القاهرة - "الخليج":
لم يكن "برج القاهرة" مجرد بناء شاهق، تستطيع أن تصعد إلى أعلى نقطة فيه، من خلال المصعد، عبر 45 ثانية، لتشاهد صورة بانورامية للقاهرة، من الأهرامات إلى النيل إلى قلعة صلاح الدين، فكل حجر وضع في هذا الصرح، وراءه قصة مخابراتية ومهندس مصري عبقري، فمنذ أن تم افتتاح البرج في إبريل/ نيسان عام ،1961 ظل يؤدي خدماته السياحية، إلى أن تقرر إجراء صيانة له، تناولت كل مكوناته، واستغرقت قرابة عامين كاملين، انتهت في 11 إبريل/ نيسان عام .2009
"برج القاهرة"، كما يؤكد اللواء الدكتور عادل شاهين وكيل المخابرات العامة سابقا سيظل درساً لكل من تسوّل له نفسه أن يفكر يوماً في شراء ذمم أبنائها، أو يكسر إرادتها، أو يحاول استثناءها، لتحيد عن دورها القومي في محيط أمتها العربية، ودورها الإفريقي والإقليمي والدولي، كما أنه سيظل درساً ماثلاً للرد على الغطرسة الأمريكية، سواء على المستوى السياسي أم المخابراتي، وبالتأكيد فإن "برج القاهرة" شاهد على نقاء الذمة المالية وطهارة اليد والضمير التي تحلى بها الرئيس جمال عبد الناصر، ورجال جهاز المخابرات في ذلك الوقت .
بدأت حكاية البرج باتصالات من ضابط المخابرات الأمريكي "مايلز كوبلاند"، وحسن التهامي مستشار عبد الناصر في العام ،1955 وكان الهدف هو تحييد مصر، وإثناءها عن مساندة حركات التحرر في إفريقيا، والجزائر على وجه الخصوص، وكانت الوسيلة حقيبة فيها ستة ملايين دولار، قدمها "كوبلاند" إلى "التهامي" هدية (رشوة) إلى جمال عبد الناصر، وكان رد فعل ناصر بمجرد معرفته بالأمر: "هي ليست هدية، إنها قنبلة لاغتيال ذمتي المالية لاغتيالي معنوياً" .
طلب عبد الناصر الرد خلال أسبوعين من جهاز المخابرات المصرية، بحيث يكون ذلك الرد رسالة موجهة تظل عبر السنين، تعبر عن الخزي والعار للمخابرات الأمريكية، وتعبر أيضاً عن عزة الشعب المصري وكرامته التي لا تشترى ولا تباع، وفي اجتماع داخل أروقة جهاز المخابرات عرضت اقتراحات استثمار هذا المبلغ، بعضها يعرض بناء عمارة شاهقة تكون ملكاً للدولة، والبعض الآخر اقترح بناء مدارس عدة، أو تجديد عدد من الكباري الواقعة على ضفاف النيل، أو توسيع الطريق الصحراوي بين القاهرة والإسكندرية، إلى أن استقر الأمر على بناء معلم سياحي، يمكن الاستفادة منه في تركيب معدات لمحطة إرسال إذاعي سرية .
استحسن عبد الناصر الفكرة وأمر بالبدء فوراً في دراسة المشروع واختيار المكان المناسب له، ووقع الاختيار على جزيرة الزمالك لإقامة البرج السياحي، وبدأت أولى خطوات التنفيذ باتباع المنهج العلمي، حيث تمت الاستعانة بأحد أكبر أساتذة العمارة والإنشاءات في جامعة القاهرة، وظهرت أولى المشكلات، الخبراء يقولون إن البناء في هذه المنطقة يحتاج إلى معالجة فنية وحقن للتربة، وهذا أمر تكلفته عالية في ذلك الوقت، ومن ثم فإنهم يفضلون البحث عن منطقة أخرى، وقد برروا ذلك بأن منطقة الجزيرة المطلوب بناء البرج عليها، أرضها رسوبية، نتيجة تراكم الطمي لمئات السنين .
أساتذة العمارة في جامعتي القاهرة والإسكندرية لديهم ملاحظات جوهرية على المكان، فكان لابد من توسيع دائرة الاستشارات، واللجوء إلى أصحاب شركات الهندسة الإنشائية، وهنا ظهر المهندس "نعوم شبيب"، وبعد تجارب عدة في مكتبه على قطع من الصلصال أجاب "شبيب" بحسم: "أنا أستطيع أن أبني البرج المطلوب بالمواصفات التي يطلبونها في هذا المكان" .
وكانت النقطة الثانية أنه لن يتقاضى أتعاباً، وطرح تصوره للشكل الخارجي للبرج، مفضلاً أن يكون على شكل زهرة اللوتس، التي كان المصريون القدماء يفضلونها في بناء معابدهم ومقابرهم التاريخية، ويقتصر البناء على أحجار الجرانيت وخليط الأسمنت والرمل، ويستغرق العمل بالمشروع أربع سنوات .
وكما يقول اللواء الدكتور عادل شاهين: "يحسب للمهندس" نعوم شبيب أنه في تصميمه للقواعد التي يرتكز عليها بناء البرج لم يشأ أن تكون قاعدته على اتساعها كتلة صماء من الخرسانة المسلحة، لكنه ارتأى أن تكون قواعده تحت الأرض على عمق كبير، وتحتوي شبكة من الحجرات والمربعات في كل الاتجاهات والمسافات تمتد لقرابة 100 متر في كل اتجاه، وتم استبعاد خامة الحديد من البناء، من منطلق فني معماري . وبسبب العدوان الثلاثي على مصر توقف العمل في المشروع إلى أن اكتمل بناء البرج في شكله النهائي بارتفاع يصل إلى 187 متراً، ويتكوّن من 16 طابقاً، وقد تكلف بناؤه ستة ملايين جنيه مصري، واشترك في بنائه 500 مهندس وعامل، وتم افتتاحه في العام ،1961 كان للبرج - كما كتب جمال حماد - اسمان، فالأمريكيون أطلقوا عليه "شوكة عبد الناصر"، أما المصريون فأطلقوا عليه "وقف" روزفلت، لكنه في كل الأحوال يعتبر رمزاً لأكبر وأطول "لا" في التاريخ .