إجابات جاهزة يرتديها المبرر عند كل سؤال يضعه في مواجهة مع الواقع، وأمام كل اتهام يوجهه له الآخرون، فهو الإنسان الذي يصر على أن يلون الحقيقة بطريقته الخاصة، ويقدمها بشكل يتناسب وأسلوبه الانهزامي في الحياة، شاعراً بحالة قلق، رافضاً المواجهة في كل مرة عذر يقدم فيها الأعذار للآخرين، ليبتعد عن ثقته بنفسه ويكتفي بالحماية فقط . متى يكون التبرير مشكلة، ومن المسؤول عن هذه العادة السيئة، هذا ما نحاول معرفته من خلال التحقيق التالي:

يعتمد حسن خشبة موظف في شركة للساعات على التبرير ليحافظ على مشاعر من حوله، ويقول: أنا من الناس المتهمين باللجوء إلى التبرير في الكثير من الأحيان، مع أني أتجنب الكذب ولكنني أجمل الواقع حتى لا أجرح أحداً ولهذا يعتبر أسلوبي في التبرير نوعاً من المجاملة اللطيفة، ولكنه يرى أن الاعتياد على التبرير ليس عادة جيدة ولكنه لا يستطيع التخلص منه .

بينما يبرر عبدالله الصالح طالب عادة التبرير لديه بطريقة مختلفة، فهو يرجع الأمر إلى المحيط، يقول: يضطرك من حولك إلى اختلاق المبررات للتخلص من الأسئلة الكثيرة التي يطرحونها عليك، خصوصاً إذا كنت غير مهتم بالموضوع، ويعتبر أن الأشخاص المزعجين بأسئلتهم وتحقيقاتهم غير المعقولة هم خلف هذه الظاهرة، مؤكداً أن مشكلته الأساسية تكمن في عدم قدرته على الالتزام، مما يضطره للتبرير حتى يتخلص من الأسئلة المزعجة وغير المرغوب فيها، ويضيف إن طبيعة والدته الملحة زرعت هذا الطبع لديه ليتخلص من ملاحقتها الدائمة له .

وتشير رغد سليمان ربة منزل إلى أن الأطفال يلجأون إلى التبرير عندما يشعرون بالخوف، مؤكدة أن التربية هي المسؤول الأول والأخير عن زرع الصفات الجيدة أو السيئة في شخصية الانسان، وتقول: أبتعد عادة عن تعنيف أبنائي وحصرهم في زاوية الاتهام حتى لا أضطرهم للكذب علي واختلاق المبررات، فالإنسان بطبيعته ميال للتبرير حفاظاً على صورته وعلى وجوده، وتؤكد أن الخوف من أهم الدوافع التي ترعى هذه العادة، ولهذا اختارت أن تربي أبناءها على الثقة لا على الخوف .

عندما يجتاز التبرير حدوده المنطقيه ينكشف قناع الشخص المبرر ليفضح حقيقته الكاذبة، هكذا تنظر إلى أسمهان محمد موظفة مبيعات إلى الأشخاص الذين يتعاطون التبرير كثيراً في تعاملهم مع الآخرين، مؤكدة أنها لا تستطيع التعامل مع هؤلاء الأشخاص، لأنهم يضيعون الوقت ويرهقون الأعصاب بالتعامل معهم، خصوصاً عندما تتأكد بأنهم كاذبون .

ويوافقها الرأي محمود محمد عبدالحميد مسؤول صيدلي في مركز ويؤكد أن هناك أشخاصاً يبالغون في التبرير لدرجة أن يقسموا كذباً ليثبتوا صحة كلامهم، ويقول: أصادف الكثير من هذه النماذج في الحياة، وهناك من يحترف التبرير لدرجة أنه يحاول أن يغير لك حقيقة أشياء تكون قد رأيتها بأم عينك، محاولاً إقناعك بالعكس، وعن طريقته بالتعامل مع الأشخاص الذين يلجأون إلى التبرير عموماً، يوضح أن الموضوع نسبي ويعود إلى طبيعة الشخص ومعرفتنا به، فمن نعرف عنه الصدق نتقبل منه كل المبررات ونتفهم أعذاره، والعكس صحيح .

بينما ترى هدى عدنان موظفة مبيعات أن المشكلة تكمن أحياناً في الشخص الذي نتعامل معه، وتقول: لم أكن ألجأ إلى التبرير كثيراً، لكن طريقة خطيبي السابق في الأسئلة كانت تضطرني لاختلاق الأعذار والكذب عليه حتى أتهرب من النقاش معه، فهو شخص شكّاك يعتمد هذا الأسلوب مع جميع المحيطين به، ولهذا لم أستطع الاستمرار في علاقتي معه لأنه كان مرهقاً بالنسبة لي مع كل المبررات التي كنت أبدع بتأليفها لأجله، إلا أنني تنبهت في النهاية إلى أني لا أعيش بشخصيتي الحقيقية ولم أعد أشعر بالراحة فقررت إيقاف هذا الاستنزاف النفسي والتوقف عن سيل المبررات اليومية .

وهناك من يرجع كثرة التبرير إلى الفشل مثل أحمد جميل مدير محل يرى أن الشخص الذي يعتمد على التبرير بكثرة هو انسان فاشل، ويقول: عندما يستسهل المرء تبرير أخطائه وتصرفاته غير الملتزمة ربما فهو شخص فاشل ليست لديه القدرة ولا الرغبة بالعمل على التخلص من صفاته السلبية، إذاً فهو مستسلم لوضعه السيئ ولهذا أدعوه فاشلاً، أما التبرير ضمن الحدود الطبيعية فهو شيء عادي وقد يكون من الصفات الإيجابية لدى الشخص الذي يقدر الآخرين ويهتم بهم .

وعن طريقته في التعامل مع الأشخاص الذين يلجأون إلى التبرير كثيراً، يوضح أن هناك فرقاً بين اختيار التعامل معهم والاضطرار إلى ذلك، فهو يحاول أن يجد طريقة للتعامل مع الموظفين عندما يكونون من هذا النوع، لكنه يرفض التعامل في الحياة الاجتماعية مع هذه النماذج لكونها مرهقة .

وللمديرين باع طويل في أساليب الموظفين في التبرير، يحدثنا محمود شعبان مدير مبيعات في مركز التعليم المبكر عنها قائلاً: نعاني كثيراً المبررات والأعذار التي يقدمها الموظفون لعدم التزامهم في العمل ومتطلباته، ومن خلال خبرتي بالإدارة لاحظت أن التأخير من أكثر العادات التي يقدم لها الموظفون الأعذار، وقد اعتدت على إدارة هذه المشاكل ما بين اللين والشدة، فهناك حالات مرضية من التبرير لدى الموظفين تستدعي المواجهة والحلول القاسية عندما يعتمد الشخص على التبرير في حياته العملية، ويؤكد شعبان أنه ما من موظف يعتمد هذا الأسلوب يستطيع الاستمرار في عمله، فقوانين العمل وطبيعة الحياة العملية لا تحتمل هذه النماذج .

يفتقد الانسان الذي يبرر كثيراً إلى الثقة بالنفس، ويعاني تقدير الذات المنخفض، لذا يلجأ إلى التبرير الذي يصل أحياناً إلى مرحلة الخداع من أجل الهروب من الواقع لعدم مقدرته على توصيل الحقيقة هكذا يشرح لنا الدكتور أحمد العموش عميد كلية الآداب في جامعة الشارقة آلية التبرير من وجهة نظر علم النفس الاجتماعي، ويعيد اكتساب هذا السلوك إلى التنشئة بالدرجة الأولى، فالأسرة هي التي تزرع هذا السلوك لدى الأبناء من خلال طريقة التربية حيث يضطر الطفل لحماية نفسه بهذا السلوك، أو قد يكتسب هذا الطبع من أحد الأبوين . ويضيف إن التبرير يعتبر من الأمراض التي تستدعي العلاج لدى الكثيرين، حيث يقوم المرشدون النفسيون والاجتماعيون بعلاج هذا النوع من الحالات من خلال التدريب على مواجهة الواقع .