بيروت رولا حميد:
"خان الخياطين" واحد من خانات عدة استضافت التجار والمسافرين قاصدي المدينة أو عابريها، فيها يقيمون حيث لا منازل لهم، بذلك يشبه الخان التراثي القديم الفندق الحديث .
الدور واحد تقريباً، لكن أسلوب العمل في كل منهما مختلف . الفندق يؤوي المسافر أو المقيم لغاية معينة، ويقدم له الخدمة من مأكل ومشرب واستحمام واستجمام، وكل ما يتعلق بأمور السفر، فالفندق معد ومهيأ لتأمين الراحة الكاملة للزائر، لكن الخان لم يكن مهيأ لتقديم كل الخدمات التي يحتاجها الزائر نظراً للتنظيم الاجتماعي المختلف باختلاف العصور، فقد كانت بنية المدينة مختلفة سابقاً عنها اليوم، وكانت تحتوي على الحمامات التي يقصدها المقيم في الخان للاستحمام، والترفيه، بينما يقدم الفندق هذه الخدمة الضرورية بإلحاح للزبون .
وكانت بنية المدينة سابقاً متكونة من أسواق متخصصة لحرف معينة فكان سوق النجارين وسوق النحاسين وسوق الخياطين وسوق الكندرجية وبينها تقام الخانات ومكملاتها، كالحمام والمصليات .
بعض الخانات فقد دوره في هجوم الحداثة وتغيير البنية الاجتماعية للمدينة، فصار الخان مقراً لاستخدامات غير التي بني من أجلها، فتحول خان العديمي، نسبة إلى المحلة المعروفة باسم "عديمي المسلمين" - أي سوق الصاغة حالياً- إلى خان يصنع فيه الصابون فاكستب اسمه، وتحول "خان الحرير" إلى "خان الخياطين" بعد أن اتخذ الخياطون من غرفه مراكز لحرفتهم يقدمون فيها الشروال والعبايات وما شابه من ثياب تصنف اليوم باعتبارها من الثياب التراثية .
ويعتبر "خان الخياطين" من الخانات التي تحولت من مستضاف للزوار المسافرين، إلى تصنيع الثياب التقليدية التي كان يلبسها الناس قبل انتشار الثياب الغربية الطراز من فساتين وبنطلونات وأطقم وقمصان وبلوزات . وليس واضحاً الدور الذي لعبه الخان قبل أن يتحول إلى غايته الجديدة "الخياطة"، ذلك أن شكله يختلف عن أشكال بقية الخانات ذات الشكل المربع تقريباً، والمؤلفة من طبقتين، تتوسطها عادة بركة ماء، ويستخدم جزء من الطبقة الأرضية لإيواء الأحصنة والدواب، وتستخدم غرف الطبقة العليا لإقامة المسافرين .
لكن "خان الخياطين" مستطيل ويقتصر على صفين متقابلين من الغرف في طبقتين، وتصل بين الصفين من الغرف قناطر يبدو من كثرتها أنها شكلت قواعد لسقف يحمي السوق على غرار الأسواق القديمة التي لاتزال موجودة في دمشق وحمص كسوق الحميدية، ولا تتوسطه بركة ماء نظراً لضيق مساحة باحته الداخلية بسبب استطالة بنيته .
وبحسب سجلات المحكمة الشرعية في طرابلس احتوت طرابلس القديمة على 62 خاناً، ولم يبق منها إلا عشرة خانات تقريباً . ويشير وجود الخانات الكثيرة إلى ازدهار اقتصادي وتجاري وصناعي، ففيها تتم الاتفاقات التجارية، ولولا وجودها لما تمكن التجار من ارتياد المدينة للتبضع من منتوجاتها، أو عقد صفقات مقايضة للسلع المنتجة والمصنعة فيها والمستوردة إليها .
ولا شك في أن "خان الخياطين" يثير تساؤلات عن نشوئه ودوره يومذاك والسبب هو شكله وتركيبته على ما سبق ذكره، ولأنه يحمل اسماً آخر هو "خان الحرير" والتسمية تفترض البحث عن دور ما له، ما بين الخياطة وصناعة الحرير في مدينة قيل إنها ضمت أواخر العصر الصليبي نحو سبعة آلاف نول حرير، وبالتالي كانت مدينة تمت فيها تربية دودة القز وصناعة الحرير منه على نطاق واسع، خصوصاً إذا عرفنا أن بساتين المدينة كانت تحتوي أصنافاً من الأشجار ومنها شجر التوت الضروري لتغذية القز . واستخدم الحرير في خياطة العباءات والثياب الرفيعة الثمن التي كانت محط أنظار الأمراء والملوك من أنحاء العالم كافة .
