بهدف الحفاظ على كيان الأسرة من أي خلافات تهدد راحة أبنائها، تم مؤخراً تخريج كوكبة متميزة من منتسبي برنامج دبلوم تأهيل المحكّمين الأسريين الدفعتين الأولى والثانية، لإصلاح الشقاق بين الأزواج إن وقع، وذلك بالتعاون بين جمعية النهضة النسائية في دبي ومعهد دبي القضائي، للحصول على محكّم أسري قادر على البدء بدعوى يتقدم بها أحد الزوجين، ويسير بها وفق خطة إصلاحية لتقارب وجهات النظر وعودة الحياة إلى طبيعتها ونبذ الخصام . وخلال حفل تكريم الخريجين تم الالتقاء ببعضهم، وعبروا عن وجهات نظرهم حول برنامجهم الأول من نوعه على مستوى الدولة .
يقول عبدالعاطي الشرقاوي، (محكّم أسري سابق في محاكم دبي): التحكيم الأسري هو إرسال طرف من الزوج وآخر من الزوجة عند وقوع شقاق بينهما بأمر من القاضي، لينظرا في ما وقع بينهما، عملاً بقول الله تعالى: وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما .
ومهمة المحكّم الأساسية هي إزالة الشقاق بين الزوجين والسعي في الإصلاح إن استطاع إلى ذلك سبيلاً، إذ يتم الاجتماع بهما في أي مكان يحدده الطرفان، للبدء بالعمل بالتحاور والنقاش .
وعن خطة سير عمل المحكم الأسري يضيف: يخرج إعلان من المحكمة بقرار من القاضي، فيعلن قسم الأحوال الشخصية المحكّم، ويوجد إعلان وأرقام هواتف المدعي والمدعى عليه واسم المحكّم الآخر ورقمه هاتفه، وبعد ذلك يتواصل المحكمان عبر الهاتف مع الطرفين لتحديد موعد اللقاء والنظر في القضية وسماع الأقوال في جلسات متعددة مع الزوجين أو مع من يؤثر في سير الإصلاح في القضية، وإن تم الإصلاح فهو المطلوب، إذ ينتهي الشقاق برفع التقرير للقاضي، وإن لم يحصل ذلك أيضاً يكتب المحكّمان التقرير ويرفعانه للقاضي، إلا أن الغرض مختلف هنا، إذ إنه يرفع لتسوية الخلاف بموجب أربع فقرات من المادة (121) من قانون الأحوال الشخصية .
ويقول محمد إفرخاس، (إمام وخطيب في دبي): لكثرة القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية وبخاصة قضية التطليق للضرر، التي ترفعها المرأة للمحكمة عندما تحس بضرر في الحياة الأسرية، فقد ارتأت جمعية النهضة النسائية بالتنسيق مع معهد دبي القضائي تأهيل محكمين أسريين ذوي كفاءة في مجال الشريعة والقانون، ليكونوا على دراية تامة في المجالين، إذ إن كل منهما يعزز الآخر .
ونثمن جهود القضاة والمدربين والدكاترة، الذين أثروا أيام هذا البرنامج التدريبي بجلسات ممتعة تتخللها دراسات بعض الحالات الحقيقية والنقاش الفعّال أثناء عرض الوقائع السابقة، إضافة إلى مبدأ العصف الذهني، المتعلق بمعرفة ذهن المتدرب عبر إعطائه بعض الأفكار لتثيره على ابتكار أفكار جديدة . ولم يغفل هذا البرنامج الإجراءات المدنية والقانونية، التي يبثها القضاة أثناء الشرح والتفصيل في المواد المحددة، وتمت الاستفادة أيضاً من المحكمين الذين مارسوا التحكيم سابقاً .
