هناك من النجوم في هوليوود وصناعات السينما الأخرى من لا يتمتعون بموهبة أي قدرات تمثيلية عريضة، ومع ذلك فإنهم يملكون قناعا فنيا يظلون ينتقلون به من فيلم إلى آخر، ويحققون به نجاحهم، وربما لو فكروا مرة في التخلي عن هذا القناع الثابت لانتهى بهم الأمر إلى الإخفاق، وهذا هو ما يعرفه جيدا نجم مثل ريتشارد جير، الذي أخذت نجوميته في الارتفاع منذ فيلم امرأة جميلة مع جوليا روبرتس منذ ما يقرب من عقدين من الزمن، ففي هذا الفيلم ظهر في دور الرجل الثري الذي غزا شعره الشيب، يبدو جافا في عواطفه، لكن كلما تطورت الأحداث فإن مشاعره تبدأ في أن تصبح أكثر رقة ورهافة، ليسفر تحت سطح مظهره المتجهم عن مراهق حقيقي. تحقق هذه التوليفة نجاحها لسببين رئيسين أن التغير في مسار الشخصية هو جوهر أي دراما، وأن مثل هذه القصص تتوجه لشريحة محددة من المتفرجين من الرجال والنساء، الذين تجاوزوا أزمة منتصف العمر لينتهوا إلى حالة من الجفاف العاطفي، لكن هذه الأفلام تقول لهم إنه مازالت أمامكم فرصة ثانية للحياة من جديد.
هذا ما يحدث في فيلم ريتشارد جير الأخير ليالٍ في رودانتي، الذي اشترك في بطولته مع الممثلة دايان لين التي وصلت بدورها إلى ما بعد مرحلة منتصف العمر، وهكذا فإن الكوميديا الرومانسية تدور هنا بين رجل وامرأة يعيشان كهولتهما، يتصور كل منهما أنه قد وصل إلى نهاية الطريق وقد انقطع التواصل بينه وبين العالم، فإذا بشرارة الحب التي تندلع بينهما توقظ بداخلهما الأحاسيس، مما يخلق لديهما دافعا لاتخاذ قرارات جديدة بشأن حياة كل منهما، وبالطبع فإن من الأفضل أن تدور قصة الحب تلك في مكان ناءٍ، بعيدا عن أي مؤثرات أو ظلال اجتماعية، وهي حيلة تستخدمها هذه النوعية من الأفلام حتى تترك المجال للعواطف الخالصة التي تنهمر لها الدموع من عيون المتفرجات، وقد اختار الفيلم لأحداثه أن تدور في قرية صغيرة بعيدة عن شاطئ المحيط في ولاية كارولينا الشمالية، وهي قرية رودانتي التي يأتي منها عنوان الفيلم ليالٍ في رودانتي، وكما لابد أنك تتوقع فسوف يحدث الجزء الأكبر من الدراما خلال بضعة ليالٍ في تلك القرية النائية، رودانتي.
في المشاهد الأولى من الفيلم في هذه القرية الصغيرة، تعيش البطلة أدريان (دايان لين) مع طفليها أماندا (ماي ويتمان) وداني (تشارلي تاهان)، لندرك على الفور أن البطلة منفصلة عن زوجها جاك بسبب خيانته لها، لكنه يحاول أن يعود وقد أبدى الندم، لكن أدريان لا تريد أن تتخذ قرارا متعجلا فتطلب مهلة للتفكير والتأمل وحدها، وهو ما يتحقق لها عندما تطلب منها صديقتها جان (فيولا دينيس) أن ترعى فندقها الصغير خلال عطلة الأسبوع لأن جان سوف تذهب مع صديق لها في رحلة، لتوافق أدريان خاصة أن من غير المتوقع وصول نزلاء ما عدا نزيلا واحدا.
هذا النزيل هو الدكتور بول فلانر (ريتشارد جير) الذي سوف نراه لأول مرة وهو يغادر منزله الفخم في ولاية بعيدة، ويقود سيارته الفاخرة في تلك الصورة التي يظهر بها دائما ريتشارد جير، الذي يزداد وسامة كلما ازداد شعره بياضا. ويلجأ الفيلم إلى أسلوب الفلاش باك الخاطف ليقول لك إن بول يعاني من قلق غامض لأن مريضة لفظت أنفساها الأخيرة وهو يجري لها عملية تجميل. يصل بول إلى الفندق الصغير في رودانتي، بينما تكون أدريان في وحدتها بسبب حيرتها في اتخاذ قرار العودة إلى زوجها، لكنها تجفف دموعها قائلة إنها بسبب الرياح. مرة أخرى يؤكد الفيلم على تجريد الدراما من أية أبعاد واقعية أو اجتماعية، عندما تبدو غرف الفندق شديدة الفخامة على نحو لا يمكن تصديقه في هذا المكان النائي، فالمهم هو التركيز على العلاقة المتنامية بين البطل والبطلة، اللذين يخفي كل منهما سره عن الآخر في البداية: سبب حزن أدريان، والقلق الغامض الذي ينتاب بول.
