المشهد أسطوري، حيث تمتد السهول الخضراء بساطا في سفح الجبال تقع رجال ألمع التي أعيد ترميمها بالكامل، وظلت تحافظ على هويتها الحجرية.

هي نموذج حي للقرية التي ما زالت تحتفظ بتاريخها وتستقطب الزوار من كل حدب وصوب بعد أن حول أهلها بيوتهم الى متاحف تنطق بتاريخ ضارب في الجذور.

تعتبر قبائل رجال ألمع من أكبر قبائل تهامة وأكثرها سكاناً إذ يبلغ عددهم حوالي مائة وخمسين ألف نسمة تقريباً، وتقع رجال ألمع في الجهة الغربية من منطقة عسير وهي صورة ناطقة تحكي معاناة الإنسان الرجُالي وتجسد رفاهية وأسلوب حياته، تحكي كيف اعتمد على ذاته في كسب رزقه وبناء حياته وكيف سعى لتطوير نفسه، فكان أنموذجاً رائعاً في تهيئة سُبل الحياة الكريمة التي تمثلت في الأخذ بالأرقى في كل شيء.. في أدوات أكله ومشربه، في لبسه وفراش نومه، في آليات عمله، زراعةً وبناءً وعملاً ولم ينس الرجُالي قديماً وحديثاً كيف يعيش آمناً مطمئناً إذ تمثل ذلك في آلة حربه ووسائل سلامته واستعداده الفوري لعوادي الزمن، فبندقيته وجنبيته وخنجره وحتى عصاته على أهبة الاستعداد وفي متناول يده في أي لحظة، يقابل ذلك مصحفه وكتابه وتواضعه وحلمه وتعاونه وصبره ومساعدته لطالب النجدة ومواساة للفقير والمحتاج ولو كان به خصاصة.

الهجرة الكبيرة

تمت الهجرة الكبيرة وتناقص عدد السكان بشكل سريع وشجع على زيادتها ما علمه المترددون في أمر الهجرة من تحسن أحوال المهاجرين فبقيت كل مستلزمات المهاجرين.. أثاثهم، سلاحهم، أدواتهم الشخصية والمهنية في بيوتهم وفي عام 1405ه اقترح على الأهالي إنشاء متحف يحوي تراث القرية الذي بدأ يندثر تحت أنقاض القصور التي تهدمت برحيل أهلها ثم بعوامل التعرية الطبيعية وجاءت نتائج مشورة الأهالي بالموافقة وتأييد هذا الاقتراح ورشح الأستاذ محمد حسن غريب للقيام بهذه المهمة وهو من يعرفه الجميع باهتمامه بالتراث وعلو همته وعزيمته ونشاطه وثقافته التراثية والأدبية وخولت له الصلاحية المطلقة في الصرف من صندوق القرية، واختير حصن آل علوان المسمى (مسمار) الذي يعود بناؤه الى حوالي أربعمائة سنة مكاناً لجمع التراث ورمم القصر وتعاون كثير من أبناء القرية كل بحسب إمكاناته وخبرته.

واكتمل ترميم القصر وساهمت نساء القرية بنقش القصر بإشراف الوالدة فاطمة علي أبو قحاص والتبرع بحليهن من الفضة وبعض مدخراتهن من الزينة، وكذلك الكثير من أبناء القرية المخلصين الذين لا يمكن حصرهم.

واكتمل العمل وامتدت يد التشجيع والمساندة وتقدير الجهود من الأمير خالد الفيصل بن عبدالعزيز أمير منطقة عسير سابقا ونائبه الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز حيث قرر أمير منطقة عسير وصانع السياحة افتتاح المتحف عام 1407ه وكان يوما مشهودا من الحفاوة والطرب.

وبدأ المتحف يمارس دوره كقناة ثقافية سياحية منذ ذلك الحين ولكن استمرار بعض المهتمين بتزويد المتحف بالمقتنيات بالشراء على نفقتهم وبالعمل بجهودهم الشخصية جعل هناك تباينا في الدور بين أفراد القرية وهذا ما لا ينكره احد.

