"ونادى نوح ربه فقال رب إن ابنى من أهلى وإن وعدك الحق وأنت احكم الحاكمين" (سورة هود: الآية 45)
الأبناء هم زينة الحياة الدنيا وفلذات الأكباد، فإن أصيبوا بضر فإن الضر يمس قلوب آبائهم، فما بالك بأب يرى ابنه يصارع الموت، ولا يستطيع أن يقدم له يد المساعدة؟ وحتى الدعاء لا ينفع ولا يشفع حتى ولو كان من نبي له عند ربه دعوات مقبولات لا ترد، حيث دعا الله عز وجل أن ينجي ابنه لأنه تعالى وعده بنجاة أهله، ولكن لم تكن هناك إجابة لدعائه وتوسله، فلماذا لم يستجب الله تعالى لدعاء نبيه؟
بناء السفينة
بعد سنوات طويلة من الدعوة للإيمان بالله وترك عبادة الطاغوت، لم يستجب قوم نوح له ولم يعد هناك بد من وقوع العذاب، فأوحى الله تعالى إلى نوح عليه السلام أن يترك دعوة قومه إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى وألا يحزن عليهم وأمره أن يصنع فلكاً وأخبره الله تعالى بأنه سيصنع هذه السفينة بعلم الله وتعليمه وعلى مرأى منه وطبقاً لتوجيهاته، وبدأ سيدنا نوح عليه السلام يغرس الشجر ويزرعه ليصنع منه السفينة، وانتظر لسنوات ثم قطع ما زرعه وبدأ فى بناء السفينة، وكان الكفار كلما مروا به ورأوه منهمكا في صنع السفينة سخروا منه لعدم وجود أنهار قريبة أو بحار، وقالوا له وهم يتضاحكون: يا نوح صرت نجارا بعدما كنت نبينا، فلا يرد عليهم ويستمر فيما هو عليه .
"ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون" (سورة هود: الآية 38) وقيل إن الملائكة هي التي علمته كيف يقوم بهذا العمل، لأنه لم يكن يعرف طريقة صنعها، وكانت هذه معجزة، في الإيحاء له بطريقة صنعها . وقيل: إن الله بعث جبريل عليه السلام فعلمه طريقتها . ويقال: إن نوحاً جعل الفلك ثلاث طبقات: سفلى ووسطى وعليا، السفلى للدواب والوحوش، والوسطى للناس، والعليا للطيور، حتى إذا فرغ منه عهد الله إليه "حَتى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التنورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ" . (سورة هود - الآية 40) .
الطوفان العظيم
يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي في كتاب "قصص الأنبياء"، هكذا علم نوح بمسألة الإغراق من خلال الوحي له بصنع السفينة فعلم أن صنع السفينة مرتبط بلون العقاب الذي سيقع على من كفروا برسالته، وذلك في قوله تعالى: "وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذِينَ ظَلَمُواْ إِنهُم مغْرَقُونَ" (سورة هود :الأية 37) .
أوحى الله إليه أنه إذا فار التنور كان هذا علامة على بدء الطوفان وأمره الله أن يحمل على السفينة من كل حيوان وطير ووحش زوجين اثنين، وصعد إلى السفينة كل من آمن بنوح وكان عدد المؤمنين قليلا ولم تكن زوجة نوح مؤمنة به فلم تصعد، وواصل نوح عليه السلام تنفيذ أمر الحق سبحانه وقال لمن آمن "اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها" (سورة هود: الآية 41)، وارتفعت المياه من فتحات الأرض ولم تبق هناك فتحة في الأرض إلا وخرج منها الماء، وانهمرت من السماء أمطار غزيرة بكميات لم تر مثلها الأرض من قبل، وارتفعت المياه أعلى من الناس وتجاوزت قمم الأشجار وقمم الجبال وغطت سطح الأرض كله، وجرت بهم السفينة ليس بين موج هائج فحسب، بل بين موج كالجبال، وهنا نادى نوح ابنه بأن يركب معه خوفا عليه من الهلاك مع الكافرين لكن الابن رفض مطلب أبيه، قال الله تعالى: "ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين، قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، وحال بينهما الموج فكان من المغرقين" (سورة هود: الآيتان 42،43)، فقد دار في خلد ابن نوح أن الجبل سيحميه ظناً منه أن الماء لن يصل إليه ولكن الماء ارتفع عالياً ووصل إلى مكانه .
قمة التسليم لله
وتوجه نوح إلى ربه داعيا طالبا النجاة لابنه لأنه من أهله "ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت احكم الحاكمين" (سورة هود: الآية 45) .
إذن فنوح عليه السلام يملك حق الدعاء، لأنه يطلب تحقق وعد الله تعالى بأن يحمل أهله معه إلا أن الغرق كان مصير ذلك الابن الكافر، بل لابد أن ذلك الغرق كان لحكمة . فقد أراد الحق سبحانه أن يلفت نبيه نوحا إلى أن أهلية الأنبياء ليست أهلية الدم واللحم، ولكنها أهلية المنهج والاتباع، وإذا قاس نوح عليه السلام ابنه على هذا القانون فلن يجده ابنا له . والحق سبحانه يطلب من نوح أن يفكر جيدا قبل أن يسأل "قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل عملا غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إنى أعظك أن تكون من الجاهلين" (سورة هود: الآية 46) . وهنا يدعو نوح ربه سبحانه وتعالى أن يغفر له ما قاله، وهو يقر بأنه لما أحب سؤال نجاة ابنه لم يستطع أن يكتم سؤاله، ولكن الحق سبحانه وتعالى وحده هو القادر على أن يمنع من قلبه مثل هذا السؤال، وهذه هي قمة التسليم لله . ولذلك يستعيذ نوح عليه السلام من أن يسأل ما ليس له به علم ويرجو مغفرة الله سبحانه وتعالى ورحمته حتى لا يكون من الخاسرين . "قال رَب إِني أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن منَ الْخَاسِرِينَ" (سورة هود: الآية 47) .
ومن هنا نعلم أن الدعاء للكافر المعاند في كفره خصوصاً بعد فقد الأمل في إيمانه، لن يستجاب له حتى ولو كان من نبي .