تعتبر النقود شاهداً حياً وأحد مصادر الكشف عن تطور الكيان الحضاري في تاريخ الأمم والشعوب، فهي لها مدلول كبير يعكس قوة تلك الدولة أو ذلك المجتمع وحضارته، بل إنه يمكن من خلالها تلمس فنون تلك الأمة، والوقوف على عمق ثقافتها وشمول مجالات معارفها وإبداعاتها. ومن هذا المنطلق أصدرت وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع كتاب النقود الإسلامية الذي يؤكد الاهتمام بعناصر الثقافة كافة ويبرز دور الوزارة في اقتناء العملات التي تمثل تسجيلاً لتراث حضارة الأمة الإسلامية والعربية من خلال سك النقود عبر تاريخها الطويل.

الكتاب الذي ظهر مؤخراً بالأسواق بالعربية والانجليزية في نسخة واحدة للمؤلف عبدالله بن جاسم المطيري، ويقع في 274 صفحة مصقولة ملونة وبغلاف مقوى من القطع المتوسط. ويتضمن الكتاب صوراً فوتوغرافية للعملات من مختلف العصور الإسلامية، وتحت كل قطعة بيانات الخلافة والوزن والقطر والكلمات المكتوبة على الوجهين، ويعتبر الكتاب من المؤلفات المتخصصة في فن المسكوكات، ويعرض المؤلف فيه لبراعة المسلمين في سك النقود، وكيف اهتموا بهذا العلم والفن منذ الخلافة الراشدة وقاموا على تعريبها في العهد الأموي، وخاصة في عهد الخليفة عبدالملك بن مروان (65 86 هجرية) والذي يعتبر واضع أسس الاقتصاد الاسلامي المجرد من التبعية والتأثيرات الخارجية، ويؤرخ الكاتب لعهد عبدالملك بن مروان الذي فيه ضرب الدينار الإسلامي الخالص حاملاً على أحد وجهيه في الاطار نص:

محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وفي مركز العملة جاء نص: الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد.

وفي الوجه الثاني لا إله إلا الله وحده لا شريك له يحيط بها من الهامش: بسم الله ضرب هذا الدينار سنة سبع وسبعين.

يبدأ الكتاب بإهداء من الكاتب لكل محب للثقافة والتراث، ثم مقدمة وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، والتي تؤكد فيها حرصها على اقتفاء أثر العملات التي تمثل تسجيلاً لتراث الحضارة الإسلامية، ودورها في اقتناء العملات التي تمثل تسجيلاً لتراث وتاريخ الأمة. ويسرد الكاتب اسماء الخلفاء الراشدين، والأمويين ثم الأمويين في الأندلس، فالخلفاء العباسيين، والمدن التي تم الكشف فيها عن هذه العملات، ويذكر في صفحاته الأولى أهمية النقود ويوجزها في أربع نقاط، الأولى تعبيرها عن قوة الخلافة أو ضعفها، والثانية معرفة نقود العمال والولاة والتمييز بينها وبين غيرها، والثالثة معرفة المدن والأمصار التي سكت فيها هذه النقود، والأخيرة معرفة الجانب التاريخي والسياسي للخلافة من خلال صفاء المعادن التي سكت منها هذه النقود.

ويؤرخ المؤلف لدراهم صدر الإسلام والخلافة الأموية (18 78 هجرية)، وهي ما تعرف بالدراهم الساسانية الفارسية المعربة وكان الرسول صلى الله عليه وسلم أقرها، وهي مصنوعة من الفضة وتحمل على وجهها الأول صورة الحاكم الفارسي خسرو الثاني وخلف الصورة عبارة فارسية تعني الدعاء بازدهار الملك. وبعد أن تولى أبوبكر الصديق رضي الله عنه، أمر بكتابة بسم الله أو بسم الله ربي أو الحمد لله في هامش العملة، وهو ما تبعه الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وأضاف إلى بعض الدراهم بسم الله الملك أو الله أكبر.

