قال تعالى "وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم" (سورة البقرة الآية 163) "الواحد" هو اسم من أسماء الله الحسنى، ومعناه أنه هو الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، ليس له شريك ولا ند، لم يزل وحده، ولم يكن معه آخر، لا شبيه له في صفاته، ولا شريك له في سلطانه، لم يتفرع من شيء، ولم يتفرع منه شيء، ليس كمثله شيء في الأرض ولا في السماء .
يقول الدكتور أحمد عبده عوض في موسوعة "أسماء الله الحسنى": ورد اسم الله الواحد في القرآن الكريم ست مرات، وكلها تدعو إلى توحيد الله . وورد اسم الله الواحد معرفاً بالألف واللام ومنوناً، مطلقاً يفيد المدح والثناء على الله بنفسه كما ورد ذلك في قوله تعالى: "يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار" (سورة إبراهيم الآية 48)، وقال تعالى: "إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون" (سورة النحل الآية22)، وقوله "قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار" (سورة الرعد الآية 16) .
ودائماً ما يقترن اسم الله الواحد باسمه القهار لأن علو القهر من لوازم الوحدانية، كما قال تعالى "لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار" (سورة الزمر الآية 4) .
وعن ابن بريدة، قال: حدثني حنظلة بن علي، أن محجن بن الأدرع حدثه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، إذا رجل قد قضى صلاته هو يتشهد، فقال : اللهم إني أسألك يا الله بأنك الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد غفر له"، ثلاثا . أخرجه النسائي .
ويختص هذا الاسم "الواحد" بعدة خواص: الأولى، أن الواحد هو الفرد المتفرد في ذاته، وصفاته وأفعاله، فهو واحد في ذاته لا يتجزأ، ولا يتناهى، واحد في صفاته لا يشبهه شيء، هو لا يشبه شيئاً، وهو واحد في أفعاله لا شريك له . الثانية، أن الواحد هو الذي تناهى في سؤدده فلا شبيه يساويه، ولا شريك يساويه، الثالثة، أن الواحد هو المنفرد في الذات، والواحد في الأفعال والصفات، له الإطلاق في التصريف، وهو الحكيم اللطيف، واحد في ملكه لا ينازعه أحد، وصفات جماله، وكماله بها الهدي والمدد .

"الواحد" و"الأحد"

ويرى الرازي أن الفرق بين الواحد والأحد من وجوه، الأول أن الواحد اسم لمفتتح العدد، فيقال :واحد واثنان وثلاثة، ولا يقال أحد اثنان ثلاثة . الثاني: أن أحداً في النفي أعم من واحد . يقال: ما في الدار واحد، بل فيها اثنان، أما لو قال ما في الدار أحد بل فيها اثنان، كان خطأ . الثالث: أن لفظ الواحد يمكن جعله وصفاً لأي شيء أريد، فيصح أن يقول: رجل واحد، وثوب واحد، ولا يصح وصف شيء في جانب الإثبات بالأحد، إلا الله الأحد، فلا يقال: رجل أحد ولا ثوب أحد فكأن الله تعالى قد استأثر بهذا النعت .
وينبغي مع اسم الواحد أن يخص المسلم قلبه بحب الله، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "إن الله وتر يحب الوتر" أي يحب القلب المنفرد له تبارك وتعالى، فمن عرف أن ربه هو الواحد، أفرد قلبه له ولذلك ورد الدعاء: "اللهم إني أسألك أن تملأ قلبي بحبك، حتى لا يكون لي شغل ولا هم سواك" .

الصمد

قال تعالى: "الله الصمد" (سورة الإخلاص الآية 2) "الصمد" هو اسم من أسماء الله الحسنى، ومعناه أنه تعالى يقصد في جميع الحوائج والنوازل، وهو الذي يلجأ إليه العباد فيعطى كل سائل مسألته بحكمة وعلم وقدرة، وهو الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم، وهو الذي أصمدت إليه الأمور فلم يقض فيها غيره . وهو الذي يلجأ إليه جميع الخلق في الشدائد والنوائب، وهو الصمد الذي لا يأكل ولا يشرب، وهو الباقي بعد خلقه .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله عز وجل كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: "اتخذ الله ولداً وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد" .
يوضح الدكتور أحمد عبده عوض أن هذا الاسم "الصمد" يختص بعدة خواص: الأولى، أن الصمد هو السيد الذي يصمد إليه في الحوائج والنوازل، وأصل الصمد القصد . الثانية، أن الصمد هو الذي يصمد إليه، ويقصد إليه في الرغائب، ويستغاث به في المصائب . الثالثة، أن الصمد هو الدائم الباقي بعد فناء خلقه، وهو الذي خلق الأشياء كلها لا يستغني عنه شيء . الرابعة، أن الصمد هو الذي تقدست ذاته عن إدراك الأبصار والعيان، وتنزه جلاله عن كل نقص فهو الصمد الكامل في قدرته وعظمته . ويقول محمد متولي الشعراوي رحمه الله في كتاب "شرح أسماء الله الحسنى": معنى هذا الاسم "الصمد" اسم من أسمائه تعالى، ومعناه الباقي الذي لا يزول، وقيل: الدائم وقيل : هو الذي لا يطعم، وقيل :هو الذي لا جوف له .

الباقي الدائم

وأما أهل اللغة فإنهم قالوا: الصمد الذي يصمد إليه في الحوائج، يقال :صمدت صمده،أي قصدت قصده، وهذا هو الصحيح، وقيل: هو السيد الذي لا ينتهي إليه السؤدد، وهو يؤول إلى ما ذكرناه أنه الذي يصمد إليه في الحوائج لأن الرغائب تتوجه إلى ذوي السؤدد والأكابر .
فإذا قيل: إنه بمعنى الباقي الدائم الذي لا يزول فمن حق من عرفه بهذا الوصف أن يعرف نفسه بالفناء والزوال وشك الارتحال، فيزهد في حطام الدنيا ولا يرغب في حلالها فضلاً عن حرامها، ولهذا قال أهل الحكمة : لو كانت الدنيا من ذهب يفنى والآخرة من خزف يبقى لوجب على العاقل أن يزهد في الذهب الفاني ويرغب في الخزف الباقي، فكيف والدنيا مذرة ومآلها إلى الفناء؟
وأما من علم أنه الصمد بمعنى أنه لا يطعم علم أنه يطعم، قال الله تعالى: "وهو يطعم ولايطعم" (سورة الأنعام الآية 14) . فتوجه رعايته عند مآربه إليه ويصدق توكله في جميع حالاته عليه فلا يتهمه في رزقه، كما أنه لا يستعين بأحد من خلقه عليه،فإنه الذي يحتاج إلى ملبوس مأكول لا تصدق الرغبة إليه في مأمول ولا يرجى منه النجح لمسؤول، وإذا عرف أنه الذي يصمد إليه في الحوائج شكا إليه فاقته ورفع إليه حاجته . فيجب على مكلف أن يعلم أن لا صمدية ولا وحدانية إلا لله وحده، فلا يقصد غيره، لا يلجأ في حوائجه إلا إليه، ثم عليه أن يتخلق بأخلاق السيادة والسادة، حتى يكون مصمودا، وبابه مقصوداً .