تتجلى عدالة الإسلام ورحمته وإنسانيته في جملة التشريعات التي تنظم العلاقة بين المسلمين وغيرهم من أصحاب العقائد الأخرى، حيث رسمت شريعة الإسلام شكلاً مثالياً للعلاقة بين الفريقين لكي تحقق التعايش السلمي والتعاون والمصالح الحياتية، بعيداً عن اختلاف أو تنوع العقائد والديانات .
ولا غرابة في ذلك فالذي رسم شكل العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين هو الله سبحانه وتعالى- المشرع الأول للمسلمين - فهو سبحانه وتعالى القائل في كتابه العزيز: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم، أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين" . فالآية الكريمة تجعل العلاقة بين المسلمين وغيرهم، قائمة على أمر أعظم من العدل - الذي هو إعطاء كل ذي حق حقه- حيث ترتقي هذه العلاقة إلى مرحلة الإحسان - وهو الزيادة على الحق فضلاً - ولقد قدمت الآية لفظ البر على لفظ القسط - وهو العدل - وقد سمى الإسلام غير المسلمين داخل مجتمعه (أهل الذمة) أي أهل العهد والضمان والأمان، لأن لهم عهد الله، وضمان رسوله، وأمان جماعة المسلمين على أن يعيشوا في حماية الإسلام وتحت راية المجتمع الإسلامي آمنين مطمئنين .

قاعدة ذهبية


داخل المجتمع الإسلامي كفلت الشريعة الإسلامية- كما يقول د . محمد الشحات الجندي أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو مجمع البحوث بالأزهر- جميع حقوق غير المسلمين مثلهم مثل المسلمين تماماً، ولخص فقهاء الإسلام هذه الحقوق في قاعدة ذهبية هي:(لهم ما لنا، وعليهم ما علينا)، أي: لهم مالنا من الحقوق والحريات، وعليهم بعض الذي علينا من الواجبات وقد فصل الفقهاء هذه القاعدة في جملة من الحقوق تشمل:
- حماية غير المسلم من العدوان الخارجي: حيث يجب على المجتمع الإسلامي أن يوفر كل وسائل الحماية لكل من رضي العيش بداخله، وهذا هو ابن تيمية يترجم هذا المبدأ عملياً ويقف بقوة في وجه التتار عندما أرادوا إطلاق سراح أسرى المسلمين فقط، وإبقاء النصارى بالأسر فقال: "إنا لا نرضى إلا بافتكاك جميع الأسرى من المسلمين وغيرهم، لأنهم أهل ذمتنا، ولا ندع أسيراً لا من أهل الذمة، ولا من أهل الملة" .
- توفير الحماية الداخلية لغير المسلمين داخل المجتمع الإسلامي، وهذه الحماية متنوعة وتشتمل على حقوق ومظاهر تكريم كثيرة، منها: حماية أرواحهم ودمائهم، حيث جرمت الشريعة الإسلامية إلحاق أي أذى أو ظلم بأي إنسان مواطن أو زائر غير مسلم هو في ذمة المسلمين وعهدهم من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "من آذى ذمياً فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة" .
أيضاً، واجب المجتمع الإسلامي حماية غير المسلمين من أي أذى يمس أعراضهم أو ينتقص من كرامتهم، فلا يجوز في الإسلام إلحاق أي أذى بالمسلم أو غير المسلم من شتم أو قذف أو تجريح أو حتى غيبة . . وأموال غير المسلمين في نظر الشريعة الإسلامية لا تقل حرمة عن دمائهم وأعراضهم، ومن بين نصوص المعاهدة التي وقعها رسول صلى الله عليه وسلم مع نصارى نجران قوله: "ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أموالهم وأرضهم وملتهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبيعهم وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير" . . وسجل التاريخ الإسلامي صفحات مشرقة من حماية حكام المسلمين لأموال وممتلكات غير المسلمين . والواقع التطبيقي لأحكام الشريعة يظهر بوضوح هذه الحماية لكل ممتلكات غير المسلمين، فلهم الحق في دخول كل المعاملات الاقتصادية وممارسة كل الصفقات إلى غير ذلك من الحرية الاقتصادية، وحق التملك .

