف لتخرج في النهاية تبلوهات فنية رائعة تجمع ما بين الفكر الثقافي والتراث الحضاري والصناعة اليدوية، وأكثر اللوحات شهرة في هذا الخصوص، التي تم اقتباسها من كتاب وصف مصر لوحة العاصفة، وهي لوحة تعبر عن حياة المصريين خلال حقبة تاريخية معينة كانت تزورهم خلالها عاصفة ترابية كثيفة الرمال تجعل تمثال أبو الهول كله يردم بالرمال ما عدا وجهه فقط يظل ظاهراً فسميت بالعاصفة، وهذه اللوحة يعشقها الأجانب ويطلبونها بالاسم .

ويتابع: حرفة التصنيع اليدوي للكليم هي حرفة ثقافية في المقام الأول، لأنها تقوم بتأريخ الكثير من الأحداث المجتمعية وتعبر عنها من خلال اللوحات المصنوعة من الخيوط فهي تعكس واقع المجتمع المصري وتسجل التراث الحضاري له وكان يهتم بها في السابق ويتم تدريسها في الجامعات وكليات الفنون التطبيقية والمعاهد الفنية قسم النسيج، ولكن في الوقت الحالي تم إهمال هذه المهنة تماما مع ركود نسبة تسويقها سواء في الأسواق المحلية أو في الأسواق العالمية من خلال تصديرها للخارج فهي الآن مهددة بالاندثار، خاصة بعد أن طغت الميكنة والأجهزة الحديثة على جميع الصناعات اليدوية . إلا أن هذه الصناعة تحديداً لاتزال تحتفظ برونقها ومحبيها في جميع بلدان العالم، ذلك لأن محبي اقتناء مثل هذه القطع من الكليم أو اللوحات اليدوية يعلم جيداً أن قيمتها المادية تزيد بمرور الزمن لأنها صناعة يدوية على خلاف ما شابهها من الصناعات المميكنة قيمتها تقل بمرور الزمن، وتوجد في العالم متاحف تضم بين مقتنياتها الأثرية والتراثية قطع من هذه الصناعة تصل إلى مرتبة التحف والأثر لمرور أكثر من 100 عام عليها ومنها قطع عربية الصنع ومصرية أيضاً، كما نجد قطع أنتيكة تباع في الغاليريهات تصل أسعارها إلى ملايين الجنيهات .

وتستغرق عمل اللوحة ما يتراوح بين ثلاثة أشهر وعام كامل حسب مساحة اللوحة والتركيز في إنجازها، أما عن الأدوات المستخدمة في الحرفة هي النول والخيوط والكف والمشط الذي يقوم بضم الغرز بعضها بجانب الآخر والنول مصنوع كله من الخشب فقط والخيوط من صوف الخرفان، وكذلك يمكن استخدام مواد طبيعية في صباغة الخيوط، وكلها أمور تدل على أن هذه الحرفة صديقة للبيئة وغير مكلفة للدولة لأنها لا تحتاج إلى وقود أو أي مولد للطاقة سوى الطبيعة ذاتها وليس على غرار ما تحتاجه المصانع من وقود تضر عوادمه ومخلفاته بالبيئة . وأما عن الصبغات المستخدمة في صباغة الخيوط فهي نوعان إما كيماوية وإما نباتية، فأما الثانية فيتم تصنيعها من الحشرات مثل الفراشات ودودة القز والمواد الطبيعية مثل أوراق الشجر ويوجد تفاوت كبير بين أسعار الصبغة النباتية عن الكيماوية فنجد سعر الكيلوغرام الكيماوية ب200 جنيه بينما يصل سعر الكيلوغرام من النباتية إلى 1200 جنيه، لذلك لا يستخدمها الحرفي في كل منتجاته وإنما في أعمال بعينها عندما يطلبها منه أحد زبائنه بشكل خاص لأنها مكلفة وترفع من ثمن القطعة المصنعة فقد تصل في بعض الأحيان إلى 5 آلاف جنيه، وتتراوح الأسعار بين 80 جنيهاً للقطعة . و6 آلاف حسب جودة الخامات المستخدمة فيها من خيوط ومواد صباغة، وأغلى قطع في العالم وأكثرها رواجاً هي القطعة المصرية ذات التصميم المملوكي، والتي تعبر عن تاريخ مصر في عهد المماليك .

وتبدأ رحلة صناعة الكليم اليدوي من الزراعة والنظام الغذائي في تربية الخروف، فليس كل خروف تصلح فروته في صناعة الخيوط المستخدمة في هذه الصناعة، فالصوف الجيد هو المستخرج من فروة خرفان أكل فيها الخروف بشكل جديد خاصة عندما يتغدى على الفول والبرسيم بنسبة كبيرة من غذائه تصل من 60 إلى 70% أما ما دون ذلك فتكون نوعية من الصوف رديئة تسبب مشكلات أثناء العمل، حيث تكون الفتلة مبذرة وتقطع أثناء العمل بها مما يؤدي لإتلاف عملية الإنتاج وتصعيبها، وبعد جمع الصوف يتم غزله وتحويله إلى خيوط ثم صبغه وبعدها يتم استخدامه في صناعة الكليم اليدوي، وبهذا يكون حرفي صناعة الكليم هو جزء من منظومة عمل كبيرة يعمل بها الكثير من الحرفيين .

وتتعدد التصميمات في صناعة الكليم والسجاد اليدوي ما بين تصميم ديزين تركي وآخر مغربي وآخر مملوكي وأهمهم التصميم البدوي والنوبي، وذلك فضلا عن المناظر الطبيعية والأشكال الهندسية كرسومات المثلثات المتداخلة وغيرها من الأشكال .

وأهم أسرار هذه المهنة هو أن تعطيك القطعة روح السجادة القديمة من خلال صبغها بما يسمى البرنجنمات وورق التفاح، وهي مواد يتم استخدامها في صباغة قطعة الكليم لتأخذ طابع وروح القطعة القديمة الأنتيكة، حيث تصبح القطعة أقل وزنا وأكثر نعومة، ما يوحي بأنها مستخدمة قبل ذلك، وكثيراً ما يستخدم هذا السر في خداع الكثير من محبي اقتناء القطع الأنتيكة من السجاد وإيهامهم بأنها قطعة قديمة .