وتمر العملة الإسلامية بمرحلة جديدة بعد ذلك في عهد خلافة عبدالملك، والتي استبدل فيها اسم الحاكم الفارسي باسم الخليفة وكتب على الهامش بسم الله مضافاً إليها شهادة التوحيد، ثم تأتي المرحلة الأخيرة من التعريب وتجريد الدنانير من جميع الشعارات الفارسية، وذلك في سنة 78 هجرية، وصولاً لما يعرف بدراهم الثوار، إذ لم يقتصر ضرب النقود الاسلامية على الطراز الساساني والمعروفة بالدراهم الساسانية المعربة على الخلفاء والأمراء والولاة فحسب بل امتد إلى الثوار ومدعي الخلافة، ومن هؤلاء قطري بن الفجاءة وجونة بن يزيد، واتخذ كلٌ منهم شعاراً لمسكوكاته.

ويتطرق المؤلف للنقود العربية الاسلامية الصرفة في العهد الأموي (77 132 هجرية) وهي مرحلة الدنانير، التي أتت بتولي الخليفة عبدالملك بن مروان ثاني خليفة أموي، حيث قام بتعريب الدواوين والأمور المالية والنقود تعريباً كاملاً وخلصها من التبعية الأجنبية، فقام بتعريب الدراهم الفارسية، والدنانير والفلوس النحاسية البيزنطية، لتنتقل العملة إلى مرحلة الدراهم العربية الإسلامية في عهد الخلافة الأموية، ومنها إلى دراهم الثوار المضروبة على الطراز الأموي (127 133 هجرية)، ثم نقود الدولة الأموية الأندلسية (138 422 هجرية)، فنقود الخلافة العباسية (132 656 هجرية)، ويشير المؤلف لعملات العصر العباسي الأول وخلفائه.

ثم يتطرق مؤلف الكتاب إلى قضية التزييف، إذ عرفه الإنسان منذ أقدم العصور ليس فقط على مستوى النقود فحسب، بل زيف الكثير من الوثائق والمخطوطات والتحف. ومع اتساع رقعة الدولة وترامي أطرافها، وخاصة في العصر العباسي، نجد أن الخارجين عن سلطة الدولة، قاموا بتزييف النقود، إذ إنهم قاموا بسك دنانير ودراهم من المعادن الخسيسة مثل الحديد والنحاس، وطلائها بالذهب أو الفضة على أنها دنانير ودراهم أصلية، كانت تدفع إلى بيت المال، ولا يكشف أمرها إلا بعد زوال المادة المطلية بها، وذلك لعدم تمكن صاحب بيت المال من كشف هذا الزيف. ويشير المؤلف إلى ان هناك الكثير من الدراهم المزيفة منها على سبيل المثال، ما زيف في عهد الخليفة محمد الأمين، مثل درهم ضرب بأمر المأمون يحمل اسم الوالي عثمان بن زفر الهلالي وسك في نيسابور سنة 194 ه، ونجد أن هذا الدرهم سك من معدن خليط من النحاس والحديد، وطلي بماء الفضة.

ويعلق المؤلف على قضية التزييف الحديثة لهذه المسكوكات النادرة على أيدي المتاجرين بالعملات الذين يزيفون ما ندر من الدنانير والدراهم تزييفاً كلياً، مثل دينار الملك عبدالملك بن مروان المضروب سنة 77 هجرية وذلك لقيمته العالية التي قد تصل إلى مليون درهم إماراتي، وهناك أيضاً العديد من الدنانير المزيفة جزئياً مثل محاولة تحويل دينار ضرب في مصر إلى مكة، حيث يقومون بفتح الصاد وغلق الراء، وذلك لخداع الناس بأن هذا الدينار ضرب في مكة المكرمة، والمعروف أن النقود التي ضربت في مكة نادرة، بينما النقود التي ضربت في مصر متوافرة، على اعتبار ان مصر كان يوجد بها دار سك منذ القدم، فيما نجد أن النقود التي سكت في مكة للمناسبات فقط، مثل زيارة الخليفة للحج أو العمرة، فعندها يأمر بسك نقود في مكة لقدسيتها وتعبيراً عن أهمية الزيارة.