"كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين"، (آل عمران: 86 )، "أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين"، (آل عمران: 87) .
"إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون * إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين"، (آل عمران: 90 - 91) .
"لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم"، "كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين"، آل عمران: (92-93) .
"إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين * فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين"، (آل عمران: 96 - 97) .
السؤال: لم قيل في آية البقرة: "قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا" وقيل في آل عمران: "وما أنزل علينا"؟
الجواب: تعدى فعل الإنزال بحرف الانتهاء إلى في آية البقرة، لأن الخطاب فيها للمسلمين بدليل (قولوا) فلزم أن يعبر بحرف الانتهاء، لأن المسلمين لم ينزل الوحي عليهم وإنما أنزل على الأنبياء، ثم انتهى من الأنبياء إليهم .
وفي آل عمران تصدرت الآية ب (قل) فكان الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وهذا ناسبه حرف الاستعلاء (على) لأنه صلى الله عليه وسلم مختص بالوحي من دون أمته، والوحي عليه أنزل، والله أعلم .
تكرار يناسب السياق
السؤال: ما سر عدم تكرار كلمة (أوتي) في آية آل عمران وتكرارها في آية البقرة في قوله تعالى: "قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم . ."، (البقرة: 136) .
الجواب: وردت آية البقرة في سياق ذكر عدد من الأنبياء مثل إبراهيم وإسماعيل ويعقوب وغيرهم، وهذا ناسبه تكرار الإيتاء لهم، بخلاف آية آل عمران فإنها لم تسبق بالسياق نفسه .
كما أن آية البقرة وردت بعد قوله تعالى: "وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا"، (البقرة: 135 )، فذكرت فيها الملتان اليهودية والنصرانية فناسب ذلك تخصيص نبييهما بالإيتاء، فأفرد ذكر إيتاء موسى وعيسى عن إيتاء الأنبياء الآخرين ثم جاء بعدهما ذكر الإيتاء للأنبياء الآخرين . وسبق آية آل عمران حديث عن أخذ الميثاق من النبيين على الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ونصره إن أدركوه فناسب ذلك عدم تكرار الإيتاء للأنبياء فيها، لأن السياق فيما أوتي الرسول صلى الله عليه وسلم - لا فيما أوتي الأنبياء الآخرون، فالسياق في الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم ودينه ولذا ناسبه عدم تكرار الإيتاء للأنبياء . والله أعلم .
السؤال: ما الغرض من الاستفهام في الآية؟
الجواب: الاستبعاد والنفي، أي استبعاد أن يهدي الله من كفر بعد إيمانه . والله أعلم
السؤال: ما نوع المجاز في قوله تعالى: "وجاءهم البينات"؟
الجواب: مجاز عقلي علاقته المفعولية، لأن الله تعالى هو الذي جاءهم بالبينات . وسر هذا المجاز (أن البينات جاءتهم وهي ساعية مطوعة ليسرها وعظيم نفعها، لكنهم عموا وصموا وأحلوا أنفسهم دار البوار) . والله أعلم
السؤال: ما سر إيثار المجيء على الإتيان في الآية حيث لم يقل: "وأتتهم البينات"؟
الجواب: لأن مادة المجيء تدل على القهر والإلزام والصعوبة، وهذا يتناسب مع الآيات البينات القاطعة الظاهرة التي تثبت صدق الرسول صلى الله عليه وسلم بحيث لا يستطيعون دفعها ولا ردها ولا تكذيبها لشدة ظهورها، ولعل هذا ما أشعر به تذكير الفعل بإسقاط تاء التأنيث من (جاء) . والله أعلم .
الموت على الكفر
السؤال: لم قيل في آية آل عمران "أولئك جزاؤهم" أي جزاء كفرهم، وفي آية البقرة قيل: "أولئك عليهم لعنة الله" على الرغم من أن المتحدث عنهم هم الكفار والمرتدون، وذلك في قوله تعالى: "إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" (البقرة: 161)؟
الجواب: لأن في آية البقرة إخباراً عمن ماتوا على الكفر، لذلك وجبت عليهم اللعنة، بخلاف آية آل عمران فأكثر الأقوال أنها نزلت في قوم ارتدوا ثم عادوا إلى الإسلام، ولذلك جاء الاستثناء المتصل "إلا الذين تابوا من بعد ذلك" أي من بعد ذلك الكفر العظيم (وأصلحوا) أي ما أفسدوه من عقيدتهم . والله أعلم .
السؤال: ما دلالة حرف التراخي ثم في قوله: (ثم ازدادوا كفراً)؟
الجواب: إن الكفر لفظاعته وشناعته وقبحه جدير بالبعد عنه بل استبعاد حصوله أصلاً ووقوعه من أصحاب الفطر السليمة، فكيف بالتمادي عليه بل والازدياد منه ! وهذا ما جسده حرف التراخي في قوله: (ثم ازدادوا كفراً) أي بأن استمروا على كفرهم وتمادوا فيه ولم يبادروا إلى التوبة . والله أعلم .
السؤال: ما سر حذف الفاء من خبر إن في الآية الأولى "لن تقبل توبتهم" وإثباتها في خبر إن في الآية الثانية "فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً" مع أن المخبر عنهم في الآيتين واحد وهم الكفار؟
الجواب: بنظرة فاحصة فيما عطف على الكفر نجده في الآية الأولى "ثم ازدادوا كفراً" وفي الثانية "وماتوا وهو كفار" فالآية الثانية فيها قطع باستحقاقهم العذاب، لموتهم على الكفر بعد زوال الأمل في توبتهم وانقطاع الرجاء في إيمانهم، لذا أثبتت فاء السببية، للإشارة إلى أن هذا الصنف من الكفار استحقوا بموتهم على الكفر العذاب الأليم "أولئك لهم عذاب أليم" . أما في الآية الأولى فلم يخبر عن موت الكفار على الكفر، ولذا لم ينقطع الأمل في إيمانهم، ولم يغلق باب التوبة في وجوههم وإن كانوا قد ازدادوا كفراً، إذ لو تابوا توبة نصوحاً وعادوا إلى الإيمان قبل موتهم لقبلت توبتهم، لأن الإسلام يجب ما قبله .
مفهوم الإنفاق
السؤال: ما سر التعبير ب (حتى) الغائية في قوله تعالى: "لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون"؟
الجواب: لأنه لو قيل: "إلا أن تنفقوا مما تحبون"، لتوهم السامع أن نوال البر ينال بالإنفاق مما يحب وحده، وهذا غير مراد، لأن المقصود تحفيز المؤمن على طرق أبواب الخير كلها وولوجها، ليصل إلى غاية المراد ألا وهو البر . والله أعلم .
السؤال: ما المقصود بالبر؟
الجواب: كمال الخير وجماعه . وقيل: هو الجنة، وقيل: ثواب الله .
السؤال: ما نوع (من) في قوله تعالى: "مما تحبون"؟
الجواب: إما أن تكون تبغيضية، والمعنى: لن تنالوا البر حتى تنفقوا شيئاً مما تحبون أو جزءاً . وفي ذلك توسعة ورحمة للمؤمنين، إذ إن النفوس مجبولة على الشُّح، وإنفاق كل محبوب من المال أمر شاق على النفوس .
ويمكن أن تكون (من) بيانية أي لبيان نوع المُنْفَق . والله أعلم .
إضاءة: معنى الآية الكريمة: أن الله تعالى لم يكن حرَّم على بني إسرائيل وهم ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام شيئاً من الأطعمة من قبل أن تُنَزَّل التوراة بل كان ذلك كله حلالاً لهم إلا ما كان يعقوب حرمه على نفسه، فإن أولاده حرموه تأسياً بأبيهم من غير تحريم الله ذلك عليهم في وحي ولا تنزيل، ولا على لسان نبي منهم من قبل نزول التوراة . والله أعلم .
وكان يعقوب قد سقم فنذر إن شفي فلن يأكل أحب الطعام إليه وهو لحوم الإبل وألبانها .
السؤال: ما الغرض من الأمر في قوله: "قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين"؟
الجواب: الغرض التعجيز، لأنهم لن يأتوا بها حتى لا يستدل بها على كذبهم وبهتانهم . والله أعلم .
السؤال: لِمَ أثبت الجار في قوله: (من قبل أن تنزل التوراة )؟
الجواب: لأن تحريم يعقوب لحوم الإبل وألبانها على نفسه وفاء لنذره بعد شفائه كان في بعض ذلك الزمان ولم يكن مستغرقاً الزمان كله، فقد وُجد هذا التحريم منه بعد نذره ولم يكن قبل ذلك . والله أعلم .
"بكة" و"مكة"
السؤال: لم قيل في الآية هنا (ببكة) بالباء، وقيل في آية الفتح (مكة) في قوله تعالى: (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم . . .)؟
الجواب: وردت آية آل عمران في مقام الحديث عن الحج، والحج فيه من الازدحام ما فيه، فجيء بالاسم (بكة) المشتق من (البَكّ) الدال على الزحام، لأنه في الحج يَبُكُّ الناس بعضهم بعضاً، أي يزحم بعضهم بعضاً . وسميت مكة (بَكَّة)، لأنهم يزدحمون فيها . فجاء باللفظ المناسب للمقام .
أما آية الفتح فلم يرد فيها حديث عن الحج فذكرت مكة باسمها الأشهر . والله أعلم .
السؤال: اشتملت الآية في قوله تعالى: "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً"، (آل عمران: 97) على ضروب من التوكيد والتشديد على وجوب الحج فما تلك المؤكدات؟
الجواب: من تلك المؤكدات في الآية الكريمة قوله (لله) فيشعر ذلك بالتخصيص وأن حج البيت له تعالى لا لغيره .
ومنها: (على) الدالة على الاستعلاء وقد جمع الزمخشري تلك المؤكدات بقوله: وفي هذا الكلام أنواع من التوكيد والتشديد، فمنها قوله: (ولله على الناس حج البيت) يعني: أنه حق واجب لله في رقاب الناس لا ينفكون عن أدائه .
ومنها: أنه ذكر الناس ثم أبدل منه (من استطاع إليه سبيلاً) . وفيه ضربان من التأكيد، أحدهما: أن الإبدال تنبيه للمراد، وتكرير له . والثاني: أن الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال إيراد له في صورتين مختلفتين . . والله أعلم .