في زمننا يختلف الناس كثيرا وهذا أمر طبيعي، حتى العلماء يختلفون في أمور، ولكنها في الغالب خلافات فرعية في الدين لا تمس الثوابت وهذا أيضا أمر طبيعي ومع الاختلاف كانت شهادة كل منهم للآخر عنوانا على سمو الأخلاق وعدم التعصب للرأي أو للمذهب.

كان الإمام الأوزاعي فقيه أهل الشام وإمامهم، وكان الإمام الليث بن سعد فقيه أهل مصر وإمامهم، ولكل من الإمام مالك والإمام الشافعي مذهبه ولكن ذلك لم يمنع أن يشهدا لغيرهما حتى لو اختلف معهما.

قال الإمام مالك: كان الأوزاعي إماما يقتدى به، وقال الإمام الشافعي: الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به، وقول الشافعي لم يكن مقصودا به أبدا التقليل من شأن الإمام مالك فقد كان أحد تلاميذه وكان الجميع يرددون لا يفتى ومالك في المدينة إلا أن الشافعي قصد أن الليث كان صاحب مذهب ورؤية لم تدم بعد موته لأن تلاميذه لم يفعلوا مثلما فعل تلاميذ أصحاب المذاهب الأخرى. ولكن من هو الليث بن سعد الذي قال عنه الإمام الشافعي هذا القول؟

هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي قال عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان: كان مولى قيس بن رفاعة وهو مولى عبد الرحمن بن مسافر الفهمي أي أنه كان فهميا بالولاء، قدمت أسرته من بلاد فارس وولد في مصر في عام أربعة وتسعين من الهجرة وفيها كانت نشأته.

التفرغ للعلم

كان لغنى أسرة الليث بن سعد فضل كبير في إقباله على العلم، والانصراف كلية لسماع الدرس والتحصيل ولم تضطره الظروف إلى اللجوء إلى عمل يتكسب منه عيشه أو يشغله عما هو فيه.

في شباب الليث في مطلع القرن الهجري الثاني كان اهتمام العلماء منصبا على الحديث النبوي الشريف، رواية وتدوينا وتدقيقا، وكانت لا تزال فيهم طائفة كبيرة من التابعين الذين عايشوا وعاشروا شريحة واسعة من الصحابة رضي الله عنهم.

ومن هؤلاء وغيرهم من تابعي التابعين تلقى الليث بن سعد العلم ومع حفظه من كل هؤلاء ودقته في الضبط والتحري للرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يجيل فكره وعقله ليستنبط الحكم السديد الصائب، فأصبح خلال فترة زمنية قصيرة علما من أعلام الفقه والعلم بالأحكام الشرعية وذاع صيته وانتشرت شهرته في أرجاء الأمصار الإسلامية واعتبره الجميع فقيه مصر وعالمها بلا منازع وصاحب كلمة الفصل لدى أهلها.

ولأنه كان فقيها بارزا فقد أخذ مكانته بين علماء وأئمة برزوا جميعا في عصر واحد، وهم أئمة الفقه أصحاب المذاهب مالك، وأبو حنيفة، والشافعي وكلهم عرف له منزلته ومكانته.

ومع كل هذا كان الإمام الليث حريصا، لا يتعصب لرأيه أبدا، ولا يمنعه شيء عن تغيير موقفه أو رأيه إذا ما وجد ما هو أحسن وأضبط وأولى بالاتباع.

لا جمود

يروى أنه تكلم في مسألة، فقال له رجل ممن سمعه: يا أبا الحارث في كتابك غير هذا. فقال: في كتابي أو في كتبنا ما إذا مر بنا هذبناه بعقولنا وألسنتنا.

