قال تعالى: ولمن خاف مقام ربه جنتان وسأل كثير من الصالحين عن سر الجنتين فذهب الشراح إلى أنهما واحدة للعبد المؤمن جزاء ما عمل في الحياة الدنيا وفوز بالنعيم، والجنة الأخرى (الثانية) لأزواجه وخدمه.. بينما ذهب رأى آخر إلى القول إنهما جنتان الأولى من ذهب بكل ما فيها من أوان وأدوات والثانية من الفضة وقال مفسرون إن هاتين الجنتين للسابقين، وذهب البعض إلى أن القول في الرأيين يتسق مع ما يتطلع إليه الإنسان بعقله في زمن ما.. وبالتالي يمكن أن نصل مع التفاسير إلى أقوال أخرى عديدة، لأن القول بجنة للإنسان وأخرى للأزواج والخدم تفتح باب الاستفسار عن جزاء المرأة الصالحة وما يكون لها في الجنة؟ وهل هي مستقلة أم متصلة مع ما يكون لزوجها من نصيب؟ أم ينطبق عليها قول الهادي عليه الصلاة والسلام: أنت ومن تحب في الجنة والرأي الراجح أن الجنة أعظم وأجمل من كل ما يمكن أن يذهب إليه خيال الإنسان.

عينان تجريان

ونتوقف أمام الوصف القرآني: فيهما عينان تجريان وهو تأكيد على وجود الجنتين وفيهما عينان تجريان فتسقيان الأشجار وتنبتان الثمار، وفيهما أعذب الماء السلسبيل، وقال العلماء إن الجنتين المذكورتين هما للسابقين من الصالحين والأولين أو لمن خاف مقام ربه.. وهذا حسن، فماذا عن عامة الناس من أهل الجنة؟ يرى العلماء أن هؤلاء يحق عليهم وصف ثنائي آخر وهو ومن دونهما جنتان يفوز بهما أصحاب اليمين والذين كان لهم الفوز الأعظم والسرور يوم الموقف العظيم ونواصل مع الآية الكريمة في قوله تعالى: ومن دونهما جنتان. فبأي آلاء ربكما تكذبان. مدهامتان.

والكلمة الأخيرة مدهامتان هي واحدة من التعبيرات التي غازلت فكر عرب الجزيرة العربية وهي تعني سوداوان (ليس من السواد) ولكنه مصطلح يعبر عن شدة الخضرة وتمامها وجمالها وروعتها وهو أكثر ما يشعر به أهل البادية والصحارى، حيث ترتفع في أذهانهم قيمة وقدر الخضرة ودرجاتها الأعلى.

وقال تعالى: فيهما عينان نضاختان، أي فوارتان بالماء لا تنقطعان أبدا.. وفي هذا قال ابن عباس (رضي الله عنهما) تنضخ على أولياء الله المسك والعنبر والكافور في دور أهل الجنة كزخات المطر، وهو ما أكده أيضا الإمام القرطبي في تفسيره.

وفي الجنان نجد وصفا آخر يسير على الدرب نفسه فقال تعالى: فيهما من كل فاكهة زوجان وهذه النعم موجود معها جميع أنواع الفاكهة والثمار في صنفين أحدهما معروف لبني الإنسان مما رأى وطعم في الدنيا أو سمع عنه فيها.. والنوع الثاني نوع لم يعرفوه في الحياة الدنيا.. وهو ما أخذ ابن عباس إلى القول: ما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهي موجودة في الجنة حتى الحنظل إلا أنه حلو.. وليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء أي أسماء الثمار والفواكه فقط.. أما الطعم فهو شيء آخر مختلف.

خلق الملائكة

وفي سورة فاطر نتابع قوله تعالى: الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير وهذا يؤكد ما يفكر فيه المؤمن بشأن الجنتين، فهما تختلفان عن كل ما نعرف، وتزدانان بكل ما لا يتخيله عقل بشر وهما أكبر من إدراكنا وأعظم من فهمنا، وإنما تحاول الآيات أن تجعلنا أقرب إلى تلمس هذه العظمة، فالملائكة خلق.. من مخلوقات الله تعالى.. خلقهم من نور وهم دائمو العبادة لا يفترون، وهم مسخرون لأمر الله تعالى وطاعته سبحانه وهم رسل ووسائط بين الخالق (جل جلاله) وأنبيائه وخلقه، ويكشف الحق عن جانب في هيئة الملائكة بعد أن ذهبت عقول الناس إلى أقوال وافتراضات كثر تكرارها ونسجها في الخيال، فقال سبحانه إنه خلقهم وجعل لهم أجنحة يطيرون بها، فمنهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة أجنحة، ومنهم من له أربعة وخمسة وستة وهكذا.. وقد روي لنا النبي عليه الصلاة والسلام أنه رأى سيدنا جبريل (ملك الوحي) وله ستمائة جناح وليس لأحد أن يقول كيف ولماذا وأين يحلق بها فسبحان الله العظيم وتعالى جل جلاله بكلامه وأعداده.. وارتفع عرشه وسما عن الوصف والشبه وتفردت كلماته.