عطاء إسلامي فريد


ومن مظاهر التسامح والعدل والرحمة التي جاءت بها شريعة الإسلام - كما يقول د . الجندي - أن الدولة الإسلامية مطالبة بكفالة الفقراء غير المسلمين وتوفير مقومات العيش الكريم لهم . . كما أن المجتمع الإسلامي مطالب بكفالة المسلم وغير المسلم وتوفير كل الاحتياجات الضرورية وأحياناً التحسينية له، خاصة عند العجز عن الكسب والعمل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع، ومسؤول عن رعيته . . ." وشواهد التطبيق العملي للمسلمين في ساحة العطاء الإنساني مع غير المسلمين كثيرة ولا تحصى، وهي شاهدة على عظمة شريعة الإسلام وعدالتها، حيث جعلت أهل الذمة من أولى الناس مع المسلمين بالبر والصلة، وكانت ضمانات المجتمع المسلم واضحة ضد الفقر والعجز والشيخوخة لكل فئات المجتمع، حيث لا تفريق بين المسلم وغير المسلم .
وحريات غير المسلمين داخل المجتمع الإسلامي مصونة ومكفولة، وفي مقدمة هذه الحريات حرية إقامة شعائرهم وحماية دور عباداتهم، حيث أقر الإسلام حرية الاعتقاد لكل الناس، فلا إكراه لأحد على دخول الإسلام، وإن كان يدعوهم إليه، فالدعوة إلى دخول الإسلام لا تعني أبدا إكراه أحد على ترك دينه واعتناق الإسلام، ومنهج الدعوة إلى الإسلام بين المسلمين وغير المسلمين حدده الخالق سبحانه وتعالى في قوله تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن" وقوله عز وجل: "لا إكراه في الدين"، والقاعدة في ذلك هي قول الإمام علي كرم الله وجهه: "تتركهم وما يدينون"، والشواهد التاريخية على تطبيق هذه الحرية على أرض الواقع كثيرة من زمن النبي إلى عصرنا الحاضر .

مواثيق رسول الله

ويضيف د . الجندي: لقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم مواثيق حقوق غير المسلمين وترجم ما في القرآن من حقوق مجملة لهم، وقد تكفل ليهود المدينة بحقوقهم كاملة وسجل في معاهدته معهم: " . . لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم "، وفي عهد الرسول العظيم أيضا لأهل نجران جاء: " . . ولا يغير أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته، ولا كاهن من كهانته، وليس عليه دنية"، وقد سار خلفاء المسلمين وحكام دولتهم على نهج رسول الله في التسامح والعفو مع غير المسلمين، وها هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه يأمر قادة جيوشه بعدم التعرض لرجال الدين من غير المسلمين وتركهم يتعبدون في كنائسهم وصوامعهم، والفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه فعل ذلك وضمن لأهل القدس حرياتهم الدينية وحرمة معابدهم وشعائرهم، بعد أن أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم .
ومن أبلغ الأمثلة على تسامح الإسلام الرفيع سماح النبي صلى الله عليه وسلم لوفد نصارى نجران وكانوا ستين شخصاً أن يدخلوا مسجده وأن يجلسوا فيه بضعة أيام، فإذا حضرت صلاتهم قاموا متوجهين إلى الشرق على مرأى ومسمع من رسول الله من دون اعتراض منه أو منع .