ومن ذلك نستدل أن الليث رحمه الله لم يكن ليجمد عند رأي أو حكم مستنبط ويتوقف عنده، بل قد يراجع نفسه ويغيّر ما كان رأى إذا ما جد له جديد يخضع في تعايشه للعقل مع التوافق الشرعي للمنقول.. ونستدل أيضا من ذلك على أن الليث كانت له مصنفات ومدونات إما بنفسه أو بأحد تلاميذه الذين نقلوا عنه بإجازة منه.

وما من شك في أن الإمام الشافعي قد اطلع على بعض هذه المصنفات وعلم من خلالها آراءه وأقواله وكان لذلك عارفا لليث فضله وعلمه، وكان من شأنه عندما نزل مصر وأقام فيها أن أول ما فعله هو الوقوف على قبر الليث مترحما عليه، وكان مما أثر عنه قوله: لله درك يا إمام لقد حزت أربع خصال لم يكملن لعالم: العلم والعمل والزهد والكرم. أما كلمة إمام التي أطلقها الشافعي على الليث رحمهما الله فهي شهادة العالم للعالم بالإمامة، والتقدم والقدوة وحسن الأسوة، وهي شهادة نادرا ما نسمعها في زمننا هذا من عالم لعالم.

هارون الرشيد.. والليث

كان لليث بن سعد قدرة فائقة على التعامل مع المسائل التي يعجز أمامها العلماء، وفي قصته مع هارون الرشيد ابلغ دليل على ذلك.

حدث خلاف بين الرشيد وزوجه وابنة عمه زبيدة فقال لها: أنت طالق إن لم أكن من أهل الجنة في عرض كلامه ثم ندم، فجمع الفقهاء والعلماء من سائر الأمصار بحثا عن حل شرعي ليمينه وكان منهم الليث. وأخذ هارون يسمع من العلماء والفقهاء واحداً بعد الآخر حتى قال: بقي ذلك الشيخ في آخر المجلس لم يتكلم بشيء.

فقال الليث: قد سمع أمير المؤمنين قول الفقهاء وفيه مقنع، فرد هارون: لو أردنا سمعنا من فقهائنا ولم نشخصكم من بلدانكم، فقال الليث: يخلي أمير المؤمنين مجلسه إن أراد أن يسمع كلامي، فانصرف من كان بالمجلس فقال الليث: يا أمير المؤمنين، أتكلم على الأمان وعلى طرح التعمل والهيبة والطاعة لي من أمير المؤمنين في جميع ما آمر به؟ قال هارون: لك هذا.

فأمر الليث بمصحف جامع يأخذه الرشيد، ويتصفحه حتى يصل إلى سورة الرحمن وطالبه بقراءتها.

امتثل الرشيد وبدأ بقراءة سورة الرحمن حتى وصل إلى قوله تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبهِ جَنتَانِ فقال الليث: قف يا أمير المؤمنين هاهنا، فوقف الرشيد فقال الليث: قل: والله أي يقسم بالله فاشتد على الرشيد ذلك وقال: ما هذا؟ قال الليث: يا أمير المؤمنين على هذا وقع الشرط أي الطاعة فنكس هارون رأسه ثم رفعها، وقال: والله، قال الليث: الذي لا اله إلا هو الرحمن الرحيم، إلى أن بلغ آخر القسم، ثم قال: يا أمير المؤمنين، تخاف مقام الله؟ قال هارون: إني أخاف مقام الله، فقال الليث: يا أمير المؤمنين فهي جنتان وليست بجنة واحدة كما ذكر الله تعالى في كتابه، وهنا سمع التصفيق من خلف ستر وكانت وراءه زبيدة، التي كانت تستمع إلى الحوار الدائر بينهما.

كان هذا موقف الإمام الليث من المسألة التي عرضت عليه، أما موقفه من المكافأة التي أراد أن يقدمها له الرشيد فهو درس آخر.