كثيرة هي التكهنات عن الخان، منها ما يقول إنه خصص للخياطة منذ إنشائه في القرن الرابع عشر، ومنها ما يقول إنه جمع بين سوق الخياطة في الطبقة الأرضية والإقامة في الطبقة العليا كالفندق . ويشير المؤرخ الطرابلسي الدكتور عمر تدمري في كتابه "تاريخ طرابلس السياسي والحضاري" إلى أن خان الخياطين هو "أشهر وأقدم خانات طرابلس، ويحتمل أنه كان قيسارية للإفرنج (ثكنة عسكرية)، وليس في المصادر التاريخية ما يجزم بتاريخ بنائه"، ويلفت إلى "وجود عمود كورنثي بيزنطي إلى يساء بوابته الغربية" من دون تفسير وجود العمود وما يشير إليه وجوده في هذه النقطة في الخان . لكن تدمري يرجح بناءه في زمن المماليك استناداً إلى معطيات الشيخ كامل البابا في نبذة تاريخية عن الخان، ويقول فيها إنه بني ليكون وقفاً لمصلحة البيمارستان (مستشفى) مما يعني أنه في عصر المماليك .
وفي عودة إلى الظرف الراهن، يعتبر "خان الخياطين" أجمل خانات طرابلس، فسلسلة القناطر الحجرية التي تمسك بجانبيه تشكل تناغماً هندسياً رائعاً ونادراً لا يتوافر في أي منشأة أخرى . وفي طبقته السفلى صفوف من المحال التجارية التي تعرض أصناف الصناعات المنتجة فيه، ومشاغل الخياطين التقليديين، وتعلو المشاغل أكثر من متر ونصف المتر عن باحة الخان وربما كان ذلك لحمايتها من الفيضانات المحتملة القادمة مع سيول نهر "أبو علي" المجاور .
في الخان اليوم 62 محلاً تجارياً ومشغلاً، ويرجع الخياط عبدالله الحموي بناءه، استناداً إلى المتوارث الشعبي، إلى نحو 860 سنة مضت، حيث كان الخان يستخدم في ذلك الزمان لمبيت الضباط في الطبقة العليا بينما كانت الطبقة السفلى تستخدم للأحصنة حيث يتوفر الماء والعلف .
ويعتقد الحموي أنه "لاحقاً جرى تحويله إلى مكان للخياطين حيث كان الناس يعتمدون الخياطة، ولم يكن للملابس الجاهزة أي ظهور بعد" .
ويعود الحموي في حديثه إلى اللغة التي استخدمت في السوق في عصره قائلاً: كانت أبواب الخياطة تعتمد أبواباً تسمى "دروان"، والباب عبارة عن جزأين يتم إسدال العلوي ورفع السفلي لإغلاق المحل، وكانت أمام المحال مصاطب يجلس عليها الخياطون فيؤلفون فسيفساء جميلة ذات ألوان مختلفة . ومن أشهر قطع الملابس التي كانت تتم خياطتها: المشلح والمرغر والشروال والجلابية والجاكيت العربية والعباءة . ويذكر أبرز العائلات الطرابلسية التي كانت تشتهر بالخياطة أمثال آل الحموي وعلوش وستيتيه ومنها من أورث المهنة لأولاده وأحفاده، ويذكر آسفاً أن عدد خياطي الملابس التراثية هذه الأيام صار خمسة فقط .
ويتحدث بحسرة عن زوال الزمن المزدهر للخان، ليشير إلى "أن الخان فقد الكثير من هويته التراثية بعد أن غزت الملابس الجاهزة الأسواق، كما أن عملية إعادة ترميم وتأهيل الخان، بهبة إسبانية، كانت فاشلة كلياً" . ويقول إنه "جرى تغيير العديد من معالم الخان الأثرية، فاعتمد تغيير تلبيس الجدران الحجرية، وسرقت الحجارة الأثرية، والعناصر المعمارية، واستبدلت أبواب الدروان بأبواب خشبية عادية، وأزيلت المصاطب، كما صارت الغرف في الطابق العلوي مخصصة للتأجير للعمال" .