ويقول ياسر محسن الشايع، (مصلح قضايا في محاكم دبي): استمرت الدورة لأربعة أسابيع، وتم اختيار المتدربين عبر تقييم اللجنة المشرفة من معهد دبي القضائي ومحاكم دبي . وقد أتاحت لنا فرصة التعرف إلى قانون الأحوال الشخصية وقانون الإجراءات المدنية، إذ قام المدربون بشرح الخطوات التي يقوم بها المحكّم، وتطبيقها عملياً عبر توزيع الأدوار لإصلاح حالات نماذج حقيقية .
ويشير إلى أن الدعوى تمر على جهات عدة قبل أن تصل إلى المحكم الأسري، فبعد تسجيل الدعوى يتم تحويلها إلى الموجه الأسري، وإن لم يتم الإصلاح بين الطرفين، يتم توجيهها إلى القاضي الشرعي، وإن لم يوفق هو الآخر في الإصلاح بينهما، فإنه يتم توجيهها للمحكم الأسري، الذي يحاول بدوره أن يصلح بينهما عبر الخبرات التي اكتسبها، وإن لم يستطع فيتحول الملف إلى القاضي الشرعي ليكون له قرار الفصل .
ويعتبر أحمد المغربي، (باحث في دائرة الشؤون الإسلامية في دبي)، أن التحكم الأسري يعتبر جانباً مهنياً قضائياً مع محكمة دبي، وليس مهمة مستقلة بذاتها، أو أن المحكم الأسري يتفرغ لهذا العمل لأنها ليست وظيفة، إنما تمارس عبر إحالة قضايا من المحكمة برقم وتاريخ، إذ إن هناك مكافأة يحصل عليها المحكّم تقدرها المحكمة في نهاية كل قضية .
ويقول: تعرفنا عبر الدورة إلى مخرجات كبيرة وعظيمة، تنصب على المجتمع والأسرة، التي تؤثر بشكل إيجابي في ترابطها وتقوية كيانها وعلاقتها والتقليل بشكل ملموس من الخلافات التي تحصل بين أفرادها، لا سيما الطلاق، وذلك بالاستفادة من تجارب دول نجحت في تقليل نسبتها، نتيجة لعمل المحكّم الأسري بدوره المطلوب وبشكل كامل .
ويعلق يوسف الشحي (مدرس تربية إسلامية في رأس الخيمة) قائلاً: الدورة خدمتني كمدرس، لأن تعاملي مع الطلبة في المدرسة له علاقة وثيقة وعلى احتكاك بالسلوكيات التي تعلموها من البيت . فقد أجد أحد الطلبة مشتت التركيز والانتباه ودراسته متدنية، وهنا المجال مفتوح لأن أتدخل وأحاول التوصل إلى السبب ومعالجة الأخطاء التي وقعت وأدت إلى ظهور هذا التقصير لديه، وغالباً ما تكون مرتبطة بمشكلات أسرية .
وفي مثل هذه الحالة يجب أن أنزل إلى مستوى الطالب، كي أتمكن من استيعاب مشكلته وإيجاد حل لها أو تقويم سلوكه السلبي الذي وقع فيه، لذا فإن الطالب الذي يصارح بمشاكله يساعد نفسه على التخلص منها وإيجاد العلاج المناسب لها .
ولا يقتصر دوري في المدرسة على معالجة الحالات السلبية فقط، إنما الاجتماع بهم، للاطلاع على الإيجابيات التي قاموا بها أيضاً وتشجيعهم عليها وتعزيز الجانب العملي في نفوسهم .
وقد وردتني حالات تفيد بوجود مشكلة بين الطلبة وآبائهم، إذ قمت بالجلوس مع الطرفين معاً وحاولت تقريب وجهات نظرهما، وذلك يتطلب منهم مصارحة تامة، كي نصل بهم إلى نتيجة إيجابية ترضي الطرفين .
ويقول عبدالله الموسى (اختصاصي أول توجيه وإرشاد وخبير أسري ومحكّم أسري في دبي): هناك خبرات لم أكن على اطلاع ومعرفة بها كمهارات التوجيه الأسري والفقه والفقه المقارن والأحوال الشخصية، وبعد انتهاء الدورة استجمعت معلومات كاملة عنها، وباستطاعتي الآن أن أتوسع أكثر فيها، لأننا تناولناها بشكل علمي ومؤسس لبناء ثقافة قوية بعد تعلمها .
وعبر إطلاعنا على الحالات المختلفة تمكنا من معرفة اتباع الخطوات الصحيحة منذ اللحظة الأولى للبدء في الدعوى، والتعرف إلى الطرف المخطئ لإسداء النصائح إليه . وتمتع المحكّم بروح الاطلاع واكتساب المهارة من تجاربه، بلا شك سيستطيع إيجاد الحل للكثير من الدعاوى التي يتسلمها، وبما أن دوري توعوي فقد أثرت الدورة الجانب القانوني لدي، لأكون قادراً على التعامل مع الدعاوى عبر القانون، إن لم أتمكن من الإصلاح بين الطرفين .
ويقول عبدالله هاشم درويش (موظف في دبي): التحكيم مهنة الإرشاد، نابعة من الحفاظ على الأسرة، وإن استطاع الواحد منا أن يستشعر بأهمية الأسرة وحاول أن يبذل قصارى جهده في أن يوفق بين أفرادها، سنكون قد أدينا الدور المطلوب بشكل صحيح .
وبما أن دراستي الجامعية كانت الإرشاد الأسري، فإن الدورة أضافت لي الكثير من المهارات والأساسيات في جوانب عديدة في الجانب الإرشادي إضافة للتحكيم، وقد جاءت مكملة للخطوة الأولى التي بدأتها في الجامعة وكانت خطوة نظرية، إلا أنها ونتيجة للاحتكاك المباشر مع المدربين فقد حصلنا على تجربة قوية لم نكن نحصلها في بطون الكتب . ويجد أن ممارسة المهنة والعمل كمحكّم أسري في الوقت نفسه قد يترتب عليهما الكثير من الأعباء على صاحبها، ولكن النية الصادقة تدفع الإنسان دائماً لاجتياز المصاعب في سبيل تحقيق الغايات الإنسانية النبيلة .
ويقول أحمد خليل (مستشار قانوني في دبي): ليس بالضرورة أن يكون المحكّم مفرغاً، إنما يمارس عمله، إضافة إليه يقوم بالتحكيم بين الأزواج . وبصفتي محامياً، فإنه تردني قضايا الأحوال الشخصية ومن ضمنها الطلاق بأنواعها ودعوى الطاعة وكافة أنواع القضايا الأسرية، لذا أردت أن أتخصص في التحكيم الأسري، كي أحاول الصلاح بين الأزواج قبل البدء بمعالجة القضية عبر القضاء، وأضافت الدورة بعداً جديداً لعملي الذي كان الطابع القانوني يطغى عليه، منذ بداية استلام القضية إلى انتهائها، بل أصبحت أكثر جدية في عملي بعد أن انتهجت خطة الإصلاح الأسري .
ويقول عوض حمد بن سليم الكتبي (مدير إداري في المحكمة الشرعية والمدنية ورئيس لجنة التوجيه الأسري في المدام): لقد أنجزنا المهم وبقي الأهم، ويتحقق ذلك في التعامل الحقيقي مع الدعاوى التي ستوجه إلينا بعد أن منحنا خبرة واسعة في التأمل بالدعاوى، وهذا لا يعني أنه لم يكن للدعاوى المعقدة اهتمام من قبل اللجنة المنظمة للدورة، بل قاموا بتهيئتنا للتعامل معها أيضاً، لمعالجتها بالطرق العلمية الحديثة .
وسروري ليس سببه الحصول على الشهادة فقط، إنما هو لأداء دور اجتماعي فاعل في الحياة، لذلك أتمنى أن تكون محاكم الإمارات من المحاكم المتميزة في العالم بأداء خدماتها، وألا تتوقف مثل هذه الدورات، ومواصلة طلب العلم في خدمة الوطن، لأنها مسؤولية كل مواطن ومواطنة .