عرض الرشيد على الليث الجوائز والخلع يختار منها ما يشاء فأبى وطلب من الرشيد أن يجعله وكيلا عنه في إدارة الضياع التي له ولابنة عمه زبيدة في مصر، بحيث يديرها لأمير المؤمنين، فلا يجري حيف أو ظلم على العمال، فاستجاب الرشيد لطلبه وزادت محبته واحترامه له لعلمه وصدقه وأمانته وعفافه وحسن نصيحته، وعينه قاضيا لمصر.

السخي الزاهد

كان الليث بن سعد بالإضافة إلى تفوقه ونبوغه في العلم كريما سخيا، يساعده على ذلك وفرة ثروته واتساع أملاكه، ومع هذه الوفرة لم تكن على أمواله زكاة بمرور الحول إذ كان كثير الصدقة والصلة والعطاء.

يقول حفيده عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد: سمعت أسد بن موسى يقول: كان عبد الله بن علي أبو العباس السفاح يطلب بني أمية فيقتلهم فلما دخلت مصر هاربا دخلتها في هيئة رثة، فدخلت على الليث بن سعد فلما فرغت من مجلسه خرجت فتبعني خادم له في الدهليز، ودفع لي صرة فيها مائة دينار وقال: يقول لك مولاي: أصلح بهذه النفقة بعض أمرك ولم من شعثك.

وكان في حوزتي ألف دينار فقلت للخادم: أنا عنها في غنى يقصد المائة دينار استأذن لي على الشيخ فأدخلني عليه، فأخبرته بنسبي واعتذرت إليه لردها وأخبرته بما مضى فقال: هذه صلة وليست بصدقة ولم يزل بي حتى أخذتها ففرقتها على جماعة.

كان لليث بن سعد بعض المواقف مع الإمام مالك بن انس، وقد بدأت صلتهما عندما حج الليث إلى بيت الله الحرام وزار المسجد النبوي الشريف فأهدى إليه مالك رطبا على طبق، فرد عليه الطبق وعليه ألف دينار وكانت الصلة بينهما متينة، قوية الرباط والاحترام متبادل، فكل منهما كان يعرف قدر الآخر من غير تنافس ولا تباغض.

وحدث علان بن المغيرة قال: سمعت أبا صالح يقول: كنا على باب مالك بن انس فامتنع علينا ولم يخرج لنا ولم يقابلنا، فقلنا: ليس يشبه صاحبنا أي: الليث فسمع مالك كلامنا فأدخلنا عليه وقال: من صاحبكم؟ قلنا: الليث بن سعد، فقال: تشبهونني برجل كتبنا له في قليل من عصفر نصبغ به ثياب صبياننا فأنفذ إلينا ما صبغنا به ثيابنا وثياب صبياننا وثياب جيراننا وبعنا الفضلة بألف دينار؟!

وروى تلميذه عبد الله بن صالح قال: صحبت الليث عشرين سنة، لا يتغدى ولا يتعشى وحده إلا مع الناس، وكان لا يأكل اللحم إلا أن يمرض، وكان الليث يمتنع عن المأكل الطيب رغم قدرته عليه وأيضا في الملبس والمشرب ومتاع الحياة كلها كان زهده زهد القادر لا زهد الذي لا يقدر فيضطر إلى التخشن مكرها.

كان إحساس الليث بن سعد بمن حوله وبلده عظيما، يقول: سألني هارون الرشيد يوما: يا ليث ما صلاح بلدكم؟ قلت: يا أمير المؤمنين، صلاح بلدنا بإجراء النيل وإصلاح أميرها، ومن رأس العين يأتي الكدر فإذا صنعت العين، صنعت السواقي، فقال الرشيد: صدقت يا أبا الحارث.

وعلى مدى نصف قرن من الزمان كان الإمام الليث بن سعد أمير مصر بلا منازع وقاضيها العادل وفقيهها بلا منافس وموئل البركة والجود فيها حتى وافته المنية عام أربعة وسبعين بعد المائة من الهجرة المشرفة عن عمر يقارب الثمانين عاما.