ويقول الدكتور أحمد الشرباصي في موسوعة "له الأسماء الحسنى" إن (المقيت) اسم من أسماء الله الحسنى، والقوت هو ما يمسك الرمق من الرزق، وهو ما يقوم بدن الإنسان من الطعام . وقال ابن عباس: إن المقيت هو المقتدر، وقال أبو عبيدة: المقيت هو الحفيظ . وفي النهاية لابن الأثير: من أسماء الله تعالى المقيت، وهو الحفيظ، وقيل: المقتدر، وقيل: الذي يعطي أقوات الخلائق . وقيل: المقيت هو الذي خلق الخلق، وساق إليهم الأقوات، وأوصل إليهم الضروريات والكماليات، ورزق قوت الأشباح وقوت الأرواح . وقيل: المقيت هو المتكفل بإيصال أقوات الخلق إليهم، وذكر الرازي أن المشايخ يقولون: المقيت من شهد النجوى فأجاب، وعلم البلوى فكشف واستجاب . وذكر القشيري أن المقيت بمعنى الحفيظ ومعطي القوت . وقيل: هو خالق الأقوات البدنية والروحانية، وموصلها إلى الأشباح والأرواح، وقيل: هو المتكفل بأرزاق خلقه، وخالق الأقوات، وفي تاج العروس: المقيت من أسماء الله الحسنى هو الحفيظ والمقتدر والقدير والمقدر .
وقد وردت مادة القوت، فقال تعالى في سورة فصلت عن الأرض: "وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين" .
القدرة والعلم
وقد فرق العلماء بين اسم المقيت وبين اسم الرزاق، فقالوا، إن المقيت هو خالق الأقوات وموصلها إلى الأبدان وهي الأطعمة، وإلى القلوب وهي المعرفة، فيكون بمعنى الرزاق، إلا أنه أخص منه، كما يذكر الغزالي، إذ الرزق يتناول القوت وغير القوت، والقوت ما يكتفى به في قوام البدن، وقد يأتي بمعنى المستولي على الشيء القادر عليه، والاستيلاء يتم بالقدرة والعلم وعليه قوله تعالى: "وكان الله على كل شيء مقيتاً" (أي مطلعاً قادراً)، فيكون معناه راجعاً إلى القدرة والعلم، ويكون وصفه بالمقيت أتم من وصفه بالقادر وحده، وبالعالم وحده، لأنه دال على اجتماع المعنيين، وبهذا يخرج هذا الاسم عن الترادف .
وقال بعض العلماء: المقيت بمعنى الرزاق، إلا أنه أخص منه، إذ الرزق يتناول القوت وغير القوت، والمقيت يكون بمعنى المسؤول عن الشيء بالقدرة والعلم .
ومن أدب العبد مع اسم المقيت ألا يقبل إلا الحلال الطيب، ليرتفع عند الله ذكره ويعظم أجره . وقد روي أن سفيان الثوري كان يتحرى الحلال من الرزق، حتى كان أولاده يقاسون أنواع الفقر .
ويذكر الرازي أن أحوال الأقوات مختلفة، فمنهم من جعل قوته المطعومات، ومنهم من جعل قوته الذكر والطاعات، ومنهم من جعل قوته المكاشفات والمشاهدات، فقال في الأولين: "خلق لكم ما في الأرض جميعاً"، وصفة الفريق الثاني يصورها قول بعضهم: "القوت ذكر الحي الذي لا يموت" وصفة القسم الثالث يصورها قول النبي عليه الصلاة والسلام: (أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني) .
الحسيب
يذكر الإمام محمد متولي الشعراوي، رحمه الله، في كتابه "شرح أسماء الله الحسنى" أن "الحسيب" من أسماء الله الحسنى . قال الله تعالى: "وكفى بالله حسيباً" (النساء: 6)، ومعناه شيئان: أحدهما: الكافي، والثاني: المحاسب، فإذا قيل: إنه بمعنى المحاسب، فمن قولهم: أعطاني حتى أحسبني (أي أعطاني ما كفاني حتى قلت: حسبي) .
