قليل من الأفلام يقف موقفاً وسطاً بين الدراما والكوميديا، والذي يطلق عليه مصطلح الدراميديا، هذا المصطلح الغريب علينا في السينما العربية، لأننا اعتدنا على أن الأفلام نوعان: تلك التي تجعل الدموع تنهمر من أعيننا أنهاراً، وأخرى تثير فينا الضحك حتى نشعر باللهاث، أما أن يثير فينا العمل الفني ابتسامة ممزوجة بالحزن، أو دمعة مبللة بالفرحة، فهذا يبدو مستحيلاً، مع أن اللغة العربية وحدها وكل ميراثها تعرف معنى الشجن الذي لا تجد له مرادفاً في اللغات الأخرى، وذلك هو الشجن المرح الحزين، الذي يتخلل عالم فيلم حياة دان الحقيقية.

في الحقيقة أنك لن تجد الدراميديا، إلا في تلك الأعمال الفنية التي تتأمل موقف الإنسان العادي بالكثير من التعاطف والشفقة، وهو في حياته اليومية بتفاصيلها التي تبدو تافهة وأحداثها التي تظهر عابرة، ولكنها هي التي تصنع المصائر وتكون جوهر الشخصيات، ومرة أخرى فإن أصدق نموذج فني على هذا العالم، هو أعمال أنطوان تشيكوف، كاتب القصة والمسرحية الروسية الذي لم يكن يتوقف لحظة واحدة عن تأمل البشر أخيارهم وأشرارهم بقدر كبير من الحنان، وكانت أعماله بحق شرائح من الحياة الحقيقية، ولَعَل ذلك ما يثبت الوشائج القوية بين أعمال تشيكوف، وفيلم حياة دان الحقيقية، وهو أمر ليس بالغريب، فمخرجه المشارك في كتابة السيناريو هو بيتر هيدجز، الذي عمل لفترة طويلة في كتابة المسرحيات، لذلك يبدو الفيلم الذي يدور معظمه بالفعل في مكان واحد أقرب إلى المسرحية التي تترك أحداثها تفصح عن نفسها من خلال تفاعل الشخصيات، المرسومة جيداً، دون أن تكون هناك حبكة جاهزة ظاهرة تقود الشخصيات، والمكان الوحيد في الفيلم هو اجتماع أسرة كبيرة خلال إحدى العطلات، ليمضي التفاعل بينهم عبر بضعة أيام، من خلال العديد من الخيوط الدرامية التي تلتقي وتتباعد بقدر كبير من العفوية والتلقائية.

في البداية سوف نتعرّف إلى الشخصية الرئيسية، دان بيرنز (ستيف كاريل)، الذي يعمل صحافياً في إحدى الصحف المحلية، وظيفته كتابة باب تحت اسم حياة دان الحقيقية، يقوم فيه بالرد على مشكلات القراء، بينما تبدو حياته الحقيقية، مأزقاً يومياً لا فكاك منه، حيث نراه يقوم بإعداد الإفطار وحده في ربكة واضحة، وسرعان ما نعرف أن الرجل في الأربعينات من عمره، أرمل توفيت زوجته منذ سنوات قليلة، تاركة له ثلاث بنات في مراحل مختلفة من العمر، لا يعرف كيف يتواصل معهن: الشابة جين أليسون بيل في السابعة عشرة من عمرها، وتبدو مستقلة بنفسها وقراراتها في صمت، والمراهقة كارا بريتاني روبرتسون التي تحاول أن تخفي عن أبيها مشاعر حبها لابن الجيران مارتي، لكنه يحاول أن يمارس مراقبته اللصيقة عليها، وأخيراً الطفلة الصغيرة ليلي مارلين لوستون، التي لا يتصور أبوها أنها تملك من الذكاء ما يكفي لتفهم ما يدور في العالم حولها.

ويقدم لنا الفيلم إذن شخصية الأب دان وعالمه في هذه المشاهد الافتتاحية، ليضعه بعد نزول التترات مع بناته في اجتماع عائلته الكبيرة، التي تضم أباه بوبي جوني ماهوني، وأمه دايان ويست، وشقيقه ميتش دين كوك مع بعض أقارب آخرين.

ورغم هذا الزحام فإن دان يشعر دائماً بالوحدة، ويكتشف لسوء ظنه أنه لن يجد مكاناً للنوم إلا غرفة الغسيل لأن هناك صديقاً جديداً منتظراً سوف يصل. يقوم بالتجول في سيارته في بعض المحلات القريبة، لينتهي به الحال إلى مكتبة يقرر أن يقضي فيها وقتاً، وهناك تظهر المرأة الجميلة ماري جولييت بينوش التي تتصوره للوهلة الأولى موظفاً في المكتبة فيقدم لها المساعدة، لكنها عندما تكتشف الحقيقة تقول له مبتسمة إنه جدير بالعمل هنا لثقافته الواسعة، ليقضيا بعض الوقت في مطعم قديم، ويحكي لها دان عن وحدته، وعندما يبدو أنه على وشك العثور فيها على ضالته المنشودة كرفيقة حياة تخبره بأن لها رفيقاً، فيقنعها في مراوغة بأنهما مجرد صديقين، ويفترقان.

عند عودة دان إلى منزل الأسرة الكبيرة، يكتشف أن الغريب المنتظر وصوله بين لحظة وأخرى هو ماري ذاتها، لأنها الخطيبة المتوقعة للشقيق ميتش، وهكذا، فإنّ الفيلم لا يبني حبكته أو مأزق البطل على استمرار سوء الفهم، وإنما على إدراك البطل منذ اللحظة الأولى أن هناك توتراً حاداً بين رغبته في الارتباط مع ماري، كونها خطيبة شقيقه، وهذا التوتر هو مصدر الطاقة الدرامية الكوميدية، التي سوف تمنح مواقف الفيلم كل لحظات السعادة والشقاء لبطله، من خلال الأحداث اليومية لأفراد هذه الأسرة الكبيرة التي اجتمعت لأيام قليلة ثم يذهب كل منهم إلى حياته الخاصة.

براعة المخرج الحقيقية في اختياره لممثلي دوري البطولة، فستيف كاريل يبدو بالفعل الرجل العادي، الذي يشبه أي واحد منا، وهو نجم كوميدي يعتمد على الأداء الداخلي مع القليل جداً من التعبير الخارجي، وفي الجانب الآخر فإن جولييت بينوش لا تزال في الأربعينات من عمرها، قادرة على بث روح الجمال التلقائي، كما سبق لنا أن رأيناها في فيلم شوكولا. ولعلك تجد في الفيلم في النهاية بعض خصائص أنماط الكوميديا الرومانسية، ولكن من دون قيود التوليفة التي تسير دائماً في مراحل ثلاث: البطل يقابل البطلة، ثم يفترقان، ثم يعودان إلى اللقاء، وتكون المحطات الرئيسية لهذه الرحلة في فيلم حياة دان الحقيقية، الموجودة هنا أو هناك، لكن الرهافة تأتي من أننا نصل إليها دون افتعال، من خلال أحداث يومية شديدة التلقائية، وهكذا فإن الفيلم ينجح في أن يجد حرارة الفن في برودة الحياة الحقيقية.