وأدى افتتاح مشروع العربات المعلقة في السودة وتأمين المواصلات بين محطة العوص والمتحف إلى زيادة الزائرين خاصة في فصل الصيف كما كان لحسن استقبال الوفود الخارجية من الزائرين الأجانب أثره في استمرار الزيارات حتى بلغ عدد الزائرين قرابة 30 ألف نسمة في عام 1419ه وزادوا على ذلك بكثير في صيف 1420ه.

ولأن الآبار والقلاع والأسواق والحصون التي سبق الإشارة إليها هي من الآثار التي بقيت غالبيتها وان اهتمام الزائرين بمختلف اهتماماتهم قد امتد إلى خارج المتحف بكل أركان القرية التي دشنها زمن حافل وإنسان حقيق بأن يعتبره التاريخ.. وألا يكون عابرا رغم أهمية المحتوى البيئي مكانا وإنسانا فإن طموحنا القادم هو تحويل القرية إلى منتجع اثري متكامل الخدمات بعد ترميم قصور القرية بإذن الله ثم بالتفاتة من الذين يقدرون التراث ويتحمسون للإبقاء على ثقافة الأثر الماثلة.

تجديد متواصل

يحوي المتحف عشرين قسما وزعت فيه المحتويات بحسب رؤية اجتهادية من المسؤول عن التأسيس مستعينا بآراء بعض المساندين له من أبناء القرية والمهتمين أمثال الأستاذ إبراهيم ماطر الألمعي على أن الكم الكبير من المقتنيات في قصر مساحات حجراته غير كبيرة وغير موزعة بشكل يناسب متحفا، إضافة إلى أن التصور الأول لحجم زوار المتحف كان اقل بكثير من الإقبال الحالي الذي وصل إليه فإن عرضها لم يكن بناء على خبرة بالمتاحف رغم أن الإضافات متواصلة والتجديد مستمر وما زال المتحف يخضع لدراسات تطوير وإثراء من قبل القائمين على لجنة تطوير القرية في ظل الفكرة الشاملة لمشروع جعل القرية بكاملها مزارا تراثيا وسوقا شعبيا ومحطة استراحة وترفيه، تأتي إليها فتشهد تفاصيل بما تليق بها من إخراج وإعداد وإتقان ويتوفر فيها كل متطلبات العصر التي يأملها كل زائر بمختلف شرائح الزائرين واحتياجاتهم المعيشية والترفيهية، ويبقى ذلك في حدود الإمكانات الشخصية لأهالي القرية وضمن المأمول من القائمين والمهتمين بالتراث والسياحة في منطقة عسير وخارجها من خلال دعمهم الفني والمالي لهذا الجهد وهذا المنجز. ولطبيعة الأرض في رجال ألمع من خلال هذا التقسيم شكل بارز يتمثل في عقبة (رُز) التي كانت إلى عهد قريب تشكل همزة الوصل بين (ألمع الشمال وألمع الجنوب) فمن ينظر من ذُروتها باتجاه الشمال يجد أرض ألمع الشمال تنحدر نحو الشمال مع سير وادي (حلي) وفروعه، ومن يتجه نحو الجنوب تظهر له أرض ألمع الجنوب تميل نحو الجنوب مع سير وادي (كسان وريم وعرمرم).

قبائل ووديان

تتكون قبائل رجال ألمع من عشر قبائل تجمعها راية واحدة وهي قبيلة قيس بن مسعود وقبيلة بني ظالم وقبيلة بني جونة وقبيلة بني قطبة وقبيلة بني زيد وقبيلة صلب وقبيلة بني عبد شحب وقبيلة شديدة وقبيلة بني عبدالعوص وقبيلة البنا. ومن الأودية المشهورة في رجال ألمع: وادي (حلي) ومن روافده وادي سانب، وادي شصعه، وادي العوص، إضافة إلى وادي (روام) ووادي ظهران، ووادي عمقه، وفوّ، وهذه تقع في ألمع الشمال، وجميعها تصب في وادي حلي الذي ينتهي الى البحر الأحمر أما روافد وادي (ريم) في ألمع الجنوب فهي: وادي رُجال، وادي الميل، وادي رحب، وادي راده، وادي محليه، وادي العاينه، وادي ريم بني جونه، وجميعها تصب في وادي ريم ثم وادي عرمرم وينتهيان الى البحر الأحمر أما وادي ثاه، ووادي حسوه من أودية رجال المع فهما روافد وادي (مربه) الذي يصب في وادي عتود ببني شعبة.

