“يوميات نائب في الأرياف” سخرية شديدة المرار

تحليل دقيق للواقع السياسي والاجتماعي في الثلاثينات
12:29 مساء
قراءة 5 دقائق

يعد فيلم يوميات نائب في الأرياف الذي أنتج وعرض في العام ،1969 واحدا من هذه الأفلام التي تمثل جزءا متميزا من تاريخ السينما المصرية بما تحمله من ثراء فني وخصوبة فكرية، حيث يعود بنا إلى عالم القرية المصرية، الذي سبق أن تناوله المخرج توفيق صالح نفسه في واحد من أهم أفلامه وأفلام السينما المصرية أيضا صراع الأبطال والذي سبق هذا الفيلم بسبع سنوات 1962 وفي كليهما يعود توفيق صالح إلى الماضي القريب من تلك الفترة، حيث الأربعينات من القرن الماضي في صراع الأبطال، والثلاثينات في يوميات نائب في الأرياف للوقوف على أسباب التخلف ومظاهره التي عانى منها الريف المصري طويلا.

في يوميات نائب في الأرياف يطرح صناع العمل، الكاتب توفيق الحكيم، والمخرج توفيق صالح، رؤية كل منهما حول علاقة القانون بالواقع، وكيف أن القانون الذي لا يعبر عن مصالح السواد الأعظم من الشعب يعد قانونا جائرا، حيث يؤكد الفيلم هذه الرؤية من خلال إظهار التناقضات الصارخة التي تزخر بها الحياة اليومية، وما يعانيه الفلاح ووقوف العادلة عاجزة عن الدفاع عن هؤلاء الفلاحين الذين يعانون الجهل والخوف والفقر.

يتخذ الفيلم من كتابة يوميات أحد وكلاء النيابة في إحدى قرى الريف المصري في حقبة الثلاثينات، أسلوبا للسرد محاولا إضفاء الشكل الواقعي، للتأكيد أن ما نراه هو تسجيل حقيقي لتجربة واقعية.

يقوم السيناريو على خط رئيسي يتمثل في تحقيق وكيل النيابة في مقتل الفلاح قمر الدولة علوان الذي أصيب بطلق ناري من مجهول، وحين حاولوا استجوابه قبل أن يلفظ أنفاسه، لم ينطق سوى باسم ريم الفتاة الجميلة، شقيقة زوجته التي لقت حتفها خنقا، واضطرت ريم للإقامة معه من أجل رعاية ابن شقيقتها الوليد.

وتغذي الخط الرئيس عدة خطوط فرعية، تكون بمثابة روافد تسهم في تصوير معاناة القرية المصرية في تلك الفترة وتشير في معظمها بوضوح إلى المتهم الأصلي، والفاعل الحقيقي في معظم الجرائم التي ترتكب بحق الأهالي، إنه النظام الحاكم.. وهو الفاعل المجهول المعلوم الذي تنشغل صفوته المتصارعة بالوصول إلى كراسي السلطة، وإرساء قواعد ديمقراطية زائفة.

في مشهد كاشف، محتشد بالدلالات، يدور حوار ساخر شديد المرار بين مأمور المركز الذي جسد دوره الفنان توفيق الدقن ووكيل النيابة الذي يجسده الفنان أحمد عبدالحليم في أول بطولة مطلقة له يسأل الوكيل المأمور عن الانتخابات، فيجب في هدوء وثقة: الحرية المطلقة دي مبدئي لحين تنتهي الانتخابات وحين يبدي النائب دهشته، يكمل المأمور من دون اكتراث: وبعد كده وبكل بساطة آخذ صندوق الأصوات، وأخفيه في الترعة، وحاطط مكانه صندوق الأصوات اللي احنا موضبينه!

يرسم الفيلم من خلال عيني النائب، صورة صادقة لرجل الشرطة الفاسد في براعة ومقدرة، حيث يبرز نهمه للطعام والمال، وفساده الأخلاقي، فهو مزور مقامر، يسطو على أموال موظفي المركز من أعضاء النادي على مائدة القمار، ومرتشٍ تتلقى زوجته الهدايا، وما إن يرى الفتاة الجميلة ريم حتى يسيل لعابه، ويطلب أن يتحفظ عليها في منزله، وتلتمع عيناه بالرغبة الوحشية.

تهرب ريم من منزل المأمور، وتفشل جهوده في إعادتها، ولا تظهر مرة أخرى إلا في نهاية الفيلم جثة هامدة طافية على سطح ماء الترعة التي تتكدس في قاعها صناديق الانتخابات التي تلقي بها الإدارة المزورة، وينتشلها الأهالي أثناء محاولتهم إخراج جثة ريم.

يحمل الأهالي جثة ريم يضعونها فوق صندوق الانتخابات، السبب والنتيجة معا، وهو المشهد البارع الذي يشهد توفيق صالح بنسبته إلى الفريد فرج، والذي يلخص دون ثرثرة الجرائم التي ترتكب بحق الفلاح المصري، ويعلن في صرامة وصراحة ووضوح عن ذلك الفاعل المعلوم الذي يعجز القانون العادل عن الإمساك به، والقبض عليه حرصا على سلامة الإجراءات.

يرى النائب الإنسان، ومن خلال القصص الفرعية التي تدور في المحكمة أو في مركز الشرطة، أن تطبيق القانون لا يعني تحقيق العدل، فالقانون دائما يعبر عن مصالح الطبقة الحاكمة ويحمي مصالحها، وأنه بنصوصه الجامدة، يتحول إلى صنم مقدس، مغمض العينين، فاقد البصيرة.

وفي مواجهة حادة بين معاون النيابة عبد المقصود أفندي ووكيلها النائب صاحب اليوميات، يكشف الفيلم عن جانب آخر من جوانب الخلل الاجتماعي، من خلال نظرة الطرفين للقانون، وكيف أن القانون نفسه له أكثر من وجه، حيث يرى المعاون أن القانون هو الحكومة.. وسلامة الإجراءات هي العدل، ويدير المخرج هذه المواجهة في مشهد طويل من خلال حركة محسوبة بدقة تلعب فيها الإضاءة وحركة الكاميرا، وعناصر الديكور والإكسسوار، داخل إحدى حجرات السجن، دورا مهما حيث تركز الكاميرا وتتجول بين ملابس السجناء ولوحات الأرقام، وتتقاطع الظلال على وجه سعيد خليل، الذي يؤدي دور معاون النيابة، عبد المقصود أفندي ويبدو منطقه المتماسك شكلا، أسير قضبان من الظلام، وتأخذ نبرات صوته ملامح الفحيح، بينما يقف وكيل النيابة في منطقة النور واضحا رافضا المنطق الانتهازي، المتملق للسلطة، وفي مشهد تالٍ بالغ الدلالة يكشف عن زيف ذلك المنطق، حين تتوهم بهانة إحدى جارات قمر الدولة القتيل أن عبد المقصود أفندي هو نفسه حسين خطيب ريم فيلقي به وكيل النيابة إلى السجن، على ذمة التحقيق، بين دهشة الجميع، ليؤكد النائب أنها العدالة التي آمن بها عبد المقصود، أليس على حد قوله المهم أن يكون الورق مضبوط وبنفس المنطق الذي يؤمن به معاون النيابة: آدي العدالة بتاعتك، وبتاعة المأمور بتاعك.. دوق.

استطاع المخرج توفيق صالح، ومن خلال إطار واقعي صارم، وروح ساخرة ممرورة، أن يقدم تحليلا دقيقا للظرف السياسي والاجتماعي والاقتصادي في الثلاثينات، من خلال لغة سينمائية رفيعة، اعتمد فيها على المشهد كوحدة، من دون اللجوء إلى الانتقالات الحادة في المونتاج، معتمدا على كاميرا عبدالحليم نصر المرهفة، التي تتحرك بحساسية وفهم داخل إطار المشهد الطويل، في معظم الأحيان، ومن خلال حركة ممثل محسوبة، حقق قدرا كبيرا من جماليات الصورة عن طريق التكوينات التي أفصحت عن الحس التشكيلي الراقي للمخرج وقدرته على توظيف القيم التشكيلية في خدمة الدراما.

اهتم الفيلم أيضا بشكل مبالغ بشخصية الشيخ عصفور، وأحاطها بالغموض في محاولة لإلباس كلماته ثوب الحكمة، وقد أداها الفنان عبد العظيم عبد الحق ببراعة، صوتا وصورة، حيث وفق المخرج توفيق صالح في اختيار ممثليه، ولم يرضخ لنظام النجوم السائد آنذاك وأسند بطولة الفيلم لاثنين يمثلان للشاشة لأول مرة، الفنان أحمد عبد الحليم الذي أضفى باتزانه وهدوئه وملامحه الخارجية نوعا من الوقار المناسب على شخصية النائب، والممثلة الجديدة، راوية التي أدت دور ريم وأكسبت الدور القصير نوعا من الشفافية التي أكدتها إضاءة عبد الحليم نصر، بإبرازها ليس لجمال الضحية بل لروح هذا الجمال، وأضفت عليه نوعا من البراءة والسحر والغموض الخاص، كما أدى توفيق الدقن واحدا من الأدوار التي تألق فيها واستطاع أن يحول النمط السائد لشخصية المأمور، إلى نموذج حي، ويرتفع إلى مستوى الشخصية الدرامية الحقيقية، وساعده على ذلك البناء الواعي للشخصية كما تناولها السيناريو، كما جسد الفنان شفيق نور الدين برتابة صوته وحركته البطيئة، وجها لعدالة السلحفاة في مقابل العدالة السريعة، للقاضي التي جسدها الفنان حسن مصطفى، وكلتاهما عدالة ظالمة.

في آخر مشاهد الفيلم يغلق النائب في حزن، ملف قضية قمر الدولة علوان وزوجته وشقيقتها بسبب العجز عن الوصول إلى الفاعل المجهول، ويفتح إلى ما لا نهاية ملف الفاعل المعلوم ويدينه بكلمات واضحة محددة، إنه النظام الفاسد الذي لا يحترم آدمية الإنسان، ولا يتوخى العدل وتأتي كلمات النائب في يومياته المؤرخة في أكتوبر ،1935 تعبيرا عن الوضع السياسي والاجتماعي في هذه الفترة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"