لكن شيئاً فشيئاً يزداد التقارب بينهما، إن بول لا يريد أن يتناول طعامه وحده، لذلك تشاركه أدريان في عشائه التي أدته، ليبدأ الحوار الذي يتحدث فيه كل منهما عن فشله في زواجه، وانقطاع الصلة مع الأبناء، وعندما يجلسان جنبا إلى جنب بعد العشاء على عتبة المنزل خلال الليل، نكون قد عرفنا أن بول له ابن طبيب يدعى مارك (جيمس فرانكو) الذي قرر ألا يمضي في نفس طريق عمل أبوه في جراحات التجميل، ليذهب إلى أمريكا الجنوبية حيث يعالج الفقراء. وفي الصباح التالي نصبح أكثر اقترابا من قصة بول، فهو هنا في قرية رودانتي لكي يقابل الرجل العجوز روبرت، الذي توفيت زوجته عندما كان بول يجري لها جراحة تجميل، ولأنه رفع دعوى تعويض ضد بول فإن الطبيب جاء ليقنعه بالتنازل عن القضية لأنه لا ذنب له فيها.
في الحقيقة أن العجوز روبرت لا يريد تعويضا ماديا من بول، بقدر ما يريد اعترافا بأن موت زوجته العزيزة بالنسبة إليه لا يعني مجرد خطأ مهني، وإنما كارثة إنسانية مدمرة، لكن بول ما يزال يناقش المسألة بحياد وبلا عاطفة، مما يجعل العجوز مصرا على أن يمضي في دعواه، من جانب آخر، فإن الفرصة تأتي أمام بول لكي يتأمل تلك العلاقات الإنسانية البسيطة التي كان يتعامل معها بعقل وقلب باردين، كما تمضي علاقته مع أدريان على نحو أكثر عمقا ودفئا، خاصة أن إعصارا سوف يجتاح المكان فيجعل البطل والبطلة أكثر اقترابا، ولتتأمل هذا المشهد الذي تنقطع فيه الكهرباء، ليتناولا الطعام على ضوء شمعة، بينما تعصف الريح بمصاريع النوافذ.
هذا المشهد يؤكد لك نمطية تناول الفيلم، ولجوءه إلى الكليشيهات التقليدية دون البحث عن عمق الدراما داخل الشخصيات، وهذا ليس غريبا على هذا النمط من الأفلام المسرفة في عاطفيتها، وتذكرك على نحو ما ببعض أفلام القنوات التلفزيونية الموجهة إلى ربات البيوت. وفي الحقيقة أن الفيلم مأخوذ عن رواية للكاتب الأمريكي نيكولاس سباركس المتخصص في هذا النوع من القصص، التي يمكن أن تحقق أرقام مبيعات عالية لكنها لا تبقى في تاريخ الأدب، كما أعد السيناريو آن بيكوك وجون رومانو دون محاولة لإضفاء أي عمق على النص الروائي أو الشخصيات، ناهيك عن أن تلك هي التجربة الأولى للمخرج جورج وولف في عالم السينما الروائية بعد قيامه بإخراج حلقات تلفزيونية، ويمكنك أن تقول إن الفيلم لم يكن يكتسب جاذبية لولا بطليه ريتشارد جير، ودايان لين، خاصة أن الحبكة تدور حول شخصيتهما فقط بينما تبدو كل الشخصيات الأخرى هامشية. لكن على أية حال هناك تطورات في الحدوتة يمكنك أن تستمتع بها عندما ترى الفيلم، لتعرف كيف تحقق التغير في كل من البطل والبطلة، وربما تهتز عواطفك عندما يتبادلان الخطابات التي تقطع نياط القلوب، لكن سوف تسأل نفسك بعد أن تغادر قاعة العرض: لماذا الخطابات في عصر البريد الإليكتروني والحديث المباشر عبر الإنترنت؟ والإجابة هي أن الخطابات هي الصورة النمطية للتعبير عن مشاعر الحب في الأفلام التقليدية، وهي التقاليد التي لم يفكر فيلم ليالٍ في رودانتي أن يتخلى عنها لحظة واحدة.