تجارة مزدهرة

ولقد نشطت التجارة في رجال ألمع وازدهرت ازدهاراً باهراً حيث كانت القوافل التجارية تأتي محملة بالبضائع ومن جنوب الجزيرة العربية من عدن خاصة ثم تبيعها في كثير من مناطق المملكة وقد ظلت رجال المع مركزاً تجارياً مهماً يستقطب تجار المناطق المجاورة في عسير وقحطان وشهران وبني شهر وغيرها من المناطق الأخرى الواقعة على ساحل البحر الأحمر.

تتميز العمارة في رجال ألمع بطابعها الفني الفريد، حيث تبنى منازلها من الحجارة الصلبة ويدخل معها في عملية البناء الطين الناعم وتبلغ طوابق بعض المنازل (ستة طوابق وتزيد) وهذه تسمى (قصوراً) وعرض الجدار يزيد أحياناً على المتر مما يجعل المنزل يتمتع بالتكييف المركزى إن صح التعبير فهو يتميز باعتدال جوّه في الداخل في كل من فصلي الصيف والشتاء، كما ان سقوف المنازل تُعمل من أخشاب (العرعر، والثعب، والعتم، والسدر، وغيرها من أشجار المنطقة) ويضعون التراب فوق هذه الأخشاب بعد تغطيتها بالخسف واعشاب الأشجار حتى لا تتساقط الأتربة داخل الغرف وكل ذلك بطريقة هندسية مميزة تضفي على الغرفة جمالاً فريداً.

ولا تزال آثار هذا الفن المعماري ماثلة.. شامخة تتباهى أمام الطراز المعماري الحديث وتتحدى في زهو وخيلاء العمارة الحديثة، وهناك بعض القصور التي كانت حصوناً استخدمت حامية للبلد في أزمان الحروب وهي متعددة الأدوار بعد أن حولت إلى مساكن ويتضح ذلك للرائي من خارجها.

الزراعة وتربية المواشي

لقد كانت قبائل رجال ألمع تُعنى بالزراعة عناية فائقة، وكانت الطابع العملي لدى غالبية السكان حتى ازدهرت الزراعة في المنطقة وأصبح لديها الاكتفاء الذاتي، وأحياناً تصدر الفائض إلى المناطق المجاورة وإلى خارج شبه الجزيرة العربية في ماضي الأزمان.

ومن مزروعات المنطقة (الذرة) بمختلف مسمياتها المحلية، و(الدخن) وبعض المحصولات الزراعية الأخرى كالخضار والفواكه المحلية، الى جانب الكثير والكثير من الأشجار المتنوعة التي تكسو المنطقة وتزيدها روعة وجمالاً أوجدتها يد الخالق المبدع سبحانه.

وكان ولا يزال لتربية المواشي (الأغنام، البقر، والابل) الاهتمام البارز والنشاط المنفرد، حيث لا يزال ديدن الكثير من سكان المنطقة فعليه - بعد الله - يعتمدون في غذائهم اليومي حيث يتميز نوع اللحم في رجال المع الفريد وجودته العاليه، ثم (الزبد) المستخرج من الألبان إذ يعتبر من أجود أنواع الزبد تقريباً

ومن أهم نشاطات السكان في المحافظة اهتماماتهم بتربية النحل، حيث إن محافظة رجال ألمع تنفرد بجودة العسل ونكهة مذاقه وسلامة مكوناته، وهذه المميزات والخصائص لا توجد إلا في محافظة رجال ألمع لما تتمتع به من جمال الطبيعة المكسوة بالاشجار المختلفة والازهار المتنوعة التي لا حصر لها، أوجدتها يدُ الخالق المبدع سبحانه فأحسنت غراسها، ونوعت أفنانها، وتعهدها سبحانه وتعالى بالنماء وألهم النحل أن تأكل من ثمراتها، وأن تتخذ من الجبال ومن الشجر ومما يعرشون مساكن تعيش فيها وتمد الإنسان بهذا السائل العذب المذاق ليكون له شفاء وغذاء