يقول محمد متولي الشعراوي، رحمه الله، في كتاب "شرح أسماء الله الحسنى": قوله تعالى: "والله عزيز ذو انتقام" أي: لا يغلب على أمره، ولا توجد قوة أخرى ضده، وانتقامه لن يستطيع أحد أن يرده .
والمنتقم اسم من أسمائه تعالى، ورد به الخبر، والانتقام افتعال من النقمة، يقال: نقم ينقم إذا كره منه الشيء غاية الكراهة، والانتقام غاية العقوبة على الشيء الذي يكرهه، قال الله تعالى: "وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا" (سورة البروج الآية 8) . أي: ما كرهوا منهم، وقال تعالى: "هل تنقمون منا" (سورة المائدة الآية 59) .أي: تكرهون، وانتقام الله تعالى عقوبة للعصاة على ما كره منهم، وليس كراهيته ككراهة الخلق من نفور النفس ولحوق المشقة، وإنما معناه ذمه لما كرهه وذم فاعله والحكم بعقوبته، والله تعالى ينتقم من عباده بعد طول الإعذار والإنذار وكثرة الإمهال وسابق الحكم، فإذا أبى العبد إلا إصراراً وعتواً وإعراضاً عن موافقته انتقم منه بعد ذلك، قال تعالى: "وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون" (سورة النحل الآية 112) .
العفو
قال تعالى: "إن الله كان عفواً غفوراً" (سورة النساء الآية 43) . "العفو" اسم من أسماء الله الحسنى، ومعناه أنه هو الذي يمحو السيئات ويتجاوز عن المعاصي، ولا يعاقب على الذنوب، ويصفح عمن تاب، وأناب، ويغفر له، ويبدل سيئاته إن شاء حسنات . قال تعالى: "إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفواً قديراً" (سورة النساء الآية 149) .
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله إن أنا وافقت ليلة القدر ما أقول ؟ قال صلى الله عليه وسلم: "قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني، أو اعف عنا" .
قال الحليمي في معنى: "العفو": إنه الواضع عن عباده تبعات خطاياهم وآثامهم، فلا يستوفيها منهم، وذلك إذا تابوا واستغفروا، أو تركوا لجهة أعظم مما فعلوا، ليكفر عنهم ما فعلوا بما تركوا، أو بشفاعة من يشفع لهم، أو يجعل ذلك كرامة لذي حرمة لهم به .
قال أبو سليمان: "العفو" وزنه فعول من العفو وهو بناء المبالغة، والعفو الصفح عن الذنب، وقيل: إن العفو مأخوذ من عفت الريح الأثر إذا درسته، فكأن العافي عن الذنب يمحو بصفحه عنه .
غفران الذنوب
ومن مظاهر عفو الله تعالى، كما يقول الشيخ الشعراوي، رحمه الله: إنه سبحانه وتعالى جعل العفو الشامل من الذي وسع ما يصدر من عباده من الذنوب، ولاسيما إذا أتوا بما يسبب العفو عنهم من الاستغفار، والتوبة والإيمان، والأعمال الصالحة، فهو سبحانه يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، وهو عفو يحب العفو، ويحب من عباده أن يسعوا في تحصيل الأسباب التي ينالون بها عفوه: من السعي في مرضاته، والإحسان إلى خلقه، ومن كمال عفوه أنه مهما أسرف العبد على نفسه ثم تاب إليه ورجع غفر له جرمه صغيره وكبيره، وأنه جعل الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب - أي تمحو - ما قبلها .
هذا، ومن عرف أنه سبحانه عفو طلب عفوه، ومن طلب عفوه تجاوز عن خلقه، فإن الله سبحانه بذلك أدبهم وإليه ندبهم، فقال عز من قائل: "وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم" (سورة النور الآية 22) .
ويقول الدكتور أحمد عبده عوض في موسوعة "أسماء الله الحسنى": يختص هذا الاسم بعدة خواص: الأولى، أن العفو هو الذي يترك المؤاخذة على الذنوب، ولا يذكرك بالعيوب، والكريم إذا عفا حفظ قلب المسيء عن الاستيحاش، ووجهه عن الخجل، فلا يذكره بسوء فعله . الثانية، أن العفو هو الذي أزال عن النفوس ظلمة الزلات برحمته ووحشة الغفلات عن القلوب بكرامته . الثالثة، أن العفو هو الذي يمحو آثار الذنوب، ويزيلها بريح المغفرة فهو يمحو الذنوب من ديوان الحفظة على أن ينسيها قلوبهم، وقلوب المذنبين أيضاً .
الرؤوف
قال تعالى: "وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم" (سورة النحل الآية 7) . "الرؤوف" اسم من أسماء الله الحسنى، ومعناه أنه ذو الرحمة الواسعة، والرأفة الجامعة الشاملة لجميع خلقه، والمتعطف عليهم بحنانه ويغفر الذنوب، ويعفو عن السيئات، ويحسن إلى عباده بنعمه، ويكشف الضر عنهم برأفة ورحمة ومنه عليهم، وهو المتعطف على المذنبين بالتوبة، وعلى أوليائه بالعصمة . قال تعالى: "ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، إن الله بالناس لرؤوف رحيم" (سورة الحج الآية 65) .
وحول اسم الله "الرؤوف" يقول الشيخ الشعراوي، رحمه الله: "فمن صفاته تعالى الرأفة والرحمة، والفهم السطحي لهاتين الصفتين يرى أنهما واحد، لكن هما صفتان مختلفتان، فالرأفة تزيل الآلام، والرحمة تزيد الإنعام، والقاعدة أن درء المفسدة مقدم دائماً على جلب المصلحة، فربك يرأف بك فيزيل عنك أسباب الألم قبل أن يجلب لك نفعاً برحمته . لذلك قال تعالى: "ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى" (سورة النحل الآية 61) .