تحققت مكانة النبي صلى الله عليه وسلم، عند الله تعالى في آيات جليلة وسور عديدة من القرآن الكريم منها سورة الضحى التي توقف الشارحون والمفسرون أمامها طويلاً وما ذكر في سبب النزول، أن الوحي كان قد تأخر عن النبي صلى الله عليه وسلم بضعة عشر يوماً . وقيل: كانت المدة سنتين ونصف السنة، والأول هو الأعم والأصح، فقالت قريش، إن محمداً ودعه ربه وقلاه (أي أبغضه) . كما قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم ترك قيام الليل لعذر نزل به، فتكلمت امرأة في ذلك كلاماً، قيل إنها "أم جميل" بنت حرب، امرأة أبي لهب . وقيل: بل تكلم به المشركون عند فترة الوحي . فنزلت سورة الضحى: "والضحى . والليل إذا سجى . ما ودعك ربك وما قلى . وللآخرة خير لك من الأولى . ولسوف يعطيك ربك فترضى . ألم يجدك يتيماً فآوى . ووجدك ضالاً فهدى . ووجدك عائلاً فأغنى . فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر . وأما بنعمة ربك فحدّث" .
ولعل سورة الضحى، خير شاهد على مكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند الله سبحانه وتعالى، لأنها تتضمن في حقيقتها وواقع نزولها وجوهاً عظيمة من تكريم الله عز وجل لنبيه الأكرم، تماماً كما تتضمن مختلف وجوه التنويه به، ومختلف وجوه تعظيمه إياه، ما جعل الشرّاح والمفسرين من علماء وفقهاء، يسهبون في جلاء مكانة النبي الأكرم عند الله تعالى حتى حدود الإشفاق عليه، تعظيماً وتقديراً وتكريماً له .
وعن القسم للنبي صلى الله عليه وسلم من ربه عما أخبره به من حاله قال هؤلاء العلماء: "والضحى . والليل إذا سجى" أي ورب الضحى . واعتبروا ذلك القسم من أعظم درجات المبرة للرسول الكريم . كذلك بينوا مكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند الله تعالى وحظوته لديه من خلال قوله تعالى : "ما ودعك ربك وما قلى" فقالوا: أي ما تركك وما أبغضك . وقالوا أيضاً: ما أهملك بعد أن اصطفاك: أي اختارك وفضلك وقربك . وتحدثوا أيضاً عمّا أعطاه الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا، وأن ما يدخره له من عطاء في الآخرة لهو أعظم بكثير . وذلك محقق في قوله تعالى : "وللآخرة خير لك من الأولى" . وقال سهل في ذلك، وهو من الفقهاء المعدودين في شرح القرآن الكريم وأسباب النزول: "أي ما ذخرت لك من الشفاعة والمقام المحمود خير مما أعطيتك في الدنيا" . ولا شك أن المقام المحمود، عند "سهل" إنما هو مقام الشفاعة العظمى الذي يحمده فيه الأولون والآخرون .

آية جامعة

وقد وجد العلماء في الآية الخامسة من سورة الضحى، آية جامعة لوجوه الكرامة وأنواع السعادة وشتات الإنعام في الدارين، أي الزيادة على ذلك بما خص الله تعالى به نبيه الأكرم، وربما هي الزيادة على النعم المعروفة بلقائه ورضوانه، مصداقاً لقوله تعالى: "ولسوف يعطيك ربك فترضى" . ويتحدث ابن إسحاق عن أن الله تعالى يرضي النبي صلى الله عليه وسلم بالفُلج في الدنيا والثواب في الآخرة في هذه الآية . والفلج (بضم الفاء وسكون اللام) هو النصر والفوز والظفر بالأعداء على ما أوردته كتب المعاجم، والمراد أنه يفوز في الدنيا وينصره الله ويحميه . وقيل: بل يعطيه الحوض والشفاعة . وقد روي عن بعض آل النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليس آية في القرآن أرجى منها" . وذلك لشدة كرامة رسول الله عند ربه .
ويعدّد الله سبحانه وتعالى النعم والآلاء الربانية التي أسبغها على الرسول صلى الله عليه وسلم: من هدايته إلى الإسلام أو هداية الناس بالرسول . فأغناه بما آتاه، وملأ قلبه بالقناعة والغنى، وحدب عليه عمه يكفيه مرارة اليتم ويأويه إليه . وقيل أيضاً بل يأويه إلى الله . ويأتي قول الله تعالى: "وأما بنعمة ربك فحدّث"، ليمنحه أمراً ربانياً هو بأمس الحاجة إليه، وذلك حين يأمره تعالى بإظهار نعمته عليه وشكر ما شرفه بنشره وإشادة ذكره . فمن شكر النعمة الحديث بها . وهذا خاص للنبي صلى الله عليه وسلم، وعام لأمته التي تشكل البيئة الحاضنة للدعوة الشريفة، حيث يقول تعالى: "وأما بنعمة ربك فحدّث" (الضحى: 5) .

سورة طه

وإكرام الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بإسباغ مثل هذه النعم عليه، إنما هو موصول بالشفقة به والرحمة له . وهناك من السور الشريفة والآيات القرآنية الجليلة، ما يمكن أن نجد فيها ما أورده الله تعالى في جهته عليه الصلاة والسلام مورد الشفقة والإكرام . يقول تعالى في سورة طه: "طه . ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى" (1 - 2) .
وذكر العلماء أن "طه" من أسماء النبيّ صلى الله عليه وسلم وقيل: إنه من أسماء الله . وقيل أيضاً إنه بمعنى "يا رجل" . أو "يا إنسان" . وقيل أيضاً وأيضاً: هي حروف مقطعة لمعانٍ . وأما الواسطي فيرى أنه أراد (سبحانه) يا طاهر، يا هادي . وقيل هو أمر من الوطء . والهاء كناية عن الأرض . والمراد: اعتمد على الأرض بقدميك، ولا تتعب نفسك بالاعتماد على قدم واحدة وهو قوله تعالى: "ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى" . وقد نزلت هذه الآية فيما كان النبي عليه الصلاة والسلام يتكلفه من السهر والتعب . ولا خفاء بما في هذا كله من الإكرام وحسن المعاملة والشفقة عليه صلى الله عليه وسلم . وقد أسعده الله تعالى وهوّن عليه ما يلقى من المشركين وغيرهم . وكذلك أعلمه أن من تمادى في ذلك يحل به ما حل بمن قبله . ومن مثل هذه التسلية قوله تعالى: "وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك" (فاطر: 4) . وقوله تعالى أيضاً: "كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسولٍ إلاّ قالوا ساحر أو مجنون" (الذاريات: 52) .
فقد عزّى الله سبحانه وتعالى نبيه الأكرم وأشفق عليه، وذلك حين أخبره بما فعلته الأمم السالفة مع أنبيائها قبله . فسلاه بذلك عن محنته من خصومه في مكة المكرمة وأنه ليس أول من لقي ذلك . ثم طيب نفسه وأعذره بقوله تعالى : "فتولَّ عنهم" (الذاريات: 54) .

أ .د . قصي الحسين