بيروت ربيع داغر:
على امتداد سواحل وجبال لبنان تنتشر المشاهد الطبيعية الخلابة والنادرة، والمعالم البديعة الخلق التي أتقنتها البيئة الطبيعية عبر فترات زمنية مديدة؛ ففي بلدة تنورين تحديداً في شمال لبنان، يبرز "بالوع بعتارة" المعروف ب"بالوع الثلاثة جسور"، معلم ضخم من صخر يطبع هذه البلدة، بطابع السحر والدهشة والجذب السياحي، وهو من هذه الناحية فريد من نوعه عالمياً: وهو أحد البالوعين الكبيرين في جنوب بلدة تنورين ومن بين عشرات الهوات والبواليع في أنحاء البلدة . بالتالي، هو فريد في شكله وأجزائه وجسوره، وعمقه الذي يبلغ إجمالاً 255 متراً، أما أجزاؤه فيطل المنخفض على هوة أولى من البالوع يبلغ عمقها 90 متراً وعرضها 100 متر . يخترق هذه الهوة من وسطها ثلاثة جسور طبيعية متراكمة . أجملها الجسر الأوسط الذي يبلغه الزائر بسهولة ويستطيع من عليه مشاهدة تفاصيل الهوة من رأسها حتى القعر؛ كما يستطيع - حتى أوائل شهر يونيو/حزيران مشاهدة شلال غزير ساحر يبلغ ارتفاعه 90 متراً يصب في الهوة ثم يبلغ قعرها ويغور في دهاليزها السرية .
أما الهوات الثلاث الباقية من البالوع فهي شديدة التعقيد، تضم سراديب وبرك وهاويات متفرقة وقاعات مغمورة بالمياه متشابكة مع بعضها بعضاً، ومنفصلة في البعض الآخر . يذكر أيضاً أن في البالوع وفوق الجسر الأوسط "محبسة"، وهي عبارة عن هوة ومغارة طولها 15 متراً وعمقها 61 متراً .
في الإطار ذاته، استغرق تكوّن فوهة البالوع الطبيعي نحو 150 مليون سنة، بحسب العلماء الجيولوجيين، وهو يعد، علمياً، " بالوعاً حياً"، أي إن المياه لا تزال تسقط فيه إلى الآن . وأثبتت الاختبارات اتصال مياهه بمياه نهر دلّلي في بلدة كفرحلدا التي تبعد أكثر من عشرة كيلومترات عن مركز البالوع غرباً .

بالوع فريد في شكله وتكوينه

في منطقة بلعا جنوب تنورين ومن جهتها المتاخمة لبلدة اللقلوق المسماة "بعتارة"، وعبر الطريق العام تصل سهلاً منخفضاً قليلاً، ثم، ومن خلال طريق وعرة، بين مرتفعين وعبر أدراج طبيعية، يبدو البالوع قابعاً في منخفض مهيب تشرف عليه أشجار شاهقة أحدثت فيها عوامل التعرية أشكالاً أخاذة من تجويفات ومسلّات . وفي شبه باحة كبيرة، يصل الزائر إلى فوهة ضخمة سحيقة، في منظر طبيعي وحشي رائع .
يتميز البالوع ذات الجسور الثلاثة عن سواه من البواليع والهوّات بأنه سهل نسبياً من ناحية الوصول إليه؛ وهو ذو مدخل وشكل فوحة وعمق نادر، ما يجعله في مصاف البواليع الأجمل عالمياً، إلى ذلك فبالوع بعتارة يمكن استثماره اقتصادياً من خلال تأهيله ليتمكن الزوار من مشاهدته من عدة أماكن . والمفارقة تكمن في أن بالوع بعتارة معروف وشهير عالمياً أكثر من شهرته على صعيد لبنان .
العديد من الروايات والأقاصيص غير المثبتة عن البالوع ومحيطه لا تزال تروى، ومنها أن هناك طيوراً يزيد عدد ألوانها على العشرين توجد أحياناً فيه . كما يحكى عن وجود كنز يحميه رصد رجل راكب على خيل يجول في المنطقة المجاورة للبالوع . وهي روايات لا يسندها العلم، لكن وحشة المنظر ورهبته وجماله الواقعي قد تؤيدها لدى الزائر المسحور بالمعلم الطبيعي المهيب .