وأما إذا كان بمعنى الكافي، فإن كفاية الله للعبد أن يكفيه جميع أحواله وأشغاله وأجل الكفايات ألا يعطيه إرادة شيء، فإن سلامته عن إرادة الأشياء حتى لا يريد شيئاً أتم من قضاء الحاجة وتحقيق المأمول .
وإذا علم العبد أن الحق سبحانه كافيه لم يرفع حوائجه إلا إليه فإنه سبحانه لسريع الإجابة لمن انقطع إليه وتوكل في جميع أحواله عليه، ولاسيما إذا كانت حاجته متمحضة في حق الله تعالى لأنه إذا كانت حاجته في حفظ نفسه فربما يحصل منع وتأخير في قضاء الحاجة .
وقد ورد اسم "الحسيب" في مواطن من القرآن الكريم، فقال تعالى في سورة النساء بشأن أموال اليتامى: "وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيباً" وقال في السورة نفسها: "وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيباً" وقال في سورة الأحزاب: "الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً" . وفي آيات أخرى جاءت مادة الحساب منسوبة إلى الله في مواضع فقال تعالى في سورة الأنبياء: "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين" . وقال تعالى في سورة البقرة: "أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب"، وقال في سورة آل عمران: "ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب" وقال في سورة المائدة: "واذكروا اسم الله عليه واتقوا إن الله سريع الحساب" وقال في سورة الرعد: "أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب" وغيرها من الآيات .
ومن أدب المؤمن أن يعلم أن الله تعالى يحاسبه غداً على الكبير والصغير ويطالبه بالنقير والقطمير، ومتى راقب العبد معنى الحسيب، وتجلى له نور القريب، انبثق في قلبه نور فإذا نفسه تحاسبه على تقصيره في الطاعة وتذكره بالحساب يوم القيامة، ويحاسب جوارحه على التقصير والعصيان، ويصونها عن الظلم والطغيان، ولذلك كان عمر رضي الله عنه يقول: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا" .
الجليل
"الجليل" اسم من أسماء الله الحسنى، تقول اللغة، جل يجل، أي عظم قدره والجليل من له الجلالة والعز والغنى والنزاهة، والجليل هو العظيم عما لا يليق، كاشف القلوب بأوصاف جلاله، وكاشف الأسرار بنعوت جماله وكل ما في العالم من جلال وكمال وحسن وبهاء، من أنوار ذاته وآثار صفاته .
وقيل: الجليل هو المستحق للأمر والنهي، الذي يصغر دونه كل جليل، ويتضع معه كل رفيع . وقيل: الجليل الذي جل من قصده، وذل من طرده . وقيل: هو الذي جل قدره في قلوب العارفين، وعظم خطره في نفوس المحبين . وقيل: الذي جل في علو صفاته أن يشرف عليه أحد، وتعذر بكبريائه أن يعرف كمال جلاله حينئذ، وقيل: هو الذي كاشف القلوب بوصف جلاله، وكاشف الأسرار بنعت جماله . وقيل: هو الذي أجلّ الأولياء بفضله، وأذل الأعداء بعدله .
وذكر الغزالي أن الجليل هو الموصوف بنعوت الجلال، ونعوت الجلال هي الغنى والملك والتقديس والعلم والقدرة وغيرها من الصفات التي ذكرناها . فالجامع لها جميعاً هو الجليل المطلق، الموصوف ببعضها يكون جلاله . بقدر ما نال من هذه النعوت، والجليل المطلق هو الله تعالى فقط .
واسم الجليل غير وارد في القرآن الكريم، ولكن ورد بمادته بمعنى الذي له الجلال، وقد ورد هذا مرتين في سورة الرحمن: فقال تعالى: "ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام"، وقال في ختام السورة "تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام" .
والجليل من العباد هو من حسنت صفاته الباطنة التي تستلذها القلوب البصيرة . أما جمال الظاهر فإنه أقل قدراً، ويذكر الرازي أن حظ العبد من اسم الجليل، يتمثل في براءته من العقائد الباطلة، والأخلاق الذميمة، واتصافه بالمعارف الحقة والأخلاق الفاضلة .