على مدى عقود من الزمن ظلت محظرة الجامع الكبير، إحدى أبرز المدارس الدينية في موريتانيا، حيث نهل من معينها قرآناً وحديثاً وفقهاً ولغة، آلاف الطلاب الموريتانيين والأجانب. تقع المحظرة في القسم الجنوبي من ساحة الجامع الكبير وسط العاصمة نواكشوط، وهو أكبر جوامع البلاد.
توجد المحظرة في بناية خاصة تحتوي على غرف لسكن الطلاب وغرفة للتدريس ومكتبة ومرافق.
قد تعاقب على التدريس في هذه المحظرة علماء وأئمة أجلاء من بينهم علامة موريتانيا الكبير بداه ولد البصيري، والعلامة محمد محمود ولد الرباني، والعلامة أحمدو ولد المرابط ولد حبيب الرحمن. وسواهم.
الخليج زارت هذه المدرسة الدينية التي تستقبل الطلاب من جميع المستويات، ومن مختلف الجنسيات وتوفر لهم النفقة والسكن والتعليم على حسابها الخاص. ودون أن يدفع الطالب أو ذووه أوقية واحدة. ومن المتعارف عليه أن يتولى إمام الجامع الكبير مسؤولية هذه المحظرة تكوينا ورعاية. ولهذا انتقلت إدارة أعمالها من عالم إلى آخر، أما الخدمات التي تقدمها فظلت ثابتة.
عند مدخل البناية يبدأ الداخل بسماع الأصوات المرتفعة التي مع اقترابه يتبين أنها للطلاب الذين يراجعون دروسهم. وفي المدخل تلفت انتباهك في كل زاوية حمالة الألواح، وهي سلة مرفوعة على دعائم ويضع فيها الطلاب ألواحهم بعد انتهاء الدرس.
واللوح يصنع من خشب الأشجار (البشام، الطلح، السدر... )، حيث يقوم الصانع التقليدي بقطع جذع شجرة ونجارته بعناية فائقة حتى يخرج منه لوح مسطح مدبب الرأس على شكل قبة المسجد. وفي هذا اللوح يكتب الطالب دروسه وبعد حفظها يقوم بغسله بالماء وتجفيفه بثوب طاهر قبل أن يكتب فيه درسه التالي.
سيدي أحمد الفتى ذو الاثني عشر عاماً يكتب الجزء الأخير من القرآن الكريم، وآخر يكتب من طهارة خليل، أما الثالث فيكتب من الكوكب الساطع في مقرأ الإمام نافع..
تدرس محظرة الجامع الكبير ثلاثة أقسام رئيسية هي القرآن، والفقه، واللغة. بالنسبة للقرآن تقوم المحظرة بتحفيظه إلى أن يختمه الطالب ويتخرج بإجازة حفظ القرآن، كما تدرس علومه وتفسيره للحفظة وطلاب الجامعة والمعاهد والباحثين والمختصين. الذين يقصدون هذه المحظرة من حين لآخر للتعمق أكثر في دراستهم وأبحاثهم وحل المشاكل التي تعترضهم. أما الفقه فتدرس المحظرة جميع فروعه من صلاة وزكاة، وصوم، وحج، ومعاملات.. إلخ. وبالنسبة للغة فالمحظرة تدرس جميع العلوم اللغوية بحسب مستوى الطالب، الذي يبدأ كالعادة بأنظام مبسطة، تشرح القواعد الأساسية في اللغة، لينتقل الطالب إلى الكتب الوسطية ثم إلى ألفية ابن مالك، وكتب النحو الموريتانية طرة ابن نونا، واحمرار الألفية.. إلى غيرها من مؤلفات.
التلاميذ الصغار السن غالبا هم طلبة القرآن حفظا، وهؤلاء البراعم الجالسون خلف ألواحهم الخشبية يجهدون في حفظ السور باستقامة على مسمع من المدرسين ومن التلاميذ الأقدم منهم. ومحظرة الجامع الكبير تستقبل أيضا جميع الباحثين والدارسين الكبار في الفقه واللغة والذين يأتون لتأصيل معارفهم بشأن قضية أو إشكالية معينة في اللغة أو الفقه.
أطفال بعمر الزهور، من خمس سنوات فما فوق، وشبان يافعون، جاؤوا من كل الجهات، وكل البلدان ليحفظوا كتاب الله، وكل منهم يأتي وليس معه سوى ثيابه ولوحه الخشبي المسطح الذي يكتبه له فيه ما عليه حفظه كل يوم.
يقول الطفل عبد الرحمن (7 سنوات) أنا في الحزب العاشر. ومسرور بالدراسة هنا.
أما الطالب إبراهيم آلفا، 27 سنة، والقادم من غينيا، فيقول إنه جاء إلى أرض شنقيط ليحفظ كتاب الله وأن ذلك هو أول هدف له قبل أن يبدأ دراسة الفقه واللغة. ويقول إنه بدأ يتعلم اللغة العربية من لهجة الموريتانيين (الحسانية)، والتي تعتبر من أقرب اللهجات العربية إلى الفصحى، ويقول إنه يشعر بالارتياح والامتنان للقائمين على هذه المحظرة لما يوفرونه من رعاية وسكن واهتمام بتعليم الطالب المسلم بغض النظر عن لونه أو جنسيته. ويتعهد بأنه سيعود إلى بلاده بعد تخرجه ليدرس كتاب الله وعلوم الشريعة الإسلامية الغراء لأبناء بلده.
ونسأل زميله من دولة غامبيا، الذي جاء طالباً للعلم الشرعي في هذه المحظرة، إن كان أسلوب الموريتانيين في التدريس سهل عليه الأمور، فيقول إن المحظرة نظام فريد فيه تتعلم جميع العلوم الشرعية واللغوية من حيث قصدت ومن حيث لم تقصد.
يشير بذلك إلى استفادة طالب القرآن مثلا من سماعه مذكرات طلاب الفقه وطلاب النحو، فقبل أن ينتقل إلى دراسة الفقه واللغة يكون قد حفظ سماعيا الكثير من الأحكام الشرعية وقواعد اللغة العربية.
طلاب من غامبيا وسيراليون ودول أخرى ينكبون على ألواحهم بهدوء وجدية تامة، وبين الفينة والأخرى يتجهون إلى المدرس لنطق عبارة بشكل صحيح، أو لمعرفة معنى عبارة أخرى.
الهيبة ولد محمد إسحاق، وهو عالم وحاصل على الإجازة في القرآن الكريم سنة 499_ من محظرة يبه ولد واوح، إحدى أشهر المحاظر في المناطق الشرقية من موريتانيا، هو الأستاذ المشرف على المحظرة، يبدأ حديثه معنا بقوله هذه المحظرة يقوم على شؤونها فضيلة الإمام أحمدو ولد المرابط إمام المسجد الكبير وهو الذي ينفق عليها ويقوم على جميع شؤونها.
ويضيف لدينا شروط معروفة ومكتوبة وتقدم لكل طالب علم يأتي للدراسة في هذه المحظرة ومنها أن يتفرغ نهائيا لطلب العلم فلا يخرج إلا أيام الإجازة المحظرية من ظهر الأربعاء إلى ظهر الجمعة.. فالطالب لا يخرج من المحظرة حتى يبقى ذهنه صافيا ومتفرغا للتحصيل.. ونسمح بالخروج خارج العطلة في حالة أسباب قاهرة فقط.
بين فترة وأخرى تشهد محظرة الجامع الكبير حدثا سعيدا.. حين يعلن أن أحد الطلاب أكمل حفظ القرآن الكريم.. فهذه مناسبة لها طقوسها الخاصة.. فالفرح يشمل الشيخ ويعم التلاميذ، كما أن على أسرة الطالب الذي حفظ القرآن أن تقدم هدية عبارة عن شاة سمينة ستذبح وتشوى ليطعم بها الطلبة والمدرس.. ذلك أن هذه هي أكثر المناسبات سعادة ولا يمكن إلا أن تخص باحتفال وفرح خاص.
نسأل ولد محمد إسحاق في حالة عجز أسرة الطالب عن توفير الشاة ماذا يحدث؟ فيجيبنا لكل ظرف ما يقتضيه، وإحضار الشاة ليس إجباريا بل هو تقليد، ولكن في حالة عدم القدرة على إحضارها فيجب على الطالب أن يقدم شيئا ويقوم الطلبة بدورهم بالمساعدة على إحياء هذه المناسبة.. حفظ القرآن مناسبة عظيمة يجب تقديرها والاحتفال بها.
ولا شك في أن محظرة الجامع الكبير توفر ظروفا مثالية للطالب مقارنة بالظروف الصعبة التي تعرفها محاظر أخرى في البلاد حيث شظف العيش وحرارة الجو وعدم السكن الملائم. ورغم تلك الظروف يحرص الطلاب الموريتانيون في محاظرهم على إكمال دراستهم والتخرج بالإجازة أو بحظ من العلم يصون الكرامة.
ويتذكر ولد محمد إسحاق الظروف التي كان يدرس هو فيها فيقول كنا ندرس على ضوء الحطب، وهو تعبير يعني أن يقوم الطلاب في الليل ويجمعون الحطب ويشعلون فيه النار ليراجعوا دروسهم على ضوئها.
ويضيف كنا كل ليلة نسهر على ضوء النار لوقت طويل ونحن نتذاكر، وكل منا يقوم بحفظ أجزاء من القرآن، وكثيرا ما نختمه كل ليلة.. وكانت ليلة الأربعاء بالخصوص ليلة مميزة يحضرها الشيخ لأن الطلاب فيها يتبارون في المعرفة ويختبرون بعضهم بعضا ويحاول كل منهم التميز.