حرية الفكر والعمل

أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر، د . محمد أبو زيد، يتفق مع د . الجندي في أن الإسلام جاء بمنظومة حضارية في التعامل مع حقوق غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، ويقول: رعاية الإسلام لحقوق غير المسلمين لم تقف عند حرية العقيدة وحماية دور العبادة، بل كفل الإسلام في دياره وعلى أرضه حرية كاملة لغير المسلم، حيث كفل له حرية التعلم والنهل من مشارب الثقافة التي يريدها، ولذلك كان الإنتاج العلمي غزيراً لغير المسلمين الذين عاشوا على أرض الإسلام وفي ظل حمايته في شتى المجالات العلمية، واشتهرت أسماء علماء كثر من اليهود والنصارى وغيرهم .
ويضيف: ليس في تعاليم وتوجيهات ديننا ما يمنع غير المسلمين من ممارسة حرية الفكر والتعلم والتعبير، فمن حقهم تعليم أبنائهم وتنشئتهم وفق مبادئ دينهم، كما أن لهم إنشاء المدارس الخاصة بهم . . وقد سجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أول مظاهر هذه الحرية الفكرية، عندما أمر برد نسخ التوراة إلى اليهود والتي كانت قد آلت إلى المسلمين مع بعض الغنائم . وكانت الجامعات والمعاهد الإسلامية عبر التاريخ مفتوحة لأهل الذمة الذين تتلمذوا على أيدي علماء وفقهاء المسلمين، فدرس حنين بن اسحق على يد الخليل الفراهيدي، وتتلمذ يحيى بن عدي على يد الفارابي، ودرس ثابت بن قرة على يد محمد بن موسى .
وكفل الإسلام لغير المسلمين من أهل الديانات الأخرى أيضاً حرية الحركة والتنقل والسفر والترحال من بلد لآخر، في أي وقت شاؤوا، ولأي اتجاه ساروا، كما كفلت لهم شريعتنا حرية العمل والكسب الحلال، فأبواب العمل مفتوحة للمسلمين ولغيرهم لممارسة أي عمل أو مهنة وهذا ما دفع غير المسلمين داخل المجتمع الإسلامي بكل ثقة وطمأنينة إلى أن يتوجهوا إلى الأعمال التي تدر أكبر قدر من الأرباح، فقد كانوا صيارفة وصاغة وتجاراً وأطباء، وهم الآن في المجتمعات الإسلامية الأكثر كسباً وثراء وحقوقهم المادية مكفولة، مثلهم مثل المسلمين، بل في بعض مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة تحظى حقوقهم المادية برعاية أكثر مما تحظى به حقوق ومصالح المسلمين .
وفي المجتمع الإسلامي الذي اتهم بالتعصب وإهدار حقوق غير المسلمين أتيحت لهم فرصة تولي المناصب القيادية فكان منهم وزراء ورؤساء مصالح وهيئات مهمة، وحتى مناصب القضاء (رغم تحفظ بعض الفقهاء) تولوها وجلسوا على منصات القضاء يحكمون في قضايا أطرافها مسلمون، كما منحوا المشاركة في المجالس النيابية داخل الدول الإسلامية ترشيحاً وانتخاباً .
وقد كفلت الشريعة الإسلامية لأتباع الأديان السماوية- كما يقول د . الجندي - إلى جانب كل ما سبق حق ممارسة كل النشاطات الاجتماعية، كالمهرجانات والأعياد والزيارات فالمجتمع الإسلامي يقوم على التعايش السلمي بين كل طوائفه وملله، والقرآن الكريم وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يحثان على البر وحسن الصلة بغير المسلمين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو قدوتنا في العطاء الإنساني مع غير المسلمين، فقد كان يعود مرضى غير المسلمين، ويزور جيرانه منهم، ويتفقد أحوالهم، فيحسن إلى محتاجهم، ويتجاوز عن مسيئهم . . كما كانت احتفالات غير المسلمين بأعيادهم ومناسباتهم من الأمور المألوفة لدى المجتمع الإسلامي في جو من الحرية والتسامح .

العلاقات الدولية

وعدالة الشريعة الإسلامية في التعامل مع غير المسلمين لا تتوقف عند تقريرها لحقوق غير المسلمين الذين يشاركون المسلمين في تراب الوطن، بل هي كما يقول د . محمد أبو زيد - تمتد إلى غير المسلمين في أوطان وقارات أخرى، حيث ينبغي أن يرتبط المسلم بعلاقات عادلة ومتوازنة معهم، خاصة من ليسوا في حالة حرب مع المسلمين، ولا تربطهم بالمسلمين معاهدات ولا علاقات، وليس بينهم وبين المسلمين حالة حرب أو عداء معلن، فهؤلاء لهم السلام، وعدم الاعتداء ماداموا على حالة من الحياد، مع استعداد المسلمين لقبول أية بادرة لإنشاء علاقات صداقة وتعاون، ذلك أن الأصل في علاقة المسلم مع الخارج غير المسلم هو السلام والتعاون والبر . . وهذا كله مستمد من قوله تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم" .
أما الذين يرتبطون بمعاهدات واتفاقيات ومواثيق مع المسلمين، فهؤلاء لهم الوفاء والسلام الكامل، والتعاون على مبدأ العدالة، والاحترام المتبادل، ويجب على المسلمين الوفاء لهم بعهودهم وعدم الإخلال بها، ماداموا أوفياء من جانبهم، لأن الوفاء بالعهود والمواثيق من أعظم الواجبات الإسلامية حيث يقول تعالى: "إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً، ولم يظاهروا عليكم أحدا، فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم"، فإذا نقض هؤلاء المعاهدون عهودهم وجب معاملتهم بالمثل حتى لو وصل الأمر إلى إعلان حالة الحرب عليهم ردعاً لهم على عدوانهم .
وهكذا تتجلى عظمة الشريعة الإسلامية وعدالتها في التعامل مع حقوق غير المسلمين وإنصافها لهم، سواء كانوا يعيشون بيننا ويشاركوننا تراب الوطن أو كانوا يعيشون في أوطان أخرى، مما يؤكد أن شريعة الإسلامية كلها عدل ورحمة وتسامح ومودة وتعايش مع كل الأمم والشعوب .