وحول معنى الاسمين، قال الدكتور أحمد الشرباصي في موسوعة "له الأسماء الحسنى": "المعز" اسم من أسماء الله الحسنى . والمعز هو الذي يهب العز لمن يشاء من عباده، والمعزة في الأصل هي القوة والشدة والغلبة، واللهً هو العزيز، لأنه الغالب القوي الذي لا يغلب، وهو الذي أعز أولياءه فضلا بعصمته، وغفر لهم وأحلهم دار كرامته، ثم أكرمهم برؤيته ومشاهدته . فهو الذي يعز الأنبياء بالعصمة والنصر . ويعز الأولياء بالحفظ والوجاهة . يعز المطيع ولو كان فقيراً، ويرفع المتقي ولو كان عبداً حبشياً .
طريق العزة
وقد ورد وصف الحق تبارك وتعالى بالعزة في مواطن كثيرة من كتاب ربنا تبارك وتعالى، ففي (سورة النساء): "أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً"، وفي (سورة يونس): "ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم"، وفي (سورة فاطر): "من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور"، وفي (الصافات): "سبحان ربك رب العزة عما يصفون"، وفي (المنافقون): "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون" .
ويقول بعض العلماء: من أطاع الله واجتنب معاصيه أعزه الله تعالى فليس هناك طاعة إلا والعز معها، وليس هناك معصية إلا والذل معها، وقد ربط الله سبحانه العز بالطاعة، فهي طاعة ونور وكشف حجاب . وربط سبحانه الذل بالمعصية، فهي معصية وذل وظلمة وحجاب بينك وبين الله تعالى .
هيبة الذاكرين
ومن داوم على ذكر الله تبارك وتعالى جعله في مركز العزة، وأودع في قلوب الناس منه هيبته . وجاء في كتاب "الأنوار القدسية" أن العبد إذا أراد أن ينال حظاً وافراً من التخلق بهذا الاسم الكريم "المعز" فعليه أن يعز رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعز العارفين في عصره، فيحترمهم ويتواضع لهم ويبذل كل شيء في رضاهم .
و"المذل" اسم من أسماء الله تعالى، والذل ما كان عن قهر، والدابة الذلول هي التي ليست بصعبة، وقوله تعالى: "فاسلكي سبل ربك ذللا"، أي: منقادة غير متعصبة، وقوله سبحانه: "وذللت قطوفها تذليلاً"، أي: سهلت .
ويستحسن كثيراً أن يذكر اسم المذل مع اسم المعز . حتى إن الرازي يقول: يجب في أمثال هذين الاسمين ذكر كل واحد منهما مع الآخر . وهناك من يرى ذكر كل اسم منهما منفرداً، والخطب في ذلك يسير .
وفي النهاية إن المذل هو الذي يلحق الذل بمن يشاء من عباده وينفي عنه أنواع العز جميعها، وقيل: إن المذل هو الذي أذل أعداءه عدلا بعصيانهم ومخالفتهم، وأهانهم وطردهم وأدخلهم دار عقوبته . ويقول الرازي إن المذل هو الذي أذل أعداءه بحرمان معرفته، وركوب مخالفته، ثم نقلهم إلى دار عقوبته وإهانتهم بطرده ولعنته .
أنواع الذل
وفي القرآن المجيد، في (سورة الأعراف): "إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا"، وجاء في (سورة المجادلة): "إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين" . وقد تحدث الغزالي عن الطريق الذي يفتحه الإنسان على نفسه مقضيا به إلى الذل والهوان، فهو يرى أن من مد عينه إلى الخلق، حتى احتاج إليهم، وسلط عليه الحرص، حتى لا يقنع بالكفاية، واستدرجه بمكره حتى اغتر بنفسه، وبقي في ظلمة الجهل، فقد أذله وسلبه، وذلك صنع الله تعالى كما يشاء حيث يشاء، فهو المعز المذل، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، وهذا الذليل هو الذي يقال لمثله: "ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور، فاليوم لا يؤخذ منكم فدية"، وهذا غاية الذل .
والذل أو الإذلال أنواع وألوان، فالله يذل الإنسان الجبار بالمرض أو بالشهوة عن طريق المرأة، أو بطريق المال، أو بطريق الاحتياج إلى سواه، ولذلك كان من دعاء السلف: "اللهم أخرجنا من ذل المعصية إلى عز الطاعة ولا تذلنا لأحد من خلقك، وتوجنا بتاج عزك" .
وحين تكلم الرازي عن اسمي المعز المذل معاً قال هذه: "اعلم أن كمال الروح في أن تعرف الحق لذاته، والخير لأجل العمل به، فإذا صبر العبد بحيث يصير مستغرقاً في شهود أنوار الربوبية، منقطع الفكر عن كل ما سوى الله، فهذا هو الإعزاز المطلق، وإن كان بالضد من ذلك فهو الإذلال المطلق، وفيما بين هذين الطرفين أوساط مختلفة" .
وتحقيقه هو أن العزة في عدم الحاجة، وكمال هذا المعنى لله سبحانه، فلهذا قال: "فإن العزة لله جميعاً" . وكل من كان أقرب إلى حضرة الله كان حصول هذا المعنى في حقه أكثر، فلهذا قال: "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين" .
السميع
يشير الإمام محمد متولي الشعراوي، رحمه الله، في كتابه "شرح أسماء الله الحسنى" إلى أن اسم الله السميع ورد في القرآن الكريم في أكثر من موضع منها قوله تعالى: "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم" (سورة البقرة: الآية 127) .
و"السميع" اسم من أسماء الله الحسنى . والله هو السميع أي المتصف بالسمع لجميع الموجودات، من دون حاسة أو آلة، ويفسره ابن الأثير في النهاية بأنه هو الذي لا يغرب عن إدراكه مسموع وإن خفي، فهو السميع بغير جارحة وقيل هو الذي وسع سمعه كل شيء، فهو الذي يسمع نداء المضطرين، ويجيب دعاء المحتاجين، ويغيث الملهوفين، ويسمع حمد الحامدين فيثيبهم ودعاء الداعين فيستجيب لهم، فيدرك دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، وهو الذي يسمع خطرات القلوب وهواجس النفوس ومناجاة الضمائر، لا تمنعه إجابة دعاء شخص عن إجابة دعاء آخر، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يسمع كل نجوى ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء .
وقال الرازي: إن المشايخ قالوا في معنى اسم السميع إنه تعالى يسمع بدعوات عباده، وتضرعهم إليه، ولا يشغله نداء عن نداء، ولا يمنعه إجابة دعاء عن دعاء . وقيل: السميع الذي أجاب دعوتك عند الاضطرار، وكشف محنتك عند الافتقار، وغفر زلتك عند الاستغفار، وقبل معذرتك عند الاعتذار، ورحم ضعفك عند الذلة والانكسار، وقيل: السميع الذي يسمع المناجاة، ويقبل الطاعات ويقيل العثرات .