تقدم مكتبة الإسكندرية بيرم التونسي الشاب الرحالة، المنفي عن وطنه، من خلال تجربته في إصدار مجلة الشباب التي كانت منبراً، بث عبره فكره وأزجاله ومقاماته وقصصه القصيرة في صورة ضاحكة عابثة مازحة، وكما يقول د.إسماعيل سراج الدين في تقديمه لأعداد المجلة: لقد تفوق بيرم على نفسه، وأبدع في مجلة الشباب من خلال تعدد أبواب تلك المجلة التي تصدرها مكتبة الإسكندرية من خلال سلسلة ذاكرة مصر المعاصرة تكريما لهذا الثائر.

كان ميلاد الشاعر في حي الأنفوشي في مدينة الإسكندرية في 3 مارس/آذار عام 1893 . وكان والده تاجر حرير، وقد أرسله إلى المعهد الديني الذي انقطع عنه بعد موت أبيه، وظهر نبوغه الشعري مبكرا، ففي عام 1919 أصدر مجلة المسلة وبعد إغلاقها أصدر الخازوق، وقد نفي إلى تونس بسبب مقالة هاجم فيها زوج ابنة الملك فؤاد، لكنه لم يطق العيش فيها، فسافر إلى فرنسا ليعمل حمالا في ميناء مرسيليا، لمدة سنتين، ثم يعود إلى مصر بجواز سفر مزور، فيلقى عليه القبض مرة أخرى، وتنفيه السلطات المصرية إلى فرنسا.

وبعد أن تربع الملك فاروق على عرش مصر، تقدم بيرم إليه بالتماس، فعفا عنه، ثم عمل في أخبار اليوم وغيرها من صحف مصر، ليحصل بعدها على الجنسية المصرية، إلى أن منحه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر جائزة الدولة التقديرية عام 1960 وكانت وفاته بعدها بعدة أشهر.

وفي مجلة الشباب التي حققها وقدم لها أشرف أبو اليزيد، وأصدرتها مكتبة الإسكندرية يتوقف أمام ما كتبه بيرم التونسي تحت عنوان مذكرات المنفى التي استعاد فيها ذكرياته في فرنسا حيث عاش في منفاه، وقد هدأت نبرة الإعجاب بالغرب، لتعلو مكانها رؤية تأملية تبين قسوة الغربة على العربي، وخاصة في المنفى، وإن لم تخل المذكرات من إعجاب بالمرأة الفرنسية.

وتعد المذكرات سيرة ذاتية جمعية للمهاجرين العرب الذين يختلط فيهم الشامي بالمغربي، ولا يترك بيرم التونسي فرصة إلا وينقل لنا طرفاً من الأخلاق والعادات والتقاليد، بل والمفردات التي طوعها لتكون عاميتها فصحى عربية.

احتلت مذكرات بيرم مساحة كبيرة من مجلة الشباب التي صدر عددها الأول في 29 أكتوبر/تشرين الأول 1936 وعددها الأخير في 12 مارس/آذار ،1937 وضمن أبواب المجلة المتنوعة كانت الرسوم تحتل مساحة كبيرة وبأحجام مختلفة، وأهمها الرسم الكاريكاتوري الذي يتصدر الصفحة الأولى، عدا بعض الرسوم الأخرى المصاحبة للموضوعات، وهناك رسوم شارحة وأخرى قائمة بذاتها إضافة إلى رسوم الأعلام.

وقد وضع التونسي بابا للأغاني المحلية، وكان الرسم عبارة عن تعليق ساخر مناقض للأغنية، وهكذا ظهر باب باسم نكات محلية مصورة وآخر باسم الأغاني الشعبية مصورة، وثالث بعنوان الأغاني الوطنية مصورة، ورابع عن اختراعات جديدة، وجاءت معظم هذه الرسوم غفلاً من التوقيع.

وفي باب حمل اسم الأبطال بالريشة والقلم قدم لوناً جديداً من أدب التراجم، وأبطاله يبدون ضحايا لقلمه إذا انتقدهم، فهو يدور حول الشخص كقناص فرائس، يدور حول صيده الثمين، يرمي حوله الحبال كلمات كأنشوطة حتى يوقع أصحاب السير والتراجم الذين اختارهم في شباكه.

كانت الشباب مرآة لعصرها، وشاهدا على إعلامه من الساسة والفنانين والأدباء وغيرهم وبالإضافة إلى الأعلام الواردة أسماؤهم في زاوية الأبطال، وردت أسماء العشرات من قادة الفكر وأعمدة السياسة وأقطاب الفن والأدب.

وفي باب أبناء وبنات الفن ينتقد التونسي بشدة وجرأة ذلك التراوح الفني بين الرقص والغناء، وتلك المزاوجة بين اللحن والتأليف، ونادراً ما كان بيرم التونسي يفسح صفحات الشباب لشعر غير الذي ينظمه أو زجل غير الذي يكتبه، واستثناء نشر مقاطع ل ابن عروس وقصيدة للشاعر الجزائري